إرميا ٥١:١٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
«صَانِعُ الأَرْضِ بِقُوَّتِهِ، وَمُؤَسِّسُ الْمَسْكُونَةِ بِحِكْمَتِهِ، وبِفَهْمِهِ مَدَّ السَّمَاوَاتِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية جملةٌ واحدة، لكنها تحمل ثقل الكون كله. النبي إرميا يتوقف فجأة عن الحديث عن سقوط بابل الوشيك، ويرفع عينيه إلى فوق، ويصف الله بثلاث حركات: صَنَعَ الأرض بقوته، وأسَّس المسكونة (العالم المسكون كله) بحكمته، ومدَّ السماوات بفهمه. لاحظ التوازي الدقيق: قوة – حكمة – فهم؛ أرض – مسكونة – سماوات. هذا ليس شعرًا عشوائيًّا، بل بناءٌ متعمَّد يريد أن يقول لك: كل ما تراه، من تحت قدميك إلى أبعد نجمٍ فوقك، خرج من يدٍ واحدة، بعقلٍ واحد، بقصدٍ واحد. وما يسهل تفويته هو مكان هذه الآية. هي ليست في مزمورٍ تسبيحي هادئ، بل مغروسةٌ وسط نبوءة دينونة على أعظم إمبراطورية في زمانها. إرميا يخبر شعبًا مسبيًّا، مكسورًا، يرى أسوار بابل الشاهقة وحدائقها المعلّقة، أن الإله الذي يعبدونه ليس مجرد إله قبيلةٍ صغيرة، بل هو صانع كل ما تفتخر به بابل نفسها Keil-Delitzsch Old Testament. هذه الآية تتكرر بالحرف تقريبًا في إرميا ١٠:١٢-١٦، مما يدل على أنها كانت نشيدًا معروفًا يُستعمل للتذكير بعظمة الله وسط إغراء عبادة الأصنام Tyndale. لا يوجد خلافٌ عقائدي كبير بين التقاليد المسيحية حول معنى الآية؛ الجميع يقرأها كتأكيدٍ صريح لخلق الله للكون من العدم وبسلطانٍ مطلق. الفرق الوحيد بين التفسيرات هو في التركيز: البعض يشدّد على القوة كردٍّ على خوف المسبيين من جبروت بابل، والبعض يشدّد على الحكمة والفهم كردٍّ على غباء عبادة الأوثان التي تُصنع باليد ولا تفهم شيئًا (كما يظهر في الآيات التالية مباشرة، إرميا ٥١:١٧-١٨).
السياق التاريخي
إرميا كتب هذا السفر في فترةٍ مضطربة جدًّا، تمتد تقريبًا من سنة ٦٢٧ إلى ما بعد ٥٨٦ ق.م. أما هذا الأصحاح تحديدًا (٥١) فيتحدث عن حدثٍ لم يقع بعد وقت الكتابة: سقوط بابل، الذي تمّ فعليًّا سنة ٥٣٩ ق.م. على يد كورش الفارسي. يعني إرميا يكتب هذه الكلمات وشعبه لا يزال في أوج انكساره، مسبيًّا في أرضٍ غريبة، يرى بأم عينيه أعظم مدينةٍ في العالم القديم: أسوارها التي يقولون إنها تتسع لعربتين تتقاطعان فوقها، معابدها الضخمة لمردوخ وإلهة عشتار، برجها الشهير الذي يشبه أبراج زقورات ما بين النهرين. تخيّل المشهد: شعبٌ فقد هيكله، فقد أرضه، يعيش بين أناسٍ يعبدون تماثيل من ذهبٍ وفضة، ويهتفون بأن إلههم مردوخ هو من صنع السماء والأرض وانتصر على قوى الفوضى. وسط هذا الضجيج الديني كله، يأتي إرميا بهذه الكلمات ليقول للمسبيين: لا تُخدَعوا. مردوخ لم يصنع شيئًا. إلهنا وحده هو صانع الأرض والمسكونة والسماوات. هذا ليس كلامًا نظريًّا؛ إنه سلاحٌ روحي يُعطى لشعبٍ مهزوم عسكريًّا ونفسيًّا، لكي يبقى إيمانه سليمًا وهو يعيش تحت ظل إمبراطوريةٍ تدّعي لنفسها ألوهية آلهتها. هذا النشيد نفسه، كما ذكرنا، يظهر في إرميا ١٠:١٢-١٦ ضمن سياقٍ يهاجم الأصنام مباشرة، مما يرجّح أنه كان جزءًا من تعليمٍ متكرر يُلقَّن للشعب: كلما رأيت مجد الأمم الوثنية، تذكّر من صنع فعلًا كل شيء. وفي أصحاح ٥١ بالذات، يُستعمل هذا النشيد ليؤكد أن الإله القادر على خلق الكون بالكامل، قادرٌ أيضًا على أن يُسقط أعظم مملكةٍ على وجه الأرض بكلمةٍ واحدة، مهما بدت راسخةً أزلية في عيون معاصريها Jamieson-Fausset-Brown. القارئ الأول لهذه الآية لم يكن يقرأها كفكرةٍ فلسفية عن الخلق؛ كان يقرأها كوعدٍ بأن الظلم الذي يعيشه سينتهي، لأن الذي يحكم التاريخ هو نفسه الذي مدّ السماوات.
اللغة الأصلية
ثلاث كلماتٍ عبرية تحمل ثقل هذه الآية، وتقابل ثلاث قدراتٍ إلهية. الأولى: כֹּחַ (kôach)، H3581، ومعناها القوة أو الحيوية أو القدرة الفاعلة Strong's. هذه ليست قوةً هادئة، بل قوةٌ فيها "شدّة"؛ نفس الجذر يُستعمل أحيانًا لوصف الحيوانات الجبارة. حين يقول النص "صانع الأرض بقوته"، يستعمل الفعل עָשָׂה (ʻâsâh)، H6213، وهو أوسع فعلٍ عبري للفعل "صنع" أو "عمل" Strong's — ليس مجرد كلمة، بل يدٌ فاعلة عملت بجهد. الثانية: חׇכְמָה (chokmâh)، H2451، الحكمة Strong's، مقترنةً بالفعل כּוּן (kûwn)، H3559، الذي يعني "يُثبّت، يُقيم بثباتٍ راسخ" Strong's. فكرة العالم "المؤسَّس" هنا مثل بيتٍ بُني على أساسٍ صخري، لا خيمةٍ ترتجف مع الريح. الأرض لم تُصنع فقط بقوة، بل ثُبِّتت بترتيبٍ حكيم، وهذا هو الفرق بين قوةٍ عمياء وقوةٍ عاقلة. الثالثة: תָּבוּן (tâbûwn)، H8394، من الفهم أو التمييز Strong's، مقترنةً بالفعل נָטָה (nâṭâh)، H5186، ومعناه "مدّ، بسط" Strong's — كأنك تمدّ خيمةً وتبسطها بعناية. السماء هنا لا تُمَدّ عشوائيًّا، بل بفهمٍ دقيق كأن كل نجمٍ ومسار وُضع بحساب. ولاحظ الفرق بين كلمتَي "أرض" المستخدَمتين: אֶרֶץ (ʼerets)، H776، تعني الأرض بحدّ ذاتها كمادة Strong's، بينما תֵּבֵל (têbêl)، H8398، تعني العالم المسكون، الأرض من حيث هي بيتٌ للناس Strong's. فالله لم يصنع كتلةً صخرية فحسب، بل أسّس عالمًا صالحًا للسكن. القوة تصنع، والحكمة تبني، والفهم يُنسِّق — ثلاثة أبعادٍ لعقلٍ إلهيٍّ واحد يقف وراء كل ذرة في الكون.
كيف تشير إلى المسيح
حين تقرأ أن الله "صنع الأرض" و"أسّس المسكونة" و"مدّ السماوات"، لا يمكنك أن تتوقف عند العهد القديم فقط. يوحنا يفتح إنجيله بنفس اللغة تمامًا: "في البدء كان الكلمة... كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (يوحنا ١:١-٣). بولس يقول عن المسيح: "فيه خُلِق الكل... الكل به وله قد خُلِق" (كولوسي ١:١٦). فالحكمة والقدرة والفهم التي صنعت الكون في إرميا ٥١:١٥ ليست صفاتٍ مجردة عند الله الآب فقط، بل الكنيسة الأولى رأت فيها ذات المسيح: هو "حكمة الله" كما يسمّيه بولس صراحةً في ١كورنثوس ١:٢٤. والصورة أعمق: نفس الإله الذي مدّ السماوات بفهمه، هو الذي "أخلى نفسه" (فيلبي ٢:٧) وصار جسدًا محدودًا، وُلد في مذودٍ، ومات على خشبة. القدرة اللامتناهية التي بسطت الكون احتوت نفسها في جسد طفل. هذا ليس تناقضًا بل هو أعظم إعلانٍ للحكمة: أن الله القادر على كل شيء اختار أن يخلّص بالضعف، بالصليب. وهناك خيطٌ آخر: إرميا يقول هذا الكلام تحديدًا ليطمئن شعبًا مسبيًّا تحت سلطان إمبراطوريةٍ وثنية جبارة. المسيح هو الذي يتمم هذا الرجاء نهائيًّا؛ فهو الملك الذي "أُعطي كل سلطانٍ في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨:١٨)، والذي في الرؤيا يُسبَّح لأنه "خلق كل الأشياء وهي بإرادته كائنة وخُلقت" (رؤيا ٤:١١). فبابل التي بدت أبدية سقطت، وكل "بابل" أخرى في التاريخ ستسقط، لأن صانع الكون نفسه هو من يحكم نهاية القصة، وقد وضع تلك النهاية في يد ابنه.
التطبيق
فكِّر في آخر مرة شعرت فيها أن قوةً ما — سياسية، اقتصادية، أو حتى شخصية تسيطر عليك — أكبر من أن تُقاوَم. هذا بالضبط ما شعر به شعب إرميا وهو يحدّق في أسوار بابل. وهذه الآية جاءت لتقول له: توقف. ارفع عينيك أعلى من الأسوار. من صنع هذا الكوكب أصلًا؟ من مدّ تلك النجوم التي ترى بابل تحتها صغيرةً كنقطة؟ المشكلة أنك وأنا، في لحظات الخوف، ننسى هذا بسرعة. نبدأ نقيس قوة الله بمقياس مشاكلنا، بدل أن نقيس مشاكلنا بمقياس قوة الله. هذه الآية تطلب منك ثمنًا محددًا: أن تتوقف عن معاملة خوفك كأنه الحقيقة الكبرى، وتبدأ بمعاملة قدرة الله كأنها الحقيقة الكبرى. هذا ليس تفاؤلًا رخيصًا، بل إعادة ترتيب لعقلك بالحقيقة. وثمنٌ آخر: إن كان الله بهذه الحكمة التي أسست الكون، فلماذا لا تثق بحكمته في الأمر الذي يحيّرك اليوم؟ أنت تثق أن الأرض لن تهتز فجأة من مكانها، وأن الشمس ستشرق غدًا — هذه كلها ثمرة حكمةٍ إلهية أثبتت النظام. فلماذا يصعب عليك أن تثق بأن نفس هذه الحكمة تحكم قصتك الشخصية، حتى في الجزء الذي يبدو فيه كل شيء فوضى؟ والدعوة الأخيرة، الأصعب ربما: أن تتوب عن أي "بابل" صغيرة بنيتها في قلبك — أي شيءٍ وضعته في مكان الله لأنه بدا لك أكثر قوة أو ثباتًا منه. الأصنام لا تزال تُصنع اليوم، فقط بأسماءٍ جديدة: المال، النجاح، رأي الناس. هذه الآية تسألك: من هو حقًّا الذي يمسك عالمك؟
نقاط للصلاة
- يا رب، أنت صانع الأرض بقوتك وأنا أعترف أن خوفي غالبًا أكبر من إيماني بهذه القوة — سامحني وقوِّ ثقتي.
- أشكرك لأن حكمتك التي أسست العالم لم تتغير، ولا تزال حاضرة في التفاصيل التي تحيّرني اليوم.
- أطلب منك أن تكشف لي أي "بابل" بنيتها في قلبي — أي شيءٍ وضعته في مكانك بدون أن أنتبه.
- علّمني أن أرفع عيني فوق ما يخيفني الآن، كما فعل شعبك في السبي، وأتذكر من يحكم فعلًا هذا الكون.
- يا يسوع، يا حكمة الله المتجسدة، اجعل ثقتي بك تنبع من معرفتي بمن أنت لا فقط من ظروفي.
تأمّلات
- ما هي "بابل" اليوم في حياتي — القوة أو الشخص أو الشيء الذي أعطيته ثقةً تخصّ الله وحده؟
- هل أقيس عظمة مشاكلي بمقياس قدرة الله، أم أقيس قدرة الله بمقياس مشاكلي؟
- حين أرى نظامًا وثباتًا في الطبيعة من حولي، هل يقودني ذلك فعلًا إلى الثقة بحكمة الله في حياتي الخاصة؟
- ما هو الشيء المحدد الذي أحتاج أن أتوقف عن الخوف منه اليوم، على ضوء أن الله يمسك السماوات والأرض؟
- لو آمنت حقًّا أن المسيح هو من "صنع كل شيء"، ماذا سيتغير في طريقة صلاتي هذا الأسبوع؟