لوقا ١٧:١
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ:«لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ!
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
انظر إلى بداية الآية: يسوع يلتفت إلى تلاميذه تحديدًا، لا إلى الجموع. هذا الكلام موجَّهٌ لأهل بيته، لمن يتبعونه فعلًا. وأول ما يقوله صادمٌ بصراحته: «لا يمكن إلا أن تأتي العثرات». يعني: لا تتفاجأ. في عالمٍ فيه خطية، سيوجد دومًا ما يُسقط الناس، ما يُعثرهم عن الإيمان أو يجرّهم إلى الخطية. هذا ليس تبريرًا للشر، بل وصفٌ واقعي لحال العالم الساقط؛ فحتى إرادة الله الحكيمة تسمح بوجود هذه العثرات ضمن مسارٍ أعظم لا يفسد قداسته Matthew Henry.
لكن الجملة الثانية تقلب الاطمئنان إلى إنذار: «ويلٌ للذي تأتي بواسطته». هنا الانتقال الدقيق الذي يسهل تفويته: كون العثرات حتميةً لا يعني أن مَن يسبّبها بريء. الله لا يحاسب على وجود الشر في العالم بقدر ما يحاسب على مَن يكون أداةً له. هذا يشبه قول: "الحرب واقعة لا محالة، لكن ويلٌ لمن يشعل فتيلها بيده". فالحتمية الكونية لا تُلغي المسؤولية الشخصية؛ بل تجعلها أثقل، لأن الشخص اختار أن يكون هو القناة التي يمرّ منها الأذى.
هذه الآية صدى مباشر لكلامٍ سبق أن قاله يسوع في متى ١٨:٧، مما يدل أنها لم تكن عابرة بل تحذيرًا كرّره لأنه يهمّه جدًّا. وفي سياق لوقا، تأتي هذه الكلمات بعد أمثلة الغني ولعازر، وقبل حديثه عن الغفران بلا حدود (لوقا ١٧:٣-٤)، وكأن يسوع يقول: احترسوا من أن تكونوا سبب سقوط أحد، وفي نفس الوقت كونوا مستعدين أن تغفروا لمن يسقط بكم أو بغيركم. كل المسيحيين متفقون على جوهر التحذير؛ الاختلاف الطفيف يكمن فقط في كيفية فهم "الحتمية" – هل هي جبريّة صارمة أم مجرد وصفٍ واقعي لحال العالم الساقط دون نفي حرية الإنسان ومسؤوليته الكاملة.
السياق التاريخي
كتب لوقا إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ للميلاد، موجّهًا إياه لرجلٍ اسمه ثاوفيلس، وربما من خلاله لجماعة مسيحية أوسع من أصولٍ غير يهودية كانت تحتاج أن تفهم من هو يسوع وماذا طلب من أتباعه. لوقا نفسه لم يكن من الاثني عشر، بل طبيبًا رافق بولس، وجمع رواياته بدقة من شهود عيان (لوقا ١:١-٤).
في هذه اللحظة بالذات من الرواية، يسوع في طريقه الأخير إلى أورشليم، يعلّم تلاميذه بعمقٍ متزايد لأنه يعلم أن الوقت يضيق. هؤلاء التلاميذ سيصبحون قادة الكنيسة الأولى، جماعاتٍ صغيرة وهشّة ستنتشر وسط عالمٍ وثنيّ ويهوديّ معادٍ أحيانًا. كلمة "العثرات" هنا كانت تحمل ثقلًا خاصًّا: هذه الجماعات المسيحية الوليدة كانت مليئة بالمهتدين الجدد، أناسٍ ضعفاء في الإيمان بعد، وأي معلّمٍ كاذب أو سلوكٍ فاسد داخل الجماعة كان كفيلًا بأن يهدم إيمان أحدهم تمامًا.
نحن نعرف من رسائل بولس اللاحقة (مثل رومية ١٤:١٣ وكورنثوس الأولى ٨:١٣) أن هذه القضية لم تكن نظرية، بل واقعًا يوميًّا: خلافات حول الطعام، حول من يُسمح له بالانضمام، حول التعاليم المتضاربة. الكنائس الأولى كانت كخلايا صغيرة تتلمّس طريقها، وأي راعٍ سيّئ أو أخٍ متعجرف كان قادرًا أن يُسقط جماعةً بأكملها. من هنا فهم يسوع سلفًا خطورة هذا الأمر، وحذّر تلاميذه قبل أن يتوزعوا كقادة يرعون خرافًا حقيقية، ضعيفة، سهلة الجرح Tyndale.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية هنا هي σκάνδαλον (سكاندالون)، H4625 G4625. أصل معناها هو الفخّ أو "عودٌ منحنٍ" يُستخدم في نصب الشِّراك للحيوانات، ذلك الجزء الذي يُطلق الفخّ فجأةً عندما يلمسه الحيوان. من هنا جاءت كلمة "سكاندال" بالعربية والإنجليزية، أي فضيحة، لكن المعنى الأصلي في الإنجيل أعمق من الفضيحة الاجتماعية: هو أي شيء يجعل إنسانًا يتعثر ويسقط في خطيةٍ أو يرتد عن الإيمان. الترجمة "عثرة" دقيقة جدًّا لأنها تحافظ على صورة القدم التي تصطدم بشيء فتقع.
لاحظ أيضًا كلمة ἀνένδεκτος (أنندكتوس)، G418، وتعني "غير مقبول" أو "مستحيل التصوّر"، وهي كلمةٌ نادرة الاستخدام تحمل قوة خاصة: يسوع لا يقول فقط "من الصعب ألا تأتي عثرات"، بل يقول إنه أمرٌ لا يُتصوَّر وجود عالمٍ خالٍ منها طالما القلب البشري فاسد. هذا يضع الواقعية اللاهوتية في صلب الجملة منذ البداية.
وأخيرًا كلمة οὐαί (أُواي)، G3759، وهي صرخة حزنٍ ورثاءٍ عميقة، لا مجرد "تحذير" بارد. حين يقول يسوع "ويلٌ"، فهو لا يهدد بعقوبةٍ قانونية باردة، بل يرثي مصير هذا الإنسان مسبقًا، كما يرثي أبٌ ابنًا يسير نحو الهاوية وهو يرى ذلك بعينيه. هذه الكلمة نفسها استخدمها يسوع مرارًا في نعيه على الفريسيين والمدن التي رفضته، فهي تحمل دائمًا هذا الثقل من الحزن الممزوج بالإنذار Strong's.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية ليست نبوءةً مباشرة عن المسيح، لكنها تكشف عن قلبه هو نفسه بصورةٍ واضحة. يسوع الذي يتكلم هنا هو نفسه الذي سيصبح، بعد ساعاتٍ قليلة من هذا الحديث تقريبًا في خط الزمن الإنجيلي، "حجر عثرة" (σκάνδαλον) بمعنى مختلف تمامًا – ليس عثرة خطية، بل عثرة إيمان، كما يقول بولس في كورنثوس الأولى ١:٢٣ إن الصليب "لليهود عثرة". أي أن الكلمة نفسها التي يحذّر يسوع هنا من أن نكون سببًا لها، ستُستخدم لاحقًا لوصف رفض الناس له هو شخصيًّا. هذا يُظهر تناقضًا مذهلًا: العثرة التي يدينها يسوع هي إسقاط الآخرين في الخطية، أما "عثرة" الصليب فهي دعوة للإيمان بمن بدا للعالم ضعيفًا ومصلوبًا.
والأهم من ذلك: يسوع نفسه هو من سيحمل عقوبة كل "عثرة" فعلًا سبّبناها لآخرين. فكل واحدٍ منا كان يومًا "الذي تأتي العثرة بواسطته" لشخصٍ ما – بكلمةٍ قاسية، بمثالٍ سيّئ، بخطيةٍ أضعفت إيمان أخٍ. الويل الذي يتكلم عنه يسوع هنا كان يستحقه كل واحدٍ منا، لكن المسيح حمل هذا الويل بنفسه على الصليب، فصار هو "المسحوق" (إشعياء ٥٣:٥) بدلًا من أن نُسحق نحن تحت رحى ذلك الويل.
وفي نهاية هذا الأصحاح نفسه تقريبًا، يدعو يسوع تلاميذه للغفران السبعيني (لوقا ١٧:٣-٤)، وهو ما لا يقدر عليه إنسانٌ إلا بقوة الصليب الذي غفر له هو أولًا. فالمسيح هو من يجعل التحذير من العثرة والدعوة للغفران أمرًا ممكنًا معًا، لأنه هو نفسه حمل ثمن كل عثرةٍ وكل خطية.
التطبيق
دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: من الذي أسقطتَه أنت؟ ليس بالضرورة بخطيةٍ كبيرة صارخة. ربما بكلمةٍ ساخرة عن الإيمان قلتَها أمام شخصٍ في بداية طريقه مع الله. ربما بموقفٍ متناقضٍ رآه فيك ابنك أو صديقك المؤمن الجديد، فقال في نفسه: "إذن هكذا يعيش المسيحيون؟". ربما بغيبةٍ، بلامبالاة، بمثالٍ سيّئ داخل كنيستك.
يسوع هنا لا يريحك بالقول "لا تقلق، العثرات حتمية على أي حال". هو يقول العكس تمامًا: نعم، ستأتي العثرات لأن العالم ساقط، لكن ويلٌ لك تحديدًا إن كنتَ أنت القناة. الحتمية الكونية لا تعفيك من مسؤوليتك الشخصية. لا يمكنك أن تقول "لست الوحيد المخطئ" وتنجو من الحساب.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية هو يقظةٌ دائمة: أن تراقب تأثيرك على من حولك، خصوصًا الضعفاء في الإيمان، "الصغار" كما يسميهم يسوع في الآية التالية. أن تسأل نفسك قبل كل قرار: هل هذا سيقوّي إيمان أحد أم سيهزّه؟ هل هذه المزحة، هذا الجدال، هذا الانفعال، سيُسقط أحدًا كان يراقبني كمثال؟
هذا ثقيل، أعرف. لكن اسمع الجزء الآخر أيضًا: إن كنتَ قد أسقطتَ أحدًا فعلًا، فالطريق ليس اليأس بل الرجوع فورًا – الاعتراف، طلب المغفرة، إصلاح ما أمكن. المسيح الذي حذّر بهذه الصرامة هو نفسه الذي مات عن هذه الخطية بالذات. لا تكتفِ بالشعور بالذنب؛ اذهب واعتذر، اذهب واصلح، اذهب واحمل مسؤوليتك كإنسانٍ بالغ أمام الله.
نقاط للصلاة
- يا رب، افتح عينيّ لأرى متى أكون أنا سبب عثرةٍ لأحد، فأنا كثيرًا ما لا أنتبه لتأثيري على الآخرين.
- أطلب منك أن تذكّرني أن حرية غيري في الإخطاء لا تبرر خطئي أنا، فامنحني ضميرًا حيًّا لا يتحجّج بضعف العالم.
- اغفر لي يا رب كل مرة كنتُ فيها سببًا في تعثر إيمان أحدٍ، بكلمةٍ أو موقفٍ أو مثالٍ سيّئ.
- أعطني قلبًا حساسًا تجاه الضعفاء في الإيمان من حولي، لأحميهم لا أن أكون حجر عثرةٍ في طريقهم.
- علّمني أن أحمل هذا التحذير بجديّة دون أن يشلّني الخوف، بل يدفعني للمحبة الواعية واليقظة.
تأمّلات
- من هو الشخص الذي ربما تأثر إيمانه سلبًا بسبب كلمةٍ أو موقفٍ مني، وهل أعرف حتى الآن أثر ذلك عليه؟
- هل أستخدم حتمية وجود الشر في العالم كذريعةٍ لتبرير تراخيّ الشخصي في مسؤوليتي عن تأثيري على الآخرين؟
- في أي مجالٍ من حياتي (كلامي، سلوكي، غضبي، ازدواجيتي) أنا الآن قناةٌ محتملة لعثرة أحدٍ ما دون أن أنتبه؟
- لو وقف يسوع أمامي الآن وقال لي هذه الآية مباشرة، من أول اسمٍ يخطر في ذهني كشخصٍ ربما أسقطته؟
- ما الخطوة العملية الملموسة التي يمكنني اتخاذها هذا الأسبوع لإصلاح أثرٍ سيّئ تركته في إيمان شخصٍ آخر؟