المزامير ١١٥:٣
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "إن إلهنا في السماء. كلما شاء صنع." جملتان قصيرتان، لكنهما تحملان كل ثقل المزمور. الأولى تحدّد "أين" هو الله - في السماء، أي فوق كل شيء، غير محصور، غير مربوط بالأرض ولا بأي مكان يمكن أن تصنعه يدا إنسان. والثانية تحدّد "كيف" يتصرف هذا الإله - كل ما شاءه، صنعه. لا عائق، لا شريك يستأذنه، لا قوة توازيه.
لكن السياق هو ما يعطي الآية لدغتها. المزمور بدأ بصرخة: "ليس لنا يا رب، ليس لنا، بل لاسمك أعطِ مجدًا" (المزمور ١١٥: ١)، لأن الأمم كانت تقول بسخرية: "أين هو إلهم؟" (المزمور ١١٥: ٢). فالآية الثالثة ليست تأملًا فلسفيًا هادئًا عن طبيعة الله، بل هي جواب مبارز! جواب شعبٍ صغيرٍ مُهان أمام أمم تملك آلهة منحوتة تُرى وتُلمس، بينما إلههم لا يُرى. والجواب هو: نعم، إلهنا غير مرئي - لأنه في السماء، فوق كل مشهد أرضي، وليس عاجزًا كأصنامكم، بل يفعل كل ما يشاء.
ولاحظ الحدة في الآيات التالية مباشرة (المزمور ١١٥: ٤-٧): تلك الأصنام لها أفواه ولا تتكلم، أعين ولا تبصر، أيدٍ ولا تلمس. المقابلة متعمدة: إله حيّ فاعل، مقابل آلهة صامتة عاجزة. هذا هو موضع الآية في القصة الأكبر للمزمور: ليست فقرة عزل عن السياق، بل قلب المرافعة اللاهوتية التي يبنيها المرنم ضد الوثنية.
هنا نقطة يتفق عليها المسيحيون عمومًا لكنها تُطبَّق بحساسياتٍ مختلفة: الآية تُستخدم كثيرًا للحديث عن السيادة المطلقة لله (ما يُسمى أحيانًا "العناية الإلهية" أو "سيادة الله"). التقليد الإصلاحي (الكالفيني) يميل لقراءتها كتأكيدٍ قوي على أن كل ما يحدث - حتى الشر - يدخل ضمن تدبير الله المطلق، بينما تقاليد أخرى تقرأها بتوازنٍ أكبر مع حرية الإنسان، مؤكدة أن "كل ما شاء صنع" لا تعني أن الله يشاء الخطيئة بل أنه لا يُهزم ولا يُعاق في تحقيق مقاصده الصالحة النهائية. كلا القراءتين تتفقان على جوهر الآية: الله ليس عاجزًا، ولا مُقيّدًا، ولا محتاجًا لإذنٍ من أحد Keil-Delitzsch Old Testament.
السياق التاريخي
لا نعرف بالضبط من كتب هذا المزمور ولا التاريخ الدقيق، لكن الغالب أنه كُتب بعد السبي البابلي، في فترة تمتد تقريبًا من القرن السادس إلى الرابع قبل الميلاد. لماذا نرجّح هذا؟ لأن نبرة المزمور كلها نبرة أمة صغيرة، محتقرة، تعيش وسط أمم أقوى منها تملك معابد ضخمة وتماثيل من ذهب وفضة، بينما شعب إسرائيل - خاصة بعد سقوط أورشليم وهدم الهيكل - كان بلا هيكلٍ فخم، بلا ملكٍ، بلا جيش، بلا تمثالٍ يُشار إليه بالإصبع.
تخيّل المشهد: أمة بابل أو فارس، تملأ شوارعها تماثيل ضخمة لآلهتها - مردوخ، عشتار، وغيرها - منحوتة من الذهب والفضة، تُحمل في مواكب، يُصلّى أمامها، يُقدَّم لها البخور. وشعب يهوذا الصغير، المهزوم، المسبي أو العائد من السبي إلى أرضٍ خربة، يقف أمام هذا كله بلا شيء يُرى! لا تمثال، لا صورة، لا معبد يُقارن. فتأتي السخرية الطبيعية من الأمم: "أين هو إلهكم؟ أرونا إياه!" (وهذا بالضبط ما يقوله المزمور ١١٥: ٢).
هذا هو المناخ الذي وُلدت فيه الآية الثالثة. لم تكن جوابًا أكاديميًا هادئًا، بل صرخة إيمانٍ من شعبٍ مُذلّ يرفض أن يقيس عظمة إلهه بمقاييس الأمم - أي بما يُرى ويُلمس. الجواب هو عكس المتوقع تمامًا: نعم، لا تستطيعون أن تشيروا إلى إلهنا بإصبعكم، لأنه ليس في معبدٍ على الأرض بل في السماء ذاتها، فوق كل ما تصنعه أيديكم. وبينما آلهتكم صنعتموها أنتم بأيديكم من فضة وذهب (المزمور ١١٥: ٤)، فإن إلهنا هو الذي يصنع كل ما يشاء - الفاعل لا المفعول به.
الفكرة نفسها تتكرر بصيغة شبه متطابقة في المزمور ١٣٥: ٦، مما يشير إلى أن هذا كان تعبيرًا ليتورجيًا (أي يُستخدم في العبادة الجماعية) راسخًا في إيمان إسرائيل بعد السبي، يُردَّد في الهيكل الثاني كتذكيرٍ دائم بأن الهزيمة السياسية لا تعني هزيمة الإله.
اللغة الأصلية
الكلمة الأولى المهمة هي אֱלֹהִים (ʼĕlôhîym)، H430 - وهي الكلمة العبرية الشائعة لـ"الله" أو "الآلهة" Strong's. الغريب أنها بصيغة الجمع في العبرية، لكنها تُستخدم مع فعلٍ بصيغة المفرد للدلالة على الإله الواحد الحق - وهذا ما يُسمى أحيانًا "جمع العظمة" أو "جمع الجلال". النقطة المهمة هنا: نفس الكلمة تُستخدم للأصنام الوثنية في آياتٍ أخرى، لكن في مزمورنا هذا يضعها المرنم في مقابلة صارخة - "إلهنا" (אֱלֹהֵינוּ) مقابل آلهتهم (المزمور ١١٥: ٤ وما بعد). الكلمة نفسها تُستخدم للطرفين، لكن الواقع مختلف كليًا: واحد حيّ فاعل، والآخر خشب وحجر ميت.
الكلمة الثانية هي שָׁמַיִם (shâmayim)، H8064 - "السماء" أو "السماوات" Strong's. الملفت أن الكلمة نفسها بصيغة المثنى في العبرية (ليست جمعًا عاديًا)، وقد يشير هذا - كما يذكر تحليل الجذر - إلى القبة المنظورة التي تتحرك فيها الغيوم، وإلى الأثير الأعلى حيث تدور الأجرام السماوية. المعنى العملي: الله ليس في مكانٍ واحدٍ محدود على الأرض، بل هو فوق كل ما يُرى وما لا يُرى من السموات.
أما الفعلان اللذان يحملان ثقل الآية الحقيقي فهما חָפֵץ (châphêts)، H2654، ومعناه الأصلي "يميل إلى" أو "يُسَرّ بـ" - أي أكثر من مجرد "رغبة" باردة، بل ميلٌ ورضًى داخلي Strong's. وعָשָׂה (ʻâsâh)، H6213، وهو الفعل الأشمل في العبرية للفعل والصنع - "يفعل أو يصنع، بأوسع معنى وأشمل تطبيق" Strong's. فالجملة العبرية حرفيًا تقول: "كل ما سُرَّ به، فعله". ليس هناك فجوة بين ما يريده الله وما يفعله - لا تأخير، لا عائق، لا فشل. هذا بالضبط ما يجعل الآية سلاحًا إيمانيًا ضد آلهةٍ صُنعت بأيدي بشر ولا تقدر أن تفعل شيئًا البتة.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية لا تتنبأ عن المسيح مباشرة، لكنها ترسم الخلفية اللاهوتية التي بدونها لا يُفهم مجيء المسيح إطلاقًا. فكرة أن الله "في السماء" - فوق كل شيء، غير محصور - هي بالضبط ما يجعل تجسّد المسيح معجزةً مذهلة: الإله الذي "في السماء" نزل وسكن بيننا (يوحنا ١: ١٤). الآية تقول لنا كم كانت المسافة شاسعة، وكم كان النزول عظيمًا.
والفكرة الثانية - "كلما شاء صنع" - تجد صداها المباشر في أفسس ١: ١١، حيث يقول بولس إن الله "يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته"، وذلك تحديدًا في سياق الحديث عن الخلاص الذي حققه المسيح لنا. بمعنى آخر: خطة الفداء نفسها - موت المسيح وقيامته - ليست حادثةً عرضية أو خطة بشرية فشلت ثم أُصلحت، بل هي بالذات "ما شاءه" الله منذ الأزل، وقد "صنعه" بلا عائق. حين يقول بطرس في عظته يوم الخمسين إن يسوع "أُسلم بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق" (أعمال الرسل ٢: ٢٣)، فهو يُطبّق بالضبط منطق مزمورنا: الله لا يُفاجَأ، ولا يُهزم، حتى عندما يبدو الصليب هزيمة تامة.
والأهم: المسيح نفسه هو الذي كشف لنا هذا الإله "الذي في السماء" ليس إلهًا بعيدًا صامتًا، بل أبًا يمكن أن نناديه. فحين علّم تلاميذه الصلاة قال: "أبانا الذي في السماوات" (متى ٦: ٩) - نفس التعبير بالضبط! لكن الفارق أن يسوع يعطينا الجرأة أن نقول "أبانا" لا "إلهنا" البعيد فقط. السيادة المطلقة التي يعلنها مزمورنا لم تعد مصدر رعبٍ بل مصدر طمأنينة، لأن هذا الإله القدير الذي "كل ما شاء صنع" هو نفسه الأب الذي أرسل ابنه ليموت عنا. القدرة المطلقة والمحبة المطلقة التقتا في الصليب.
التطبيق
دعني أكون صريحًا معك: هذه الآية سهلة أن تُردَّد، وصعبة جدًا أن تُصدَّق حين تكون حياتك في الحضيض. تستطيع أن تقول "إلهنا في السماء، كلما شاء صنع" وأنت في الكنيسة يوم الأحد، لكن ماذا تقول حين تخسر وظيفتك، أو يمرض من تحب، أو تصلي سنواتٍ ولا يتغير شيء؟ في تلك اللحظة بالذات تصبح هذه الآية إما صخرةً تقف عليها أو حجرَ عثرة يُسقِطك.
فكّر في شعب إسرائيل الذي قرأ هذا المزمور لأول مرة: هم لم يكونوا في وضعٍ مريح. كانوا مُهزَمين، مسبيّين أو عائدين إلى خرابٍ، محاطين بأممٍ تسخر منهم وتسأل بازدراء: "أين إلهكم؟" ومع ذلك لم يقولوا "لعل إلهنا ضعيف" أو "لعله تخلى عنا"، بل قالوا العكس تمامًا: إلهنا ليس في متناول أيديكم لأنه أعظم من أن يُحصر، وهو ما زال يفعل كل ما يشاء رغم كل ما ترونه من ضعفنا الظاهر.
هذا هو التحدي الذي تضعه هذه الآية أمامك اليوم: هل تقيس الله بمقاييس ما تراه بعينك؟ إن كانت الظروف صعبة، هل تستنتج أن الله غائب أو عاجز؟ الآية تطلب منك شيئًا مكلفًا: أن تثق بسيادة الله حتى عندما لا ترى دليلًا واحدًا يدعم ذلك. أن تقول "إلهي في السماء" ليس معناه أنه بعيد ولا يهتم، بل أنه فوق كل ما يحاصرك، ولا شيء - لا مرضك، ولا خسارتك، ولا حتى موتك - خارج عن مشيئته.
الثمن هنا هو التخلي عن وهم السيطرة. أن تعترف أن يديك ليستا على مقود حياتك، بل يدا من "كلما شاء صنع". هذا مُريح لمن يثق به، ومُخيف لمن يريد أن يبقى هو الإله الصغير في حياته الخاصة.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أنني أحيانًا أقيس عظمتك بما أراه بعيني، فسامحني على ضيق إيماني.
- ثبّت قلبي في الأوقات التي تبدو فيها صامتًا، لأتذكر أنك في السماء لا في متناول حكمي المحدود.
- أعطني الثقة بأن كل ما تشاءه ستصنعه، حتى في الظروف التي تبدو مغلقة تمامًا أمامي.
- حرّرني من وهم السيطرة على حياتي، وعلّمني أن أُسلّم يديّ ليديك.
- أشكرك لأنك أنت نفسك، الإله المطلق القدير، دنوتَ مني في المسيح وصرتَ أبي.
تأمّلات
- هل هناك موقفٌ في حياتك الآن تجدك فيه تُشكّك في قدرة الله فقط لأنك لا ترى نتيجة فورية؟
- حين تقول "إلهي في السماء"، هل يشعرك هذا بالبعد أم بالطمأنينة؟ ولماذا برأيك؟
- ما الفرق الذي تشعر به بين أن تنادي الله "إلهنا القدير" وأن تناديه "أبانا"؟ هل تعيش كلا الحقيقتين معًا؟
- إن كان الله فعلًا "كلما شاء صنع"، فما الذي يعنيه هذا عمليًا لأكثر همٍّ يثقل قلبك اليوم؟
- هل تقيس عظمة الله بمقاييس ظاهرة (نجاح، صحة، مال) كما كانت الأمم تقيس آلهتها بتماثيلها؟