صموئيل الأول ٦:٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
وَاصْنَعُوا تَمَاثِيلَ بَوَاسِيرِكُمْ وَتَمَاثِيلَ فِيرَانِكُمُ الَّتِي تُفْسِدُ الأَرْضَ، وَأَعْطُوا إِلهَ إِسْرَائِيلَ مَجْدًا لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ يَدَهُ عَنْكُمْ وَعَنْ آلِهَتِكُمْ وَعَنْ أَرْضِكُمْ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية جزءٌ من نصيحة يقدّمها كهنة الفلسطينيين وعرّافوهم لأقطاب شعبهم، بعد سبعة أشهرٍ عجاف من الرعب: تابوت الرّب، الذي أخذوه غنيمة حرب، جلب عليهم البواسير والفئران وموتًا متتاليًا في كل مدينةٍ حلّ فيها. فيقولون لهم: اصنعوا خمسة تماثيل ذهبية لبواسيركم، وخمسة تماثيل ذهبية لفئرانكم، وأعطوا "إله إسرائيل" مجدًا. الظاهر جليّ: هذا اعترافٌ وثنيّ بأن يهوه هو الذي ضربهم، لا مجرد صدفة. لكن الأدق مما يسهل تفويته هو أن هؤلاء الكهنة الوثنيين، رغم جهلهم بالله الحقيقي، يفهمون شيئًا عن طبيعة الخطية والتكفير أفضل من كثيرين اليوم: أنك لا تستطيع أن "تُرضي" إلهًا أهنته بمجرد الاعتذار الفارغ؛ لا بد من تقدمةٍ ملموسة تعترف بحجم الجرح John Gill. لاحظ العبارة الدقيقة: "أعطوا إله إسرائيل مجدًا" - هي نفس العبارة التي يقولها يشوع لعخان حين يطلب منه الاعتراف بخطيته (يشوع ٧:١٩)، وهي نفسها التي يستعملها الفريسيون مع الأعمى في يوحنا ٩:٢٤. "إعطاء المجد" في لغة الكتاب المقدس ليس مجرد مديح، بل اعترافٌ بالحقيقة كما هي، مهما كلّف ذلك Jamieson-Fausset-Brown.
والملاحظة الثانية الدقيقة: هؤلاء الوثنيون يقولون "لعلّه يخفف يده" - أي أنهم لا يملكون يقينًا، بل رجاءً هشًّا. هم يعرفون القوة، لكن لا يعرفون النعمة. هذه الآية تقع في قصة أكبر: الله يثبت لشعبه ولأعدائهم على السواء أنه ليس تمثالًا محمولًا يمكن أسره، بل هو الرب الحيّ الذي يهزم آلهة الأمم في عقر دارها (انظر كيف سقط داجون أمام التابوت في الأصحاح السابق). لا خلاف طائفي كبير هنا بين التقاليد المسيحية؛ الجميع يقرأ هذا كاعترافٍ وثنيٍّ صادقٍ - وإن ناقص - بسلطان الله المطلق.
السياق التاريخي
نحن في زمن القضاة المتأخر، قرابة القرن الحادي عشر قبل الميلاد، قبل أن يُمسح شاول ملكًا. إسرائيل يخسر معركةً أمام الفلسطينيين عند أفيق، ويظن الشيوخ أن الحل هو إحضار تابوت العهد إلى ساحة القتال كأنه تعويذة حرب - فيُهزمون هزيمةً أنكى، ويُؤسَر التابوت نفسه ويموت حفنة كهنة عالي (صموئيل الأول ٤). هذا حدثٌ لاهوتيّ زلزاليّ لإسرائيل: "قد انطلق المجد من إسرائيل" كما قالت زوجة فينحاس وهي تلد.
الفلسطينيون شعبٌ بحريّ الأصل، استوطن ساحل كنعان الجنوبي، وكوّن اتحادًا من خمس مدن-دول (أشدود، جتّ، عسقلان، عقرون، غزة)، لكلٍّ منها "قُطب" أو حاكم. كانوا متفوقين تقنيًّا (يملكون الحديد) وعسكريًّا على إسرائيل في تلك الحقبة. حين وضعوا التابوت في هيكل داجون بأشدود، سقط تمثال إلههم أمامه مرتين، ثم انتشر وباءٌ رهيب - بواسير مؤلمة موصوفة بدقة طبية مذهلة، ومعها غزو فئران يفسد المحاصيل Adam Clarke. الرعب انتقل من مدينةٍ إلى أخرى كلما نقلوا التابوت هربًا (صموئيل الأول ٥:٩، ٥:١١)، حتى صار "اضطراب الموت" يعمّ البلاد.
في هذا العالم، لم يكن غريبًا أن يستشير الحكام كهنةً وعرّافين لتفسير كارثةٍ كهذه؛ فالدين الكنعاني-الفلسطيني كان مليئًا بطقوس التكفير السحرية: تصنع تمثالًا مصغرًا لما آذاك لتُبعده عنك، تمامًا كما فعل الأثينيون القدماء حين ضربهم وباءٌ مشابه فصنعوا تماثيل الأعضاء المصابة قربانًا لباخوس John Gill. فحين ينصح كهنة الفلسطينيين بصنع خمس بواسير ذهبية وخمس فئران ذهبية - واحدة لكل مدينة من مدنهم الخمس - إنما يتصرفون بمنطق عالمهم الديني، لكنهم يفعلون ذلك أمام إلهٍ حقيقيٍّ لا وثن مصنوع، وهذا ما يجعل القصة كلها سخريةً إلهية لاذعة من عجز آلهتهم.
اللغة الأصلية
كلمة "بواسيركم" في الأصل تجمع بين لفظين: טְחֹר (ṭᵉchôr, H2914) وتعني ورمًا أو قرحةً مؤلمة، خاصةً في مكانٍ حسّاسٍ من الجسد، من جذرٍ يعني "أن يحترق" - تصوير حيّ لما كان يشعر به هؤلاء الناس فعلًا؛ وأحيانًا تُستبدل أو تُرافَق بكلمة עֹפֶל (ʻôphel, H6076) وتعني "ورمًا" أيضًا لكنها تحمل أيضًا معنى "حصنٍ" أو "أكمة" - وكأن الجسد نفسه صار أرضًا محتلّة بالمرض Strong's.
أما "تماثيل" فهي צֶלֶם (tselem, H6754)، من جذرٍ يعني "أن يُظلّل"، وتحمل في أصلها فكرة "الطيف" أو "الظل" - شيءٌ يمثّل الحقيقة لكنه ليس إياها. المفارقة عميقة: هذه الكلمة نفسها تُستخدم في تكوين ١:٢٧ لخلق الإنسان "على صورة" الله! هنا، بدل أن يُظهر الإنسان صورة الله الحيّ، يصنع أصنامًا صغيرة لألمه ليتوسل بها إلى إلهٍ لا يعرفه حق المعرفة Strong's.
وأهمّ ما في الآية عبارتان: נָתַן כָּבוֹד (nathan kavod) - "أعطوا مجدًا" - حيث כָּבוֹד (kâbôwd, H3519) تعني حرفيًّا "ثِقلًا" أو "وزنًا"، من جذرٍ يعني أن يكون الشيء ثقيلًا Strong's. فحين يُطلب منهم أن "يُثقّلوا" الله بالمجد، يقابل ذلك مباشرةً طلبهم أن الله "يُخفّف" - קָלַל (qâlal, H7043) - يده عنهم، وهذا الجذر يعني حرفيًّا أن يكون الشيء خفيفًا أو تافهًا Strong's. الآية إذن مبنيّة على تضادٍّ لغويٍّ مقصود: ثقل المجد مقابل خفة العقاب. وكلمة יָד (yâd, H3027) "يد" هنا ليست عضوًا جسديًّا بل رمزٌ للقوة الفاعلة المباشرة لله في التاريخ Strong's - نفس الصورة التي نجدها في مزمور ٣٩:١٠ ومزمور ٣٢:٤.
كيف تشير إلى المسيح
في هذه الآية نرى وثنيين خائفين يحاولون تدبير كفّارةٍ لأنفسهم: يصنعون تمثالًا صغيرًا لجرحهم، يقدمونه ذهبًا، ويرجون - بلا يقين - أن يخفّف الإله المُهان يده عنهم. هذا بالضبط هو المأزق الذي يعيشه كل إنسانٍ خارج المسيح: نعرف أننا أخطأنا، نشعر بثقل اليد الإلهية علينا، ونحاول أن نصنع كفّاراتنا الصغيرة من أعمالنا وتقدماتنا، لكننا لا نملك يقينًا أن ذلك يكفي. "لعلّه يخفف يده" - هذا أقصى ما يستطيع دينٌ بلا مسيح أن يقوله.
لكن الإنجيل يقلب هذا المشهد: لسنا نحن من يصنع تمثالًا صغيرًا لجرحنا ونقدّمه؛ بل الله نفسه صنع - إن جاز التعبير - "تمثالًا" لجرحنا حين "صار الكلمة جسدًا" (يوحنا ١:١٤)، وحمل هو نفسه أثقالنا وأمراضنا على جسده على الصليب. بولس يقول في رسالته الثانية إلى كورنثوس ٥:٢١ إن الله جعل المسيح، الذي لم يعرف خطيةً، خطيةً لأجلنا. الفلسطينيون قدّموا صورة الوباء ليُبعدوه عنهم؛ الله قدّم ابنه ليحمل الوباء - وباء الخطية - فينا حتى يُبعده عنا إلى الأبد.
والأهمّ: هؤلاء الوثنيون قالوا "أعطوا إله إسرائيل مجدًا" وهم لا يعرفونه، بدافع الخوف فقط. لكن في المسيح، نحن مدعوّون أن نعطي الله مجدًا لا خوفًا من يدٍ ثقيلة، بل محبةً لأبٍ صالح كشف نفسه كاملًا فينا (رومية ١٢:١). ثقل المجد الذي طلبوه بلا معرفة، صار لنا معرفةً ومحبةً حين "أشرق نور معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح" (٢كورنثوس ٤:٦). والتابوت نفسه - رمز حضور الله - يجد كماله في المسيح الذي هو "عمانوئيل"، الله معنا، لا محمولًا في صندوقٍ خشبيٍّ بل ساكنًا فينا بالروح.
التطبيق
تخيّل نفسك واحدًا من هؤلاء الأقطاب الفلسطينيين، جالسًا في قاعة الاجتماع، وجسدك يؤلمك، وأرضك مليئة بفئرانٍ تلتهم محصولك، وأنت تسمع كاهنك يقول: "اصنع تمثالًا لجرحك، وأعطِ المجد لإلهٍ لا تعرفه، لعله يرحمك." هل شعرت يومًا بهذا الرعب؟ ربما لا مع بواسير وفئران، لكن ربما مع قلقٍ لا يزول، أو خطيةٍ تعاود الظهور، أو ضميرٍ يوخزك في الليل. نحن أيضًا أحيانًا نحاول أن "نصنع تماثيل" لجروحنا - نعترف بها لأصدقائنا، نكتبها في دفتر، نحاول أن نُصلح أنفسنا بأعمالٍ صالحة - على أمل أن الله "لعلّه يخفف يده".
لكن الفرق الجوهري بينك وبين هذا القُطب الفلسطيني هو أنك لست مضطرًّا لتقول "لعلّه". أنت تعرف الله الذي كشف وجهه في المسيح، وتعرف أنه لا يطلب منك تمثالًا ذهبيًّا بل قلبًا منكسرًا (مزمور ٥١:١٧). فالسؤال الذي تطرحه عليك هذه الآية اليوم هو: هل ما زلت تتعامل مع الله كوثنيٍّ خائف، تحاول أن تُرضيه بتقدماتٍ صغيرة وترجو رجاءً هشًّا؟ أم أنك تجرؤ أن تقترب منه كابنٍ، معترفًا بخطيتك بلا مواربة، متكئًا لا على تماثيلك بل على الصليب؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم هو الصدق: أن تتوقف عن تقديم كفّاراتٍ صغيرة زائفة - إنكار، أعذار، انشغال - وأن "تعطي الله مجدًا" بالاعتراف الكامل، كما فعل عخان أخيرًا حين واجهه يشوع. المجد الحقيقي لله لا يُعطى بتمثالٍ من ذهب، بل بحياةٍ تعترف أن يده - في كل ثقلها وفي كل رحمتها - هي يدٌ صالحة يمكن الاتكال عليها كليًّا.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أنني أحيانًا أحاول أن أُرضيك بتقدماتٍ صغيرة وأعمالٍ ظاهرية بدل أن آتي إليك بقلبٍ صادق منكسر.
- امنحني أن أعطيك المجد الحقيقي - لا خوفًا من عقابك فقط، بل محبةً وامتنانًا لأنك كشفت نفسك لي في ابنك يسوع.
- أشكرك لأنك لست إلهًا بعيدًا يُحمل في صندوق، بل حاضرٌ معي بروحك القدوس كل حين.
- ساعدني أن أتوقف عن صنع "تماثيل" زائفة لجروحي وخطاياي، وأن أضعها بصدقٍ كاملٍ أمامك.
- علّمني أن أثق بيدك حتى حين تثقل عليّ، لأنني أعرف أنها يدٌ محبة لا يدٌ عمياء.
تأمّلات
- ما هي "التماثيل" الصغيرة التي تصنعها لجروحك وخطاياك بدل أن تعترف بها كاملةً أمام الله؟
- هل تتعامل مع الله كإلهٍ يجب استرضاؤه بحذر، أم كأبٍ تثق بمحبته؟
- متى كانت آخر مرة قلت لله الحقيقة الكاملة عن حالك، بلا تجميل ولا مواربة؟
- كيف يتغيّر شعورك حين تدرك أن المسيح حمل ثقل خطاياك بدل أن يُخفّف الله يده فقط؟
- ما الثمن الذي يطلبه منك الصدق الكامل مع الله اليوم، وهل أنت مستعدٌّ أن تدفعه؟