يوحنا ٩:٤
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببساطة أولًا: يسوع واقفٌ أمام رجلٍ وُلد أعمى، وتلاميذه لتوّهم سألوه سؤال "مَن أخطأ" - وكأن الألم لغزٌ لاهوتيّ يجب حلّه. فيجيب يسوع بشيءٍ لا يتعلّق بالماضي بل بالوقت الحاضر: "يَنبغي أن أعمل... ما دام نهار". لاحظ الفعل: "يَنبغي" - ليست رغبة، بل ضرورة، التزام لا مفرّ منه. ثم يربط نفسه مباشرة بمن أرسله - الآب. هذا ليس عملًا عشوائيًّا، بل مهمّة مُوكَلة.
ما يسهل تفويته هو الحدود الزمنية الصارمة في كلامه: "نهار... ليل". يسوع لا يتكلم عن الأبدية هنا، بل عن نافذةٍ محدودة من الفرصة. وهو يقولها وهو على وشك أن يشفي الأعمى - أي أنّ "العمل" هنا ملموس جدًّا، ليس فكرة مجرّدة، بل فعل شفاءٍ سيغضب الفريسيين لأنه حدث يوم سبت (كما يتضح لاحقًا في الأصحاح). فالآية إذًا مفصلٌ بين سؤالٍ نظريّ عن سبب المعاناة وفعلٍ عمليّ يُجرى الآن، رغم الخطر.
موضع هذه الآية في قصة يوحنا أعمق مما يبدو: يوحنا يبني إنجيله على فكرة "النور والظلمة" منذ الأصحاح الأول (يوحنا ١:٤-٥)، وهذه الآية تُنطق هذا الموضوع بصوت يسوع نفسه، قُبيل أن يقول مباشرة "أنا هو نور العالم" (يوحنا ٩:٥). فالشفاء الذي يتلو هذه الآية ليس مجرد معجزة طبية، بل علامة - إشارة إلى أن النور نفسه واقفٌ في وسط الظلام البشري، ولن يبقى إلى الأبد.
المسيحيون لا يختلفون كثيرًا في المعنى المباشر هنا، لكن يختلفون في التطبيق: البعض يقرأ "ما دام نهار" كإشارة إلى حياة يسوع الأرضية تحديدًا (قبل الصليب)، بينما يوسّعها آخرون - وبحقّ - لتشمل كل مؤمن: لكل واحدٍ منا "نهارٌ" محدود من الفرصة للعمل قبل أن يأتي "ليلٌ" لا رجعة فيه.
السياق التاريخي
كتب يوحنا الرسول هذا الإنجيل في أواخر القرن الأول الميلادي، على الأرجح بين سنة ٨٥ و٩٥م، وهو شيخٌ طاعن في السن، ربما في أفسس، يخاطب جماعة مسيحية تعيش في عالمٍ يونانيّ-رومانيّ، لكنه يحمل ذاكرة يهودية دقيقة جدًّا عن أحداثٍ وقعت قبل ذلك بستين عامًا تقريبًا.
الحدث نفسه - شفاء الأعمى - وقع في أورشليم، على الأرجح خلال عيد التجديد (حانوكاه) في شهر ديسمبر، بحسب ما يشير إليه سياق الأصحاح العاشر لاحقًا Matthew Henry. كانت أورشليم في ذلك الوقت مدينة مشحونة بالتوتر: الفريسيون يراقبون كل حركة ليسوع، خصوصًا ما يتعلق بحفظ السبت، والصراع بينه وبين قادة الدين يزداد اشتعالًا شهرًا بعد شهر. من المرجّح - كما لاحظ بعض المفسرين القدامى - أن هذا الحدث جاء بعد فترةٍ من التجوال الريفي ليسوع خارج أورشليم، وقبل مواجهاتٍ أكثر حدّة ستُفضي في النهاية إلى الصليب Matthew Henry.
في تلك الثقافة، العمى لم يكن مجرد إعاقة جسدية، بل وصمة دينية واجتماعية. كان يُنظر إليه غالبًا كعلامة على خطيئة - إما خطيئة الشخص نفسه أو خطيئة والديه - ولهذا بالضبط سأل التلاميذ سؤالهم. الأعمى في تلك الثقافة كان عادة متسوّلًا، يجلس على أطراف الطرقات، خارج الحياة الاجتماعية والدينية تمامًا، لا يُسمح له حتى بدخول بعض مناطق الهيكل.
حين قال يسوع "ما دام نهار"، كان هذا التعبير مألوفًا جدًّا لسامعيه؛ فاليهود كانوا يقسمون العمل حسب ساعات النهار الطبيعية - لا كهرباء، لا إنارة صناعية تُذكر. عندما يغيب ضوء الشمس، يتوقف العمل الزراعي والحرفي فعليًّا. فحين يقول يسوع "يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل"، كان يتكلم بلغة يفهمها كل فلاح وكل صانع في ذلك الزمن - لا كناية غامضة، بل واقع يومي محسوس تحوّل إلى صورة روحية عميقة عن محدودية الفرصة وقرب النهاية.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية في هذه الآية هي δεῖ (deî)، والتي تعني "يجب" أو "يَنبغي" بمعنى الإلزام الحتمي، لا مجرد الأفضلية Strong's. هذا الفعل يُستخدم في اليونانية بشكل غير شخصي، أي أنه لا يصف رغبة يسوع الذاتية، بل واقعًا موضوعيًّا فُرض عليه من خارج ذاته - من الآب الذي أرسله. حين يقول يسوع "يَنبغي أن أعمل"، فهو يتكلم بلغة المهمة المُلزِمة، لا بلغة الخيار الشخصي.
ثم يأتي الفعل ἐργάζομαι (ergázomai)، ومعناه "أن يكدح، أن يشتغل بجهد" - وهو مشتق من الاسم ἔργον (érgon) الذي يعني "عمل" أو "فعل" Strong's. هذه ليست كلمة "لعب" أو "تسلية"، بل كلمة تحمل رائحة التعب والجهد الحقيقي - كأنّ يسوع يقول: هذا يكلّفني شيئًا، هذا ليس أمرًا سهلًا أو عابرًا.
كلمة πέμπω (pémpō)، التي تُترجم "أرسل"، تحمل معنى الإيفاد في مهمة محددة، من نقطة انطلاق واضحة نحو هدف محدد Strong's. هذا يؤكد أن يسوع لا يعمل من عنده، بل يُنفّذ إرسالية أعطاه إياها الآب - وهذا الترابط بين "الإرسال" و"العمل" يتكرر كثيرًا في إنجيل يوحنا (كما في يوحنا ٤:٣٤ ويوحنا ١٧:٤).
وأخيرًا، التقابل بين ἡμέρα (hēméra) "نهار" و νύξ (nýx) "ليل" ليس مجرد وصف فلكي Strong's. في اليونانية كما في العبرية، النهار غالبًا ما يرمز إلى زمن العمل والنعمة والفرصة، بينما الليل يرمز إلى زمن التوقف والعجز - وهذا بالضبط ما يؤكده الفعل الأخير δύναμαι (dýnamai)، "أن يكون قادرًا" Strong's. حين يأتي الليل، لا ينقص العمل فقط، بل تنعدم القدرة نفسها على القيام به - وهذا فارق جوهري بين "لا أريد" و"لا أستطيع".
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية ليست مجرد تعليمٍ عابر، بل نافذة على وعي يسوع بذاته وبمهمّته. حين يقول "ما دام نهار"، فهو يتكلم عن حياته الأرضية كلها كفترة زمنية محددة سلفًا، لها بداية ونهاية معلومتان عند الآب. هذا الوعي بالزمن المحدود يظهر في مواضع أخرى من يوحنا: "لم تأتِ ساعتي بعد" (يوحنا ٢:٤)، ثم لاحقًا "قد أتت الساعة" (يوحنا ١٢:٢٣) - كأنّ حياة يسوع كلها تسير على جدول زمني إلهي دقيق.
والأهم أن يسوع يربط "العمل" هنا مباشرة بشفاء الأعمى الذي سيحدث بعد لحظات. فالمعجزة ليست استعراض قوة، بل تتميم لمهمة أُعطيت له من الآب - وهذا يتردد صداه بوضوح في يوحنا ١٧:٤، حين يقول في صلاته الأخيرة: "الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ". الآية التي أمامنا هي وعدٌ لم يُنقض؛ فما بدأه يسوع هنا في وسط النهار، سيُتمّمه على الصليب حين يصرخ "قد أُكمل" (يوحنا ١٩:٣٠).
والليل الذي يشير إليه يسوع ليس فقط موته الجسدي، بل يحمل ظلًّا من ساعة الظلمة التي ستحيط بالصليب نفسه - حين "أرسلت أعمالًا كثيرة حسنة" (يوحنا ١٠:٣٢) ستُقابَل بالرفض والقتل. فالنور الذي يتكلم عنه هنا (ويُعلنه صراحة في الآية التالية، يوحنا ٩:٥) هو نفسه الذي أعلنه يوحنا في مطلع إنجيله: "وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ" (يوحنا ١:٥). فهذه الآية إذًا حلقة في سلسلة طويلة تُظهر يسوع كنورٍ يعمل بإلحاح في عالمٍ يزحف نحوه الظلام، عالمًا بأن وقته محدود، وأن عمله - وهو خلاصنا - يجب أن يكتمل قبل أن يُغلق الباب.
التطبيق
اسمح لي أن أسألك سؤالًا مباشرًا: كم مرة أجّلت شيئًا تعرف أن الله يريدك أن تفعله، بحجّة "لاحقًا"؟ مكالمة كان يجب أن تجريها، اعترافًا كان يجب أن تقوله، خطوة محبة كنت تعرف أنها مطلوبة منك - لكنك أجّلتها لأن "الوقت غير مناسب الآن"؟
يسوع هنا لا يملك ترف التأجيل. يعرف أن الفريسيين يراقبونه، يعرف أن شفاء رجل يوم السبت سيُشعل غضبهم، ومع ذلك يمضي قُدُمًا. لماذا؟ لأن "النهار" - فرصته - له نهاية، وهو لا يريد أن يقف أمام الآب ويقول "كان بإمكاني، لكنني انتظرت". هذا التحذير موجَّه إليك بنفس القوة. حياتك أيضًا "نهار" محدود. ليس لديك وقتٌ لا نهائي لتصلح علاقتك بابنك، لتطلب المغفرة من زوجتك، لتشارك إيمانك مع صديقك المريض، لتخدم من حولك بيدين حقيقيتين لا بنوايا مؤجَّلة.
والثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس رخيصًا: أن تعمل الآن، حتى لو كان العمل سيكلّفك سمعتك، راحتك، أو علاقاتك - كما كلّف يسوع مواجهة الفريسيين. الطاعة المؤجَّلة ليست طاعة؛ إنها مجرد نيّة حسنة تموت في الظلام قبل أن تُولد.
لكن لاحظ أيضًا: هذه الآية ليست دعوة للقلق المحموم أو للعمل من أجل العمل. يسوع لم يكن يركض بلا هدف؛ كان يعمل "أعمال الذي أرسله" - أي أنه كان يستمع أولًا لصوت الآب، ثم يتحرك. فالسؤال ليس فقط "هل أنا مشغول؟" بل "هل هذا العمل الذي أفعله الآن هو حقًّا ما أرسلني الله لأفعله؟" اجلس اليوم لحظة، واسأل الله بصدق: ما هو العمل الذي وضعته أمامي في هذا النهار تحديدًا، والذي أتهرّب منه؟ ثم قم وافعله - قبل أن يأتي ليلٌ لا تستطيع فيه شيئًا.
نقاط للصلاة
- يا رب، اغفر لي كل مرة أجّلت فيها طاعتك بحجة أن الوقت لم يحن بعد.
- امنحني عينين ترى العمل الذي وضعته أمامي اليوم تحديدًا، ولا تدعني أهرب منه خوفًا من الثمن.
- ذكّرني كل صباح أن نهاري محدود، فلا أُضيّع فرصًا لن تتكرر.
- أعطني قوة أن أعمل أعمالك حتى حين يُغضب ذلك من حولي، كما فعل يسوع.
- علّمني أن أميّز بين الانشغال الفارغ وبين العمل الذي أرسلتني حقًّا لأنجزه.
تأمّلات
- ما هو "العمل" الذي تعرف أن الله وضعه أمامك الآن، وما زلت تؤجّله؟ لماذا بالتحديد؟
- هل تخاف من ثمن الطاعة أكثر مما تخاف من إضاعة الفرصة؟
- لو علمت أن "ليلك" - نهاية فرصتك - سيأتي غدًا، ما الذي كنت ستفعله اليوم بشكل مختلف؟
- هل تعمل أعمال الله فعلًا، أم أعمالك أنت التي تُلبِسها اسمه؟
- من هو "الأعمى" في حياتك الآن - الشخص أو الموقف الذي يطلب منك أن تتحرك رغم الخطر؟