لوقا ١:٣٧
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية قصيرة، لكنها تحمل ثقل الفصل كله. الملاك جبرائيل قالها لمريم بعدما أخبرها بأمرٍ يفوق العقل: أنها ستحبل وهي عذراء. ومريم لم تُشكِّك بل سألت سؤالًا منطقيًّا: "كيف يكون هذا؟". فجاء جوابها في آيتنا: لا شيء مستحيل عند الله. لاحظ أن الملاك لا يشرح لها "الميكانيكية" — لا يقول لها كيف سيحدث الحبل، بل يوجّه نظرها إلى مَن سيحدث على يديه، لا إلى كيفية حدوثه. هذا هو المفتاح الذي يسهل تفويته: الإيمان هنا لا يُطلب منه أن يفهم الطريقة، بل أن يثق بالقادر.
ولمن يقرأ الآية بعناية، سيلاحظ أن الملاك ذَكَر قبلها مباشرة حالة أليصابات، نسيبة مريم العاقر التي حبلت في شيخوختها (لوقا ١:٣٦). فالآية ٣٧ ليست وعدًا مجردًا معلَّقًا في الهواء، بل استنتاجٌ من دليلٍ ملموس: "إن كان الله قد فعل هذا بأليصابات، فلا تستغربي ما سيفعله بكِ". هذه الطريقة في الاستدلال — من معجزةٍ سابقة إلى ثقةٍ في معجزةٍ آتية — هي جوهر الإيمان الكتابي كله.
موقع هذه الآية في قصة لوقا الكبرى واضح: هي الجسر بين البشارة والاستجابة. بعدها مباشرة تقول مريم كلمتها الخالدة: "هوذا أنا أَمَة الرب، ليكن لي كقولك" (لوقا ١:٣٨). فالآية ٣٧ هي الأساس الذي بُني عليه إيمان مريم واستسلامها. لا خلاف عقائديّ يُذكر هنا بين التقاليد المسيحية المختلفة؛ الجميع يقرأ الآية بالمعنى نفسه: قدرة الله المطلقة هي الضمانة الوحيدة التي يحتاجها الإيمان.
السياق التاريخي
كتب لوقا إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ ميلادية، وهو طبيبٌ يونانيّ الثقافة رافق بولس الرسول، ولم يكن شاهد عيان على حياة المسيح بل جمع شهادات مَن عاينوا (لوقا ١:١-٢). كتب لرجلٍ اسمه ثاوفيلس، ربما مسؤول رومانيّ أو مؤمن حديث من أصل وثني، ليثبته في الإيمان بدقّة الرواية التي تسلّمها.
المشهد نفسه — بشارة الملاك لمريم — يقع في الناصرة، بلدة صغيرة حقيرة في الجليل، لا وزن لها سياسيًّا ولا دينيًّا في نظر أورشليم. مريم فتاة يهودية بسيطة، خاطبة ليوسف، ربما في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها كما جرت العادة آنذاك. في مجتمعها، أن تُتَّهم فتاةٌ خاطبة بالحمل قبل الزواج كان يعني عارًا يلحق بها وبأهلها، بل قد يُعرِّضها للرجم بحسب الشريعة (تثنية ٢٢:٢٣-٢٤). فحين قالت "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا؟" لم يكن سؤالها شكًّا فلسفيًّا، بل واقعًا معيشًا خطيرًا سيقلب حياتها رأسًا على عقب.
كانت إسرائيل تحت الاحتلال الرومانيّ، تنتظر مسيحًا مخلِّصًا منذ قرون، وقد صمتت النبوّة رسميًّا نحو أربعمائة سنة. في هذا الفراغ الطويل، يأتي الملاك ليعلن أن السماء تتكلم من جديد، وأن الأمل القديم — نسل امرأة يسحق رأس الحيّة (تكوين ٣:١٥)، ابن داود الذي يملك إلى الأبد (٢صموئيل ٧:١٣) — على وشك أن يتجسّد فعليًّا. وكلمات الملاك "ليس شيء غير ممكن لدى الله" ليست عبارة مبتكرة، بل صدى مباشر لِما قاله الربّ لسارة حين شكَّت في إمكانية أن تلد وهي عجوز: "هل يستحيل على الربّ شيء؟" (تكوين ١٨:١٤) Adam Clarke. فالقارئ اليهوديّ الأول لإنجيل لوقا كان يسمع في هذه الجملة صدى قصة إبراهيم وسارة، ويفهم أن الله الذي فتح رحمًا عاقرًا قديمًا هو نفسه الذي يفتح رحم عذراء الآن.
اللغة الأصلية
العبارة اليونانية الأصلية هي: οὐκ ἀδυνατήσει παρὰ τῷ Θεῷ πᾶν ῥῆμα. لنفكّك أهمّ كلماتها.
كلمة ἀδυνατέω (أَذُيناتِيو، G101) تعني حرفيًّا "أن يكون عاجزًا" أو بصيغة المبني للمجهول "أن يكون مستحيلًا" Strong's. لاحظ أن الفعل مُسنَد هنا إلى "الشيء" (ῥῆμα) لا إلى الله؛ أي أن النص لا يقول "الله قادر" بل يقول "لا شيء يكون عاجزًا/مستحيلًا عند الله" — صيغة النفي المزدوج هذه (οὐ... πᾶν) تعطي تأكيدًا مطلقًا لا يقبل استثناءً واحدًا. هذا الفعل نفسه استخدمه المسيح لاحقًا بالضبط في نفس السياق: عن استحالة خلاص الغنيّ بجهده، ليقول "عند الناس هذا غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" (متى ١٩:٢٦، مرقس ١٠:٢٧). فالكلمة تحمل ثقلًا لاهوتيًّا: هي الفارق الجوهريّ بين حدود البشر وسعة الله.
كلمة ῥῆμα (رِيما، G4487) تعني "كلمة" أو "أمر" أو "مسألة"، لكنها في العبرية واليونانية معًا لا تعني فقط "كلمة منطوقة" بل تعني أيضًا "أمرًا" أو "قضيّة" أو "شيئًا يحدث" Strong's. هذا التداخل مهم جدًّا هنا، لأن نفس الكلمة العبرية המחדבר (دَبَار) في تكوين ١٨:١٤ تُستخدم بالمعنيين معًا: "هل يستحيل على الربّ أمرٌ؟" فيونانية لوقا هنا تترجم بدقة صدى ذلك النص، فتجعل "الشيء المستحيل" و"الكلمة" وجهين لعملة واحدة: عند الله، ما يقوله يكون، فلا فرق بين وعده وفعله.
وحرف الجر παρά (پارا، G3844) بمعنى "عند" أو "من عند" Strong's، يضع "الله" كمركز مرجعيّ: المستحيل والممكن لا يُقاسان بمقياس البشر، بل بمقياس مَن هو "عنده" كل شيء ممكن. الآية لا تقول إن الله "يستطيع أن يفعل المستحيلات"، بل تقول إن فكرة "المستحيل" أصلًا لا وجود لها في حضرته.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية هي أساس الحدث الذي يفتتح كل شيء: تجسّد المسيح نفسه. فحبل العذراء ليس معجزةً عابرة بين معجزات الكتاب، بل هو نقطة الدخول التي بها يصير الله إنسانًا. وقد اختار لوقا أن يضع كلمات الملاك عن قدرة الله المطلقة تحديدًا هنا، لأن ما سيحدث بعد قليل — أن يحلّ الروح القدس على عذراء فتحبل بابن الله — هو أعظم "مستحيل" في تاريخ الكون كله. فالآية ليست تعليقًا عامًّا على قدرة الله، بل هي الأساس اللاهوتيّ المباشر لولادة يسوع المسيح.
واللافت أن يسوع نفسه، حين كَبُر وصار يُعلِّم، استعمل نفس هذه العبارة تقريبًا بنفس الكلمة اليونانية، في موقفٍ آخر حاسم: حين سأله التلاميذ "من يستطيع أن يخلص؟" بعد حديثه عن صعوبة خلاص الغنيّ، أجاب: "عند الناس هذا غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" (متى ١٩:٢٦؛ مرقس ١٠:٢٧؛ لوقا ١٨:٢٧). فالمبدأ الذي وُلد به المسيح إلى العالم هو نفسه المبدأ الذي به يخلَّص كل إنسان: خلاصك، مثل ميلاد المسيح، مستحيل بجهدك، ممكن فقط لأن الله هو الفاعل.
وهناك خيطٌ أعمق: العهد القديم كله مليء بوعودٍ تبدو مستحيلة يُنجزها الله — سارة العاقر تلد (تكوين ١٨:١٤)، إرميا يشتري حقلًا وسط الحصار لأن "لا يعسر على الربّ شيء" (إرميا ٣٢:١٧، ٢٧)، شعبٌ مسبيّ يُعاد إلى أرضه ضد كل منطق (زكريا ٨:٦). كل هذه الوعود المستحيلة كانت تتقدّم نحو نقطةٍ واحدة: أن يأتي المسيح نفسه. فحين يقول الملاك لمريم "ليس شيء غير ممكن لدى الله"، فهو في الحقيقة يعلن أن كل تلك الوعود العتيقة تبلغ ذروتها الآن، في هذا الرحم، في هذه اللحظة. المسيح هو "المستحيل" الذي صار جسدًا.
التطبيق
كلنا نحمل "مستحيلًا" ما. زواجٌ يبدو ميؤوسًا منه، إدمانٌ لم تنجح كل المحاولات في كسره، خطيّةٌ تظنّ أن الله لن يغفرها، مرضٌ لا يشفيه طبيب، علاقةٌ مكسورة منذ سنوات، حلمٌ دفنته لأنك اقتنعت أنه مات. والآية اليوم لا تأتي لتُخفِّف عليك بكلامٍ عاطفيّ فارغ، بل تضع أمامك حقيقة صلبة: المستحيل عندك ليس مستحيلًا عند الله.
لكن انتبه: هذه الآية لم تُقَل لمريم كي تقعد وتنتظر أن يفعل الله كل شيء دون أن تتحرّك هي. فورًا بعدها قالت: "هوذا أنا أَمَة الرب، ليكن لي كقولك" (لوقا ١:٣٨). الإيمان بقدرة الله المطلقة لا يُعفيك من الاستجابة، بل يُطالبك بها. الثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس أن تؤمن بأن الله قادر نظريًّا — هذا سهل. الثمن هو أن تضع جسدك وحياتك وخطتك تحت تصرّفه كما فعلت مريم، رغم أن طاعتها كانت ستكلّفها سمعتها، ربما خطبتها، وربما حياتها.
كم مرة تُصلّي وأنت في قرارة نفسك تستبعد إجابة الله لأن الأمر "معقّد جدًّا" أو "متأخر جدًّا" أو "كبير جدًّا"؟ أنت لست أول من يفكّر هكذا؛ زكريا نفسه، أبو يوحنا، شكّ في كلام الملاك قبل بضع آيات وصُمِّ لسانه عقابًا (لوقا ١:٢٠). لكن مريم، الفتاة الصغيرة المجهولة، صدّقت. اسأل نفسك بصدق: هل هناك زاوية في حياتك أغلقتَها على الله لأنك قرّرت أنها "مستحيلة"؟ اليوم مدعوٌّ أن تفتحها من جديد، لا بتفاؤلٍ ساذج، بل بثقةٍ في مَن قال ولم يكذب من قبل.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أن هناك مواضع في حياتي أغلقتُ فيها الباب أمامك لأنني حكمتُ عليها بأنها مستحيلة. سامحني على قلّة إيماني.
- امنحني إيمان مريم، أن أقول "ليكن لي كقولك" حتى حين تكون الطاعة مكلفة ومخيفة.
- ذكّرني كل يوم بأن قدرتك لا تقاس بحدود عقلي أو خبرتي أو منطق الناس من حولي.
- أصلّي من أجل (اذكر اسم أو موقفًا) الذي أراه مستحيلًا، وأطلب منك أن تُري قوتك فيه كما أريتها لسارة ولمريم.
- علّمني أن أنتظرك بثقة لا بقلق، وأن أثق بكلامك حتى حين تتأخر الإجابة عن فهمي.
تأمّلات
- ما هو "المستحيل" الذي توقفتَ عن الصلاة من أجله لأنك اقتنعت أن الله لن يفعل شيئًا؟
- حين تقرأ استجابة مريم "ليكن لي كقولك"، هل استجابتك أنت لله أقرب إلى مريم أم إلى زكريا الذي شكّ؟
- ما الثمن الذي قد تطلبه منك طاعة كهذه — طاعة تُحرجك أو تُكلّفك سمعتك أو راحتك؟
- هل تؤمن حقًّا أن الله قادر، أم أن إيمانك نظريّ فقط بينما حياتك العملية تقول عكس ذلك؟
- أين رأيت الله سابقًا يفعل ما ظننته مستحيلًا، وكيف يمكن أن تكون تلك الذكرى وقودًا لثقتك اليوم؟