إرميا ٩:٢٤
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
بَلْ بِهذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلاً فِي الأَرْضِ، لأَنِّي بِهذِهِ أُسَرُّ، يَقُولُ الرَّبُّ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية مرتين، وستلاحظ أنها جواب. السؤال ضمنيّ، لكنه معلَّق في الهواء منذ الآية السابقة: بم يفتخر الإنسان؟ يجيب الرب بالنفي أولًا: لا بالحكمة، لا بالقوة، لا بالغنى (إرميا ٩:٢٣) — هذه الآية السابقة مباشرة، وهي مفتاح فهم آيتنا. ثم يأتي "بل" الحاسمة: ليس بشيءٍ من إنجازاتك، بل بأمرٍ واحد فقط — أن تفهم وتعرف الرب.
لكن انتبه: المعرفة هنا ليست معلومات عن الله، بل معرفة من هو. والنص لا يتركك تخمّن، بل يحدّد بدقة: "أني أنا الرب الصانع رحمةً وقضاءً وعدلاً في الأرض". هذه ثلاث كلمات ثقيلة تصف طبيعة الله وفعله، لا مجرد صفات نظرية بل أفعالًا يمارسها في العالم الحقيقي، لا في السماء البعيدة وحدها.
ثم تأتي الجملة الأخيرة، وهي التي يسهل تجاوزها بسرعة: "لأني بهذه أُسَرّ، يقول الرب". الله لا يكتفي بأن يفعل الرحمة والعدل كواجب، بل يُسَرّ بها. هذا يكشف قلب الله لا مجرد سلوكه.
موضع الآية في سِفر إرميا مهم: هي ذروة قسمٍ يرثي فيه النبي خراب أورشليم بسبب الخطية (إرميا ٩:١-٢٢)، ثم يوجّه ضربة قاضية لكل افتخار بشري كاذب — في الحكمة، القوة، الغنى — قبل أن يشير إلى الافتخار الوحيد المقبول. الشعب كان يتّكئ على امتيازاته (اختتانه، هيكله، تاريخه) بدل أن يعرف الله معرفة حقيقية، وهذا بالضبط ما أدى إلى الدينونة القادمة.
لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية على المعنى المباشر هنا، لكن هناك فرقًا في التأكيد: البروتستانت يميلون لقراءتها كنقيض حاد لأي تبرير بالأعمال أو الإنجاز الذاتي، بينما تقرأها التقاليد الكاثوليكية والأرثوذكسية أيضًا كدعوةٍ لحياةٍ تتشكّل بالرحمة والعدل عمليًّا، لا مجرد معرفة ذهنية مجردة.
السياق التاريخي
كتب إرميا هذا الكلام في أورشليم، في العقود الأخيرة قبل سقوطها، تقريبًا بين ٦٢٧ و٥٨٦ ق.م. كان نبيًّا في زمنٍ خانق: مملكة يهوذا الصغيرة محاصرة بين قوى عظمى — مصر من جهة، وبابل الصاعدة من جهة أخرى — وكل قرار سياسي كان يشبه المشي على حبل مشدود فوق هاوية.
لكن الأخطر لم يكن السياسة، بل ما كان يجري في قلب الشعب. كانوا يظنون أنهم آمنون لأنهم شعب الله، لهم الهيكل، ولهم العهد، ولهم الاختتان في أجسادهم. كانت هذه الامتيازات قد تحوّلت إلى تعويذة: "نحن آمنون لأن الهيكل هنا" (انظر إرميا ٧:٤). في الوقت نفسه، كانت العدالة الاجتماعية منهارة — الفقراء يُظلمون، الأنبياء الكذبة يطمئنون الناس بسلامٍ لا وجود له، والقادة يتّكئون على دهائهم السياسي وقوتهم العسكرية وثرواتهم بدل أن يتكئوا على الله.
هذا هو السياق المباشر الذي تسبق فيه هذه الآية: إرميا يفكك ثلاث ركائز كانت الثقافة كلها تفتخر بها — الحكمة (المهارة السياسية والدهاء)، والقوة (الجيش والقلاع)، والغنى (الثروة والتجارة). هذه لم تكن أفكارًا مجردة، بل كانت هي بالضبط ما اتّكأ عليه ملوك يهوذا الأخيرون في محاولاتهم اليائسة للنجاة من بابل: تحالفات سياسية، تحصينات، خزائن.
الشعب كان يظن أن انتماءه القومي والديني كافٍ، دون أن يعرف الله معرفة شخصية حقيقية تُترجم إلى رحمة وعدل في حياتهم اليومية. ولذلك جاءت كلمات إرميا كصفعة: لا افتخار في شيءٍ من هذا. الافتخار الوحيد المشروع هو معرفة الرب — ذاك الذي يمارس الرحمة والعدل فعلًا، لا الذي يُذكر اسمه فقط في الطقوس. وبعد سنواتٍ قليلة، سقطت أورشليم فعلًا، وسُبي الشعب إلى بابل، فتحققت كل تحذيرات إرميا.
اللغة الأصلية
الفعل הָלַל (hâlal، H1984) الذي تُرجم "يفتخر" يحمل في أصله معنى "يلمع" أو "يُظهر بريقًا" — وهو نفس الجذر الذي تأتي منه كلمة "هللويا". فالافتخار هنا ليس مجرد كلامٍ عن الذات، بل إشعاعٌ، شيءٌ تُشعّه حياتك للآخرين. السؤال إذن: بماذا تُشعّ حياتك؟ Strong's
ثم يأتي الفعلان المتلازمان: שָׂכַל (sâkal، H7919) بمعنى أن تكون بصيرًا فطنًا، عاقلًا بتمييز؛ و יָדַע (yâdaʻ، H3045) بمعنى أن "تعرف" — لكنها معرفةٌ عميقة، معرفة اختبارٍ ومعاشرة، لا مجرد معلومة تُحفظ. هي نفس الكلمة المستخدمة عن معرفة الرجل امرأته. الله لا يطلب منك أن تفهمه نظريًّا فقط، بل أن تعرفه معرفةً حميمة، تُغيّر طريقة حياتك John Gill.
ثم الاسم יְהֹוָה (Yᵉhôvâh، H3068)، اسم العهد الشخصي لله — لا مجرد "إله" عام، بل "أنا الكائن الحاضر معكم دائمًا"، الاسم الذي أعلنه لموسى.
والكلمات الثلاث التي تصف فِعله: חֵסֵד (chêçêd، H2617)، وهي كلمة عهدية غنية تعني الرحمة الأمينة الثابتة، الولاء المحب الذي لا يتزعزع، وهي ما يقابل في العهد الجديد فكرة "الله محبة" Tyndale؛ ثم מִשְׁפָּט (mishpâṭ، H4941)، الحكم أو القضاء العادل، أي أن الله لا يغض الطرف عن الظلم؛ ثم צְדָקָה (tsᵉdâqâh، H6666)، البرّ أو الاستقامة الأخلاقية الشاملة. هذه الكلمات الثلاث معًا ليست صفات ساكنة، بل חָפֵץ (châphêts، H2654) — أي أن الله "يميل إليها بشوق"، يُسَرّ ويبتهج بممارستها، لا يفعلها مُكرَهًا.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تفتح جرحًا لا يُشفى إلا في المسيح. الرب يقول إنه هو "الصانع رحمةً وقضاءً وعدلاً في الأرض" — لكن أين نرى هذا الفعل الثلاثي مجتمعًا معًا، لا كصفات مجردة بل كحدثٍ واحد ملموس في التاريخ؟ نراه في الصليب. هناك اجتمعت الرحمة (חֵסֵד) التي غفرت للخاطئ، والقضاء (مِشْپَاط) الذي أدان الخطية إدانةً حقيقية لا مجاملة فيها، والعدل (צְדָقָה) الذي جعل الله بارًّا وهو يبرّر الفاجر (رومية ٣:٢٦). الصليب هو اللحظة التي فيها لم يتنازل الله عن عدله ليمنح رحمته، بل مارس الاثنين معًا في فعلٍ واحد.
ثم لاحظ الدعوة نفسها: "أن يفهم ويعرفني". يسوع في صلاته الأخيرة يعرّف الحياة الأبدية بنفس هذه الكلمات تقريبًا: "أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧:٣). المعرفة التي يطلبها إرميا من شعبه صارت الآن معرفةً بالمسيح نفسه، لأن من رآه فقد رأى الآب (يوحنا ١٤:٩). يوحنا الرسول يردّد نفس الصدى حين يقول إن ابن الله أعطانا بصيرة لنعرف الحق (١يوحنا ٥:٢٠).
وحين ينتقل بولس إلى الكنيسة، يقتبس هذه الآية بالذات حرفيًّا مرتين: "من افتخر فليفتخر بالرب" (١كورنثوس ١:٣١؛ ٢كورنثوس ١٠:١٧). وهو يستعملها ليقطع كل أساسٍ للافتخار البشري في الحكمة أو النسب أو الإنجاز، ويوجّه كل فخرٍ إلى الصليب وحده: "حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غلاطية ٦:١٤). فما كان في إرميا نبوءةً عن معرفةٍ مطلوبة، صار في العهد الجديد واقعًا مُتاحًا فعلًا لكل من يؤمن، لأن المعرفة الحقيقية بالله لم تعد فكرة، بل شخصًا يُدعى يسوع.
التطبيق
اسأل نفسك بصدقٍ: بم تفتخر حقًّا؟ ليس ما تقوله في المناسبات الرسمية، بل ما تلجأ إليه حين تشعر أنك بحاجة إلى قيمة، إلى أمان، إلى تقدير. ربما شهادتك، أو راتبك، أو مهارتك في عملك، أو حتى تديّنك نفسه — أن تفتخر بأنك "مسيحي جيد" أو "تعرف كتابك المقدس جيدًا". إرميا يهدم كل هذا بضربةٍ واحدة: كل هذا هبوطٌ من موضوع الافتخار الوحيد الحقيقي.
المشكلة أن معرفة الله هنا ليست معلومةً تضيفها إلى رصيدك، بل علاقة تُعيد تشكيل طريقة عيشك بالكامل. الله يقول إنه "يُسَرّ" بالرحمة والقضاء والعدل — فإن كنت تعرفه حقًّا، فستبدأ أنت أيضًا أن تُسَرّ بها، لا أن تتحملها كواجب. هل تُسَرّ بالرحمة تجاه من أساء إليك؟ هل تُسَرّ بالعدل حين يكلّفك موقفًا اجتماعيًّا أو ماليًّا؟ هل تُسَرّ بالحق حين يكون أسهل أن تصمت؟
هنا الثمن: أن تتخلى عن كل أساسٍ آخر تتّكئ عليه لتشعر بقيمتك — إنجازك، مالك، مكانتك، حتى تديّنك الظاهري — وتضع كل ثقلك على معرفةٍ واحدة فقط: أن الرب هو من يمارس الرحمة والعدل، وأنت مدعوٌّ لتعرفه لا لتعرف عنه. هذا يعني عمليًّا أن تتوقف عن قياس نفسك بمقاييس الناس، وأن تبدأ تسأل: هل أنا اليوم أشبه بالله في رحمتي وعدلي مع من حولي؟ هذا سؤالٌ يُقلق، لكنه السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُقلقك.
نقاط للصلاة
- يا رب، اكشف لي كل أساسٍ كاذب أتّكئ عليه للافتخار — سواء كان إنجازًا أو مالًا أو حتى تديّنًا ظاهريًّا.
- أعطني معرفةً حقيقية بك، لا معلوماتٍ عنك فقط، بل معاشرةً تُغيّر طريقة حياتي اليومية.
- علّمني أن أُسَرّ بالرحمة والعدل كما تُسَرّ أنت بهما، لا أن أتحملهما كواجبٍ ثقيل.
- اشكرك لأن رحمتك وعدلك اجتمعا في صليب المسيح، ولم يتناقضا فيه.
- ساعدني ألا أفتخر إلا بالرب وحده، كما دعاني بولس الرسول.
تأمّلات
- لو سألك أحدهم اليوم "بم تفتخر؟"، ما هي الإجابة الصادقة التي تخرج من قلبك قبل أي إجابة "دينية" مُهذَّبة؟
- هل معرفتك بالله معلوماتٌ محفوظة، أم علاقةٌ حيّة تتغيّر بها قراراتك الفعلية؟
- متى كانت آخر مرة "سُررت" فيها بالرحمة أو العدل، لا بالربح أو الانتصار؟
- أي امتيازٍ في حياتك (ديني أو اجتماعي أو مادي) تخشى أن تفقده لو تخليت عنه كأساسٍ لقيمتك؟
- هل حياتك اليومية تُشعّ (تُظهر) معرفةً حقيقية بالله، أم مجرد انتماءٍ خارجيٍّ له؟