مرقس ٩:٢٣
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ. كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
انظر إلى الآية بعناية: أبٌ يائسٌ جاء بابنه المصروع، وقد قال لتوّه ليسوع: «إن كنت تستطيع أن تفعل شيئًا، فتحنّن علينا» (مرقس ٩:٢٢). لاحظ أين وضع الرجل الشكّ — على قدرة يسوع! فيسوع في ردّه يأخذ كلمة الرجل نفسها «تستطيع» ويعيدها إليه، لكن موجَّهةً إلى مكانٍ آخر تمامًا: «إن كنت تستطيع أن تؤمن». المشكلة لم تكن يومًا في قدرة يسوع، بل في إيمان الرجل John Gill. هذا هو المفتاح الذي يسهل تفويته: يسوع لا يصحّح لاهوت الرجل عن الله، بل يكشف موضع الشكّ الحقيقي في قلبه. ثم يأتي التصريح المذهل: «كلّ شيء مستطاعٌ للمؤمن». هذه ليست وعدًا سحريًّا بأن الإيمان أداةٌ نحصل بها على ما نشاء، بل إعلانٌ عن أن باب السماء مفتوحٌ لمن يتّكل على الله لا على نفسه. لاحظ أن يسوع لا يقول «للمؤمن بي» بالضبط هنا بصيغة صريحة، لكن السياق كلّه — الأب أمام يسوع، يتوسّل إليه هو — يجعل الإيمان المقصود هو الاتكال على شخص يسوع نفسه. موضع هذه الآية في إنجيل مرقس مهمّ: هي تأتي بعد التجلّي مباشرة، حين نزل يسوع من الجبل ليجد تلاميذه عاجزين، وشعبًا مرتبكًا، وأبًا محطَّمًا. مرقس يضع هذا المشهد ليُظهر الفارق بين قوة يسوع اللامحدودة وضعف الإيمان البشري، حتى إيمان التلاميذ أنفسهم Tyndale. ورد فعل الأب الفوري بعد هذه الآية («أؤمن يا سيد، فأعِن عدم إيماني!» ٩:٢٤) يكشف أن الآية ليست دعوةً إلى إيمانٍ كاملٍ بلا تشقّق، بل دعوةٌ إلى إيمانٍ صادقٍ ولو كان ضعيفًا.
السياق التاريخي
كتب مرقس إنجيله على الأرجح بين سنة ٥٥ و٧٠ ميلادية، وتقول تقاليد الكنيسة القديمة إنه كتبه في روما، ناقلًا شهادة بطرس الرسول نفسه، لجمهورٍ من المؤمنين غير اليهود يعيشون تحت ظلّ الاضطهاد الروماني. هؤلاء الناس لم يكونوا يقرؤون قصةً تاريخية بعيدة؛ كانوا يبحثون عن قوةٍ حقيقية تحملهم وسط الخوف والضعف والموت المحتمل. المشهد نفسه يقع في الجليل، بعد حادثة التجلّي على الجبل مباشرة. يسوع نزل مع بطرس ويعقوب ويوحنا فوجد بقية التلاميذ محاطين بجمعٍ كبير وكتبةٍ يجادلونهم، وأبًا أحضر ابنه الذي كان يُصرَع منذ الطفولة — يُلقيه الروح النجس في النار وفي الماء ليهلكه. هذا لم يكن مرضًا عاديًّا في فهم ذلك العصر، بل كان يُنظر إليه كسيطرةٍ روحية شريرة حقيقية، وكان الناس يعيشون رعبًا يوميًّا من هذه القوى الخفية التي لا يملكون سلاحًا ضدّها. والمفارقة المؤلمة أن التلاميذ، الذين أُرسِلوا سابقًا وأُعطوا سلطانًا على الأرواح النجسة (مرقس ٦:٧)، فشلوا هذه المرة أمام الجمع كلّه. هذا الفشل العلني كان مُذِلًّا في مجتمعٍ يهودي يقدّر التعليم الديني والمعجزات كعلامةٍ على صدق الرسالة. الكتبة كانوا يجادلون، ربما يشمتون بهذا الفشل، والجمع كان في حيرة. الأب الذي جاء بابنه لم يكن غريبًا عن الإيمان تمامًا؛ فهو أصلًا جاء يطلب معجزة، لكن سنوات المعاناة مع ابنه أنهكت رجاءه، فصار يتكلم بلغة الشكّ: «إن كنت تستطيع». هذا هو الإنسان الحقيقي الذي كتب مرقس من أجله إنجيله: مؤمنٌ متعَبٌ، يريد أن يصدّق لكنه محطَّم من التجربة. الرسالة التي يحملها هذا النص لقرّاء مرقس الأوائل في روما، وسط الضغط والاضطهاد، كانت واضحة: قوة يسوع لا تعتمد على كمال إيماننا، لكنها تُستدعى بإيماننا مهما كان ضعيفًا، طالما وُجِّه إلى الشخص الصحيح.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية هنا هي الفعل اليوناني πιστεύω (پيستيُو، G4100)، ومعناه أن تثق، أن تتّكل، أن تُسلِّم نفسك لشخصٍ أو أمرٍ بثقة Strong's. هذا الفعل ليس مجرد موافقةٍ ذهنية على فكرة، بل فعل اتّكالٍ كامل — كأن تُلقي بكل ثقلك على جسرٍ وتمشي عليه، لا أن تقف بجانبه وتقول «أظنّ أنه متين». لاحظ أيضًا كلمة δύναμαι (دُيناماي، G1410)، وتعني أن تكون قادرًا أو ممكنًا Strong's — وهي نفس الجذر الذي اشتُقّت منه الصفة δυνατός (دُيناتوس، G1415) التي تعني «مستطاع» أو «ممكن» Strong's. الجمال هنا أن يسوع يأخذ كلمة الرجل «تستطيع» (من الفعل δύναμαι الذي استخدمه الأب في السؤال السابق) ويقلبها: بدل أن يُسأل «هل تستطيع أنت يا يسوع؟»، يصبح السؤال «هل تستطيع أنت أن تؤمن؟». نفس الجذر، لكن الاتجاه تغيّر كليًّا من قدرة يسوع إلى إيمان الإنسان. وكلمة πᾶς (پاس، G3956) تعني «كلّ» أو «الكلّ بأسره» Strong's — وهي التي تجعل التصريح مطلقًا وشاملًا: «كلّ شيء مستطاعٌ». لكن هذا الإطلاق ليس وعدًا بلا حدود؛ فهو مرتبطٌ عضويًّا بكلمة πιστεύω، أي أن «كلّ شيء» هنا مقيَّدٌ بمنطق الإيمان المتّكل على الله، لا بإرادة الإنسان المستقلة. الصلة اللغوية بين «تستطيع» (δύναμαι) و«مستطاع» (δυνατός) و«الكلّ» (πᾶς) و«تؤمن» (πιστεύω) تُظهر أن الآية كلّها بناءٌ لغويٌّ محكم يدور حول محورٍ واحد: القدرة الإلهية المتاحة عبر الاتّكال الصادق.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية لا تنفصل عن شخص يسوع نفسه؛ فهي ليست مبدأً عامًا عن «قوة الإيمان» يمكن فصله عن قائله. يسوع هنا يقف في موضع الله ذاته — الذي وحده كل شيء مستطاعٌ له (انظر مرقس ١٠:٢٧: «عند الناس هذا غير مستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كل شيء مستطاعٌ عند الله»). حين يقول يسوع «كل شيء مستطاعٌ للمؤمن»، فهو لا يعطي وصفةً سحرية، بل يدعو الرجل ليتّكل على القوة الإلهية الحاضرة فيه هو شخصيًّا، الواقف أمامه. هذا يتناغم مع كلمته ليسوع في يوحنا ١١:٤٠ لمرثا: «ألم أقل لك: إن آمنتِ ترين مجد الله؟» — ففي كلتا الحالتين، الإيمان ليس شرطًا يُرضي إلهًا بعيدًا، بل هو القناة التي من خلالها يُرى مجد الله ويعمل في وسط الضعف البشري. وكما يقول كاتب العبرانيين، «بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه» (العبرانيين ١١:٦) — فالإيمان ليس عملًا نكسب به شيئًا، بل هو موقف القلب الذي يليق بمن يقترب من الله الحيّ. والأعمق من هذا: الصليب نفسه هو الإجابة الكاملة على سؤال الأب «إن كنت تستطيع». في تلك اللحظة، بدا يسوع نفسه عاجزًا، مصلوبًا، ضعيفًا، ميتًا. لكن القيامة أثبتت أن «كل شيء مستطاعٌ» ليس شعارًا فارغًا، بل حقيقةً تجسّدت في القبر الفارغ. الإيمان الذي يطلبه يسوع من هذا الأب هو نفسه الإيمان الذي يُطلب من كل إنسانٍ يقف أمام صليبٍ يبدو فشلًا، ليكتشف أنه أعظم انتصار.
التطبيق
هل لاحظت أين وضعتَ أنتَ شكّك آخر مرة كنتَ فيها في ضيق؟ غالبًا نضع «إن» على الله — إن كان يستطيع، إن كان يهتم، إن كان سيتحرك. لكن يسوع يقلب السؤال علينا كما قلبه على ذلك الأب: المشكلة ليست في قدرته، بل في اتّكالنا Adam Clarke. والصادق في هذا النص أن الإيمان المطلوب ليس إيمانًا بطوليًّا خالٍ من الشك. هذا الأب، بعد أن سمع كلمة يسوع، لم يقل «أنا أؤمن إيمانًا كاملًا»، بل صرخ بصدقٍ مؤلم: «أؤمن يا سيد، فأعِن عدم إيماني!». هذه هي الصلاة التي يحتاجها كثيرون منّا اليوم — لا صلاة الإيمان الكامل، بل صلاة الإيمان الصادق الناقص الذي يعترف بضعفه ويطلب المعونة من نفس المصدر الذي يطلب منه الإيمان. الثمن هنا محدَّد وواضح: أن تتوقف عن وضع شرطك على الله، وأن تضع نفسك أنت في موضع الاتّكال. هذا يكلّفك التخلي عن وهم السيطرة — وهم أنك تحتاج أن تفهم كل شيء أو تضمن كل شيء قبل أن تثق. يكلّفك أن تأتي بابنك المريض، بزواجك المتصدّع، بخطيتك التي لم تُكسر بعد، بلا ضمانات مسبقة، وتقول: «أنت تستطيع، فساعدني أنا لأثق». كثيرون يتوقفون عند "إن كنت تستطيع" ويظلّون هناك سنين، يزنون قدرة الله بميزان تجاربهم الفاشلة. لكن يسوع يقول لك اليوم ما قاله لذلك الأب: القدرة ليست القضية. قضيتك أنت هي: هل تستطيع أن تتّكل؟ ولو كان اتّكالك مثقلًا بالشكّ، فابدأ من هناك بالضبط، كما فعل هو.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أني كثيرًا ما أضع الشرط على قدرتك بدل أن أفحص إيماني أنا. اغفر لي هذا.
- أؤمن يا سيد، فأعِن عدم إيماني — في وضعي المحدد الذي أحمله اليوم (اذكره أمامه).
- علّمني أن أتّكل عليك اتّكالًا حقيقيًّا، لا موافقةً ذهنية باردة، بل ثقةً تُلقي بكلّ ثقلها عليك.
- ذكّرني حين أتوقّف عند "إن كنت تستطيع"، أن المشكلة في اتّكالي لا في قدرتك أنت.
- امنحني الجرأة أن آتي إليك بضعفي كما هو، دون أن أنتظر أن يكون إيماني كاملًا أولًا.
تأمّلات
- أين في حياتك تضع أنت شرط "إن كنت تستطيع" على الله، رغم أنك رأيته يعمل من قبل؟
- ما الفرق بين أن تؤمن بأن الله قادر، وأن تتّكل عليه فعليًّا اليوم في أمرٍ محدد؟
- هل تسمح لنفسك أن تصلي كصلاة ذلك الأب — "أؤمن، فأعِن عدم إيماني" — أم تشعر أنك يجب أن تُظهر إيمانًا كاملًا قبل أن تقترب من الله؟
- ما الذي يمنعك اليوم من أن "تتّكل" لا أن "توافق ذهنيًّا" فقط؟
- إن كان "كل شيء مستطاعٌ للمؤمن"، فما الذي يقوله هذا عن الأشياء التي توقفتَ عن طلبها لأنك فقدت الرجاء؟