كورنثوس الأولى ٤:٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: بولس يقول للكنيسة في كورنثوس "لا تحكموا في شيء قبل الوقت". لماذا؟ لأن هناك "وقتًا" محدَّدًا، وهذا الوقت ليس الآن. الوقت هو "حتى يأتي الرب". أول ما يلفت النظر هو أن بولس لا يقول "لا تحكموا أبدًا" - بل "لا تحكموا قبل الوقت". فهناك حكمٌ صحيح، لكنه ليس ملكك أنت الآن، بل مِلك المسيح حين يجيء.
ثم انظر ماذا سيفعل الرب حين يأتي: سيُنير "خفايا الظلام"، ويُظهر "آراء القلوب". هذان أمران مختلفان: الأول هو الأفعال المستترة، الأشياء التي فعلها الناس في الخفاء ولم يرَها أحد. والثاني أعمق: النوايا، الدوافع الحقيقية وراء كل تصرف - حتى الأعمال الظاهرة التي يمدحها الناس، قد تكون وراءها نية فاسدة لا يعرفها إلا الله.
والسياق الأقرب هنا مهم جدًّا: بولس يتكلم عن نفسه وعن أبولس وعن الخدام في الكنيسة (١كورنثوس ٣:٤-٤). الكورنثيون كانوا يصطفّون وراء معلمين معينين، يمدحون هذا ويحطّون من ذاك، وكأنهم قضاة يزنون خدام المسيح بمعاييرهم البشرية. فبولس يقول: توقفوا، أنتم لا ترون القلوب، أنتم ترون فقط السطح Jamieson-Fausset-Brown.
الخاتمة مذهلة: "حينئذ يكون المدح لكل واحد من الله". ليس فقط الدينونة، بل المدح أيضًا! فالآية ليست تهديدًا فقط، بل وعدٌ لكل من خدم بأمانة في الخفاء ولم يرَ أحد تعبه - الله سيراه ويكافئه.
بعض المفسرين ربطوا هذه الآية تاريخيًّا برفض بولس لفكرة أن إنسانًا (كاهنًا أو معلمًا) يملك سلطة نهائية على ضمير أخيه أو مصيره الروحي Jamieson-Fausset-Brown، لكن جوهر الآية يبقى واحدًا عند الجميع: الدينونة النهائية لله وحده، لا لأحد سواه.
السياق التاريخي
كتب بولس هذه الرسالة إلى كنيسة كورنثوس حوالي سنة ٥٣-٥٥م، أي بعد نحو عشرين سنة فقط من قيامة المسيح. كورنثوس لم تكن مدينة عادية - كانت ميناءً تجاريًّا صاخبًا، ملتقى ثقافات، مليئة بالفلاسفة الجائلين والخطباء المحترفين الذين كانوا يتنقّلون من مدينة إلى أخرى يجمعون حولهم أتباعًا معجبين بفصاحتهم.
هذه الثقافة تسرّبت إلى الكنيسة نفسها. فبدل أن يكون المسيحيون جماعة واحدة موحّدة حول المسيح، انقسموا إلى فرق: "أنا لبولس"، "أنا لأبولس"، "أنا لصفا" (١كورنثوس ١:١٢). كانوا يقيّمون الخدام كما يقيّمون الخطباء في السوق - بالفصاحة، بالحكمة الظاهرة، بجاذبية الشخصية. وبولس، الذي لم يكن خطيبًا لامعًا بمقاييسهم (٢كورنثوس ١٠:١٠)، كان يبدو في نظر بعضهم أقلّ شأنًا من أبولس المتحدّث اللبق.
في الأصحاح الرابع، بولس يدافع عن نفسه لا لأجل كبريائه، بل ليصحّح فهمًا خاطئًا خطيرًا: أنهم صاروا قضاة على خدام المسيح، يصدرون أحكامًا نهائية على من هو الأفضل، من هو الأمين، من يستحق الاحترام - وكل هذا بناءً على معايير بشرية سطحية. هذا كان خطيرًا لأنه يضع الإنسان في مكان الله.
اليهود في ذلك العصر كان لديهم أيضًا مقولة حكيمة تقول "كن متأنيًا في الحكم" John Gill، فكرة أن الحكم المتسرّع خطر ويجب تأجيله. بولس يبني على هذا لكن بعمقٍ أكبر: ليس فقط لأن الحكم المتسرّع خطأ إنسانيًّا، بل لأن هناك يومًا محدَّدًا، شخصًا محدَّدًا (الرب يسوع نفسه)، سيتولى هذا الحكم النهائي. فالكنيسة في كورنثوس، بكل غرورها وانقساماتها، كانت تحتاج أن تتذكّر: أنتم لستم المحكمة الأخيرة.
اللغة الأصلية
الفعل الأساسي هنا هو κρίνω (krínō)، G2919، ومعناه الأصلي "يميّز" أو "يفصل"، لكنه يُستخدم هنا بمعنى "يحكم، يدين، يصدر حكمًا نهائيًّا" Strong's. هذا هو الفعل نفسه الذي يُستخدم لوصف عمل القاضي في المحكمة. بولس لا يقول لا تفرّقوا بين الخطأ والصواب أبدًا - بل يمنع تحديدًا نوعًا من الحكم النهائي القاطع الذي يخصّ الله وحده.
عبارة πρὸ καιροῦ (pró kairoú) تجمع بين حرف الجر πρό G4253، ومعناه "قبل" أو "أمام"، وكلمة καιρός G2540 التي لا تعني الزمن العادي المتدفق، بل "الوقت المُعيَّن، اللحظة المحدَّدة سلفًا" Strong's. فبولس لا يتكلم عن أي وقتٍ لاحق، بل عن موعدٍ ثابتٍ في خطة الله، له وقته الخاص الذي لا يمكن تقديمه.
كلمة φωτίζω (phōtízō) G5461 تعني حرفيًّا "يُشرق أو يُنير"، من جذرها φῶς (نور) Strong's. تخيّل غرفةً مظلمة تمامًا، ثم فجأة يُشعل فيها مصباح - كل ما كان مخفيًّا في الزوايا يصير واضحًا بلا مجهود. هذا ما سيفعله مجيء الرب: ليس تحقيقًا وبحثًا شاقًّا، بل مجرّد ظهور النور.
أما κρυπτός (kryptós) G2927 فتعني "المخفيّ، الخاص، المستور" Strong's. الجميل أن بولس يصفها بـ"خفايا الظلام" - أي الأشياء التي لا يُقصد بها فقط الإخفاء عن الناس، بل هي متجذّرة في عالم الظلمة نفسه، حيث لا يصل نور الله بعد. لكن يوم مجيئه سينهي هذا الاختباء إلى الأبد.
كيف تشير إلى المسيح
كلمة "الرب" في هذه الآية ليست تعبيرًا عامًّا عن الله الآب، بل تشير مباشرة إلى المسيح، الذي بولس يتكلّم عنه طوال الأصحاح كسيّد الخدام (١كورنثوس ٤:١) Jamieson-Fausset-Brown. فبولس هنا يضع يسوع المسيح في موضع القاضي الأخير - وهذا امتدادٌ مباشر لما قاله يسوع نفسه: "لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن" (يوحنا ٢٢:٥). المسيح الذي أتى أول مرة طفلًا في مذود، سيأتي مرة ثانية ديّانًا يكشف كل خفيّ.
هذا يتردد صداه في كلمات بولس نفسه في مكانٍ آخر: "لأنه لا بد أننا جميعًا نُظهَر أمام كرسي المسيح" (٢كورنثوس ١٠:٥). فالمسيح ليس فقط المخلّص الذي مات عنّا، بل هو أيضًا الديّان الذي سيقف أمامه كل إنسان، مؤمنًا كان أم غير مؤمن، ليكشف حقيقة كل عمل.
لكن هنا يكمن جمال الإنجيل: لأن المسيح نفسه هو من سيدين، فالمؤمن لا يخاف من هذا اليوم كخوف المُدان، بل يترقّبه كترقّب الابن ليوم يُكرَّم فيه. فمن آمن بالمسيح، لم يعد تحت دينونة الهلاك (رومية ١:٨)، بل الدينونة التي يتكلّم عنها بولس هنا هي دينونة التقييم والمكافأة - كما يوضح بولس في الأصحاح الثالث نفسه عن عمل كل واحد الذي "سيُمتحن بالنار" (١كورنثوس ١٣:٣).
فالمسيح الذي سيأتي ليُنير الخفايا هو نفسه الذي سبق فحمل خطايانا الخفية على الصليب. لهذا نستطيع أن ننتظر مجيئه لا برعب، بل برجاء - لأن الديّان هو نفسه الفادي.
التطبيق
كم مرة أصدرتَ حكمًا على شخصٍ في قلبك خلال هذا الأسبوع؟ ربما زميل في العمل يبدو متكاسلًا، أو صديق في الكنيسة تظن أن نيّته ليست نقيّة، أو حتى واعظ لا يعجبك أسلوبه فتحكم على قلبه وأنت لا تعرف عنه شيئًا. هذه الآية موجّهة إليك مباشرة.
الحقيقة الصعبة هي: أنت لا ترى القلوب. لا قلب غيرك، ولا حتى قلبك أنت بالكامل Jamieson-Fausset-Brown. كم من مرة ظننتَ أن نيّتك نقية، ثم اكتشفتَ لاحقًا أن دافعك الحقيقي كان الكبرياء أو الخوف أو حبّ المدح؟ إن كنتَ لا تعرف حتى نفسك تمامًا، فكيف تجرؤ أن تصدر حكمًا نهائيًّا على أخيك؟
لكن الآية لا تدعوك للسذاجة أو للصمت عن الخطأ الواضح - بولس نفسه في هذه الرسالة يوبّخ خطايا علنية بشدة (١كورنثوس ٥). ما تمنعه الآية هو شيء أدق وأخطر: أن تنصّب نفسك قاضيًا نهائيًّا على دوافع الآخرين، أن تقول "أنا أعرف لماذا فعل هذا" بينما لا تعرف إلا الله.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية هو التخلي عن راحة اليقين السريع. أسهل شيء في العالم أن تحكم على أحد وتُريح نفسك من التعقيد، أن تضع الناس في صناديق: هذا صالح، ذاك فاسد. الآية تطلب منك أن تعيش في التوتر، أن تنتظر، أن تترك المدح والذمّ النهائي لله وحده.
وهناك عزاءٌ عظيم هنا لك أيضًا: إن كنتَ قد خدمتَ بأمانة في الخفاء، ولم يرَ تعبك أحد، ولم يمدحك أحد - انتظر. يومٌ آتٍ، والمدح فيه لن يكون من الناس، بل من الله نفسه. فلا تتعب من عمل الخير طلبًا لمديح البشر؛ اعمل لعينٍ واحدة تراك، ولسانٍ واحد سيمدحك في النهاية.
نقاط للصلاة
- يا رب، اغفر لي كل مرة حكمتُ فيها على قلب أخي وأنا لا أعرف نيّته الحقيقية.
- علّمني أن أنتظر يومك، ولا أتسرّع في إصدار الأحكام النهائية على من حولي.
- يا مَن تعرف خفايا قلبي أكثر مني، اكشف لي دوافعي الحقيقية ونقّها بنعمتك.
- امنحني الشجاعة أن أخدمك بأمانة في الخفاء، دون أن أطلب مديح الناس.
- ثبّت رجائي في يوم مجيئك، فلا أخاف من الكشف، بل أنتظره لأنك أنت ديّاني وفاديّ معًا.
تأمّلات
- من هو الشخص الذي أصدرتَ عليه حكمًا قاسيًا مؤخرًا دون أن تعرف حقيقة قلبه أو ظروفه؟
- هل هناك عملٌ صالح فعلتَه في الخفاء، وتشعر بالمرارة لأن أحدًا لم يلاحظه أو يمدحك عليه؟
- عندما تفحص دوافعك الحقيقية بصدق، ماذا تجد خلف أكثر أعمالك "الصالحة" ظهورًا؟
- هل تعيش منتظرًا مديح الناس أكثر من انتظارك ليوم يمدحك فيه الله وحده؟
- ما الذي يتغيّر في طريقة حديثك عن الآخرين هذا الأسبوع، لو أخذتَ هذه الآية على محمل الجدّ؟