كورنثوس الأولى ٩:٢٤
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية معي ببطء: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟". بولس هنا لا يخترع صورةً غريبة، بل يشير إلى شيءٍ يعرفه كل قارئٍ في كورنثوس معرفة اليد بالعين: ملعب السباق. المدينة كانت تستضيف الألعاب الإسثمية الشهيرة، فالصورة قريبةٌ من قلبهم كقرب كرة القدم منّا اليوم Tyndale.
الظاهر جليّ: هناك سباق، وهناك جائزة، وواحدٌ فقط يفوز. لكن الجزء الذي يسهل تفويته هو التحوّل المفاجئ في نهاية الآية: "هكذا اركضوا لكي تنالوا". لاحظ الفرق الدقيق هنا. في الملعب الحقيقي، الفوز محصورٌ بواحد فقط مهما ركض البقية. لكن بولس لا يقول لهم "تنافسوا على من يفوز بمفرده"، بل يستعير جدّية ذلك المتسابق الواحد وتركيزه، ليطلب من كل المؤمنين أن يركضوا بتلك الجدّية عينها. الفارق بين مثاله والحقيقة الروحية هو الفارق الجوهري: في السباق الأرضي واحدٌ يربح، أما في السباق المسيحي فكل من يركض بأمانةٍ حتى النهاية ينال الإكليل Adam Clarke.
هذا يضع الآية في سياقها الأوسع داخل الرسالة: بولس كان يتحدث قبل ذلك عن حريته الرسولية وعن تنازله عنها من أجل الإنجيل (١كورنثوس ٩:١٩-٢٣)، والآن ينتقل من "أنا تنازلت عن حقوقي من أجلكم" إلى "أنتم أيضًا، انضبطوا من أجل الجائزة". فالآية مفصلٌ بين حديثه عن حريته وحديثه القادم عن ضبط جسده (١كورنثوس ٩:٢٧).
لا يوجد خلافٌ عقائديٌّ كبير بين التقاليد المسيحية حول معنى هذه الآية تحديدًا، لكن هناك فرقًا في التركيز: بعض القراء يشدّدون على أن "النَّيل" هنا يعني الثبات حتى النهاية (وهو ما يُقلق بعض البروتستانت الذين يخشون أن يُفهم منها أن الخلاص بالجهد)، بينما آخرون يرون فيها ببساطة دعوةً للجدّية في الحياة المسيحية بلا أي تعارضٍ مع أن الخلاص هبةٌ من النعمة. المفتاح أن بولس لا يتكلم هنا عن كيف يُخلَّص الإنسان، بل عن كيف يعيش من خُلِّص.
السياق التاريخي
كتب بولس هذه الرسالة إلى كنيسة كورنثوس حوالي سنة ٥٣-٥٥ ميلادية، أي بعد نحو عشرين عامًا فقط من قيامة المسيح. كورنثوس لم تكن مدينةً عاديّة؛ كانت ميناءً تجاريًّا صاخبًا، ملتقى طرقٍ بين شرق البحر المتوسط وغربه، مدينةً غنيّة بالمال والانحلال الأخلاقي معًا، تعجّ بالمعابد الوثنية والأسواق والملاهي.
ومن أشهر ما كانت تفخر به كورنثوس: الألعاب الإسثمية (Isthmian Games)، التي كانت تُقام كل سنتين على البرزخ الضيّق القريب من المدينة، وكانت من أهم الأحداث الرياضية في العالم اليوناني بعد الألعاب الأولمبية نفسها. كل أهل كورنثوس، مسيحيّين ووثنيّين، كانوا يعرفون تفاصيل هذه المباريات: كيف يخضع المتسابق لعشرة أشهر من التدريب الصارم قبل أن يُسمح له بدخول الملعب، وكيف يُقسم يمينًا أنه التزم بكل قواعد التدريب، وكيف يمتنع عن الخمر والأطعمة اللذيذة، ويتحمّل الحرّ والبرد والتعب من أجل لحظة سباقٍ واحدة Jamieson-Fausset-Brown.
والجائزة؟ إكليلٌ من أوراق الصنوبر أو البقدونس الجاف — شيءٌ يذبل خلال أيام. هذا التفصيل مهمٌّ جدًّا لفهم كلام بولس اللاحق في الآية ٢٥ عن "إكليلٍ يفنى" مقابل "إكليلٍ لا يفنى".
كنيسة كورنثوس كانت كنيسةً موهوبةً لكنها مضطربة: انقساماتٌ حول من يتبعون من القادة، تسامحٌ فاضحٌ مع الخطية، دعاوى قضائية بين الإخوة، جدلٌ حول الأكل من ذبائح الأصنام، وسوء استخدامٍ لموائد الرب. بولس في الأصحاح التاسع كان يدافع عن حقه كرسول في أن يُعال من خدمته، لكنه يوضح أنه تنازل عن هذا الحق طوعًا من أجل الإنجيل. والآن، وهو يقترب من ختام حديثه، يستخدم صورة الملعب التي يعرفونها جيدًا ليقول لهم: الحياة المسيحية ليست نزهة، بل تتطلب الانضباط ذاته الذي يبذله الرياضيّون من أجل جائزةٍ زائلة — فكم بالحرى يجب أن نبذله نحن من أجل جائزةٍ أبدية.
اللغة الأصلية
الفعل الذي يحمل ثقل الآية هو τρέχω (تريخو)، ومعناه "يركض" أو "يسعى بسرعة"، حرفيًّا أو مجازيًّا G5143. هذا الفعل يتكرر ثلاث مرات في الآية والآية التي تليها، وهو يعطي إحساسًا بالحركة المستمرة، لا الوقوف أو الجلوس. الحياة المسيحية عند بولس ليست حالةً ساكنة، بل جريٌ فعليٌّ يستهلك الطاقة والوقت.
الكلمة التي تُترجم "الميدان" هي στάδιον (ستاديون) G4712، وهي في الأصل تعني مقياس مسافةٍ ثابت، ثم صارت تُطلق على "مضمار السباق" نفسه — وهي أصل كلمة "ستاد" التي نستعملها اليوم في "الملعب الرياضي". لاحظ أن الكلمة مشتقة من فكرة الثبات (من جذر يعني "يقف")، فالمضمار محدَّدٌ ومقاسٌ بدقّة، لا مفتوحًا بلا نهاية — وهذا يوحي بأن السباق المسيحي له مسارٌ واضح ونهايةٌ محدَّدة، لا يجري الإنسان فيه إلى ما لا نهاية بلا هدف.
أما كلمة "الجَعالة" فهي βραβεῖον (برابيون) G1017، ومعناها "جائزة" تُمنح في الألعاب العامة، من جذرٍ يعني "الحَكَم" أو من يُصدر القرار في المباراة. هذا يهمّ لأنه يذكّرنا أن هناك دَيّانًا يراقب السباق ويحكم من الفائز، وليس الأمر متروكًا لتقدير المتسابق نفسه.
وأخيرًا لاحظ الفعل λαμβάνω (لامبانو) G2983، "يأخذ" أو "يمسك بقوة" — وهو فعلٌ فيه معنى الفعالية والحسم، لا الاستلام السلبي. الفائز لا يُعطى الجائزة وهو غافل، بل يمدّ يده ويمسكها. وهذا يتناغم مع نداء بولس الأخير: "اركضوا لكي تَنالوا" — وكلمة "لكي" هنا هي ἵνα (هينا) G2443، أداة الغرض، تُظهر أن الركض والنَّيل مرتبطان بعلاقة سببٍ ونتيجة لا انفصال بينهما.
كيف تشير إلى المسيح
بولس لا يذكر اسم المسيح صراحةً في هذه الآية، لكن كل الرسالة إلى العبرانيين تبني على نفس الصورة وتُكملها بشكلٍ يضيء لنا هذا النص: "لِنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا، نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ" (العبرانيين ١٢:١-٢). فإن كان بولس يقول "اركضوا لكي تنالوا"، فصاحب العبرانيين يخبرنا أين ننظر ونحن نركض: إلى يسوع نفسه، الذي ركض قبلنا حتى الصليب، ومن أجل السرور الموضوع أمامه احتمل العار.
المسيح هنا ليس مجرد قدوةٍ في الجدّية، بل هو أصل السباق كله. فبدونه لا يوجد سباقٌ إطلاقًا: لا خطّ بداية (فنحن أموات في خطايانا)، ولا خطّ نهاية (فلا حياة أبدية بلا قيامته)، ولا جائزة (فالإكليل الذي لا يفنى هو "إكليل البرّ" الذي يهبه "الرب، الديّان العادل" كما يقول بولس نفسه في ٢تيموثاوس ٤:٨). فالركض المسيحي ليس سعيًا لكسب المسيح، بل سعيٌ من المسيح ونحوه، لأنه هو من بدأ فينا هذا السباق أصلًا.
ولاحظ أيضًا أن الجائزة التي يتحدث عنها بولس بعد آيتين، "إكليلٌ لا يفنى"، هي عكس إكليل الصنوبر أو البقدونس الذابل الذي كان يناله بطل الألعاب الإسثمية. هذا التضاد يشير ضمنًا إلى ما كشفه المسيح: قيامته أعطتنا رجاءً لا يذبل، ميراثًا "لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل" (١بطرس ١:٤). فالسباق الذي يدعونا إليه بولس هنا هو صدىً لحياة المسيح نفسه: هو ركض الطريق كاملًا حتى القبر والقيامة، ونحن مدعوّون أن نركض على أثره، ليس لنكسب خلاصنا، بل لأننا خلصنا بالفعل ولنا هدفٌ ننتظره: أن نكون معه ونراه كما هو.
التطبيق
اسألك سؤالًا بسيطًا: كيف تركض حياتك الروحية هذه الأيام؟ هل هي جِدٌّ متقّد، أم مشيٌ متكاسل تظنّ أنك تستطيع تعويضه لاحقًا؟
بولس لا يقول لنا "امشوا"، بل "اركضوا". والركض يعني تعبًا، وتنفسًا لاهثًا، وعرقًا، واختيارًا يوميًّا أن تترك أشياء أخرى كنت تحبّها لتصل إلى الهدف. الرياضي الذي كان يستعد للألعاب الإسثمية كان يمتنع عن أطعمةٍ يحبّها، ويستيقظ باكرًا، ويتحمّل ألمًا لا أحد يجبره عليه، من أجل إكليلٍ سيذبل خلال أسبوع. فماذا عنّا نحن الذين ننتظر إكليلًا لا يفنى؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم محدَّد وليس عامًّا: ما هو ذلك الشيء في حياتك الذي يُبطئ ركضك؟ ربما هو عادةٌ تعرف أنها تستنزف وقتك وقلبك، أو علاقةٌ تسحبك للخلف، أو كسلٌ روحيٌّ تبرّره بانشغالك. بولس لا يطلب منك الكمال الفوري، لكنه يطلب منك الجدّية: أن تعامل علاقتك بالله كما يعامل الرياضي تدريبه، لا كما تعامل هوايةً تمارسها حين يسمح الوقت.
والخبر الجميل هنا أن هذا السباق ليس كالسباق الأرضي حيث واحدٌ فقط يفوز مهما بذل الآخرون. كل من يركض بأمانةٍ حتى النهاية، متكئًا على نعمة المسيح لا على قوته الذاتية، سينال. فلا داعي للمقارنة القلقة بأخيك المؤمن، وكأنكما تتنافسان على جائزةٍ واحدة. المطلوب منك أن تركض أنت، بكل ما أعطاك الله من قوة، ناظرًا إلى يسوع، لا يمينًا ولا يسارًا. فهل تركض اليوم بجدّية من ينتظر إكليلًا لا يفنى، أم بكسل من نسي أن هناك سباقًا أصلًا؟
نقاط للصلاة
- يا رب، اغفر لي كسلي وفتوري في سعيي نحوك، وأيقظ فيّ جدّية المتسابق لا خمول المتفرّج.
- أعطني، يا إلهي، انضباطًا يوميًّا يشبه انضباط الرياضي، لا في جسدي فقط بل في قلبي وعاداتي وأفكاري.
- ساعدني أن أحدّد ذلك الشيء الذي يُبطئ ركضي الروحي، وامنحني الشجاعة أن أتركه.
- ثبّت عينيّ على يسوع وحده، رئيس إيماني ومكمّله، لا على مقارنة نفسي بالآخرين.
- امنحني رجاءً حيًّا بالإكليل الذي لا يفنى، يجدّد قوتي حين أتعب في الطريق.
تأمّلات
- لو راقب أحدٌ حياتك الروحية طوال أسبوعٍ كامل، هل كان سيصفها بأنها "ركضٌ" أم "وقوفٌ في مكانك"؟
- ما الشيء الذي تعرف أنك تحتاج إلى الامتناع عنه، كما يمتنع الرياضي عن الطعام واللهو، من أجل التركيز على السباق؟
- هل تركض حياتك الإيمانية بدافع الخوف من الفشل، أم بدافع رجاءٍ حقيقيّ بالجائزة؟
- متى كانت آخر مرة بذلت فيها جهدًا حقيقيًّا مكلِفًا من أجل قربك من الله، لا مجرد عادةٍ دينية معتادة؟
- هل تقارن ركضك بركض الآخرين حتى تُصاب بالإحباط أو الكبرياء، بدل أن تنظر إلى يسوع وحده؟