مرقس ١٥:٣٤
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:«إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية صعبة، ولا يجب أن نُلطّفها. يسوع، وهو معلَّقٌ على الصليب منذ ثلاث ساعات، يصرخ بصوتٍ عظيم — لا همسًا ولا تنهيدة، بل صرخةً تُسمَع. والكلمات ليست يونانية، بل آرامية: «إلوي، إلوي، لما شبقتني؟» ومرقس يترجمها لنا فورًا حتى لا يُخطئ القارئ فهمها: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟».
أول ما يلفت النظر: يسوع لا يبتكر هذه الكلمات، بل يقتبسها حرفيًّا من المزمور ٢٢:١. هذا ليس صراخ يأسٍ عشوائيّ، بل صلاةٌ من قلب الكتاب المقدس نفسه. من يعرف المزمور ٢٢ يعرف أنه يبدأ بالعذاب ويَخْتِم بالنصر والخلاص. فيسوع، في أحلك لحظةٍ، يتكلم بلغة الوحي، لا بلغةٍ عفوية فقط.
ثم يسهل أن يُفوَّت شيءٌ آخر: هو لا يقول «يا أبي» كما اعتاد أن يخاطب الله طوال حياته وخدمته، بل يقول «إلهي، إلهي». هذا التحوّل في الخطاب مذهل ومهم. العلاقة الحميمة بين الابن والآب، التي رأيناها في كل الأناجيل، تبدو هنا وقد دخلت في ظلمةٍ لا نفهمها تمامًا.
اختلف المسيحيون في تفسير عمق هذا «الترك»: البعض (خصوصًا في التقليد البروتستانتي الإصلاحي) يرى أن الآب حقًّا صبّ غضبه على الابن حاملِ خطايا العالم، ففُصل عنه فصلًا حقيقيًّا لحظتها. آخرون (كثيرٌ من الآباء الأرثوذكس والكاثوليك) يشدّدون على أن الأقنوم الإلهي لم يفارق الأقنوم الآخر أبدًا، وأن يسوع هنا يتكلم بصوت الإنسانية المتألمة، مستعيرًا كلمات المزمور ليعبّر عن هول العزلة التي يشعر بها الجسد البشري وهو يحمل الخطيئة، لا انفصالًا حقيقيًّا في اللاهوت. الآية تقف على حافة سرٍّ عميق، ولا ينبغي أن نغلقه بسهولة أكثر مما يسمح به النص.
هذه اللحظة هي قمة سرد مرقس كله: الإنجيل الذي بدأ بإعلان «هذا هو ابني الحبيب» عند المعمودية (مرقس ١:١١) يصل الآن إلى ابنٍ يصرخ وكأنه متروك.
السياق التاريخي
كتب مرقس إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٥ و٧٠م، لجماعةٍ مسيحية في روما تعيش تحت اضطهادٍ حقيقي، ربما في أيام نيرون. هؤلاء الناس لم يكونوا يقرأون قصةً هادئة عن معلّمٍ حكيم؛ كانوا يواجهون بأنفسهم احتمال الألم والموت من أجل اسم يسوع، فاحتاجوا أن يعرفوا أن مخلّصهم ذاق الألم إلى أقصاه قبلهم.
المشهد نفسه يجري في أورشليم، في يوم عيد الفصح، تحت الحكم الروماني. الصلب كان أقسى أنواع الإعدام التي عرفها العالم القديم — عارٌ متعمَّد، موتٌ بطيء بالاختناق والإنهاك، مُعدٌّ خصيصًا ليُهين الضحية أمام الجميع. والساعة التاسعة عند اليهود تعادل تقريبًا الثالثة بعد الظهر، وكانت هذه ساعة تقديم الذبيحة المسائية في الهيكل — التوقيت هنا ليس مصادفة.
يسوع يصرخ باللغة الآرامية، لغة الناس العاديين في فلسطين آنذاك (لا العبرية الطقسية ولا اليونانية الرسمية)، وهذا يوضح لنا أن هذه صرخة إنسانٍ حقيقي في أشد لحظات ضعفه، لا خطبة مُعدّة. ومن المعروف أن بعض الحاضرين ظنّوا أنه ينادي إيليا (كما يظهر في الآيات التالية)، لأن كلمة «إلوي» تشبه صوتيًّا اسم النبي في الآرامية، مما يكشف أن كثيرين حوله لم يفهموا حتى ما كان يقوله.
المهم أن نتذكره: أول من سمع هذه الكلمات لم يكونوا مسيحيين يقرأونها بعد القيامة ويعرفون نهاية القصة. كانوا جنودًا رومانًا، وكهنة يهودًا شامتين، ونسوةً واقفاتٍ من بعيد يبكين. لم يكن أحدٌ منهم يعرف أن هذه الصرخة ستصبح، بعد قرون، إحدى أعمق آيات الكتاب المقدس كله.
اللغة الأصلية
الكلمتان الآراميتان "ἐλωΐ" (إلوي) و"σαβαχθάνι" (سبقثني) هما قلب الآية. "إلوي" مأخوذة من أصلٍ آرامي-عبري يعني ببساطة «إلهي» — نداءٌ شخصيّ حميم، لا خطابٌ رسميّ عن الله، بل صرخة إنسانٍ يعرف إلهه ويعرف أنه إلهه هو تحديدًا Strong's. وكلمة "σαβαχθάνι" مشتقة من فعلٍ آرامي معناه «تركتَني» أو «هجرتَني»، وتحمل ثِقل التخلي الكامل، لا مجرد الغياب المؤقت Strong's.
يلفت النظر أن مرقس يكتب الكلمة الآرامية كما نُطقت فعلًا، ثم يستخدم فعل "μεθερμηνεύω" (ميثرمينيوو) ليقول «تفسيره»، وهو فعلٌ يعني حرفيًّا «ينقل من لغةٍ إلى أخرى» Strong's. هذا يخبرنا أن مرقس أراد أن يسمع القارئ اليوناني الصوت الأصلي أولًا — الصرخة كما خرجت من فم يسوع، بلحمها ودمها الآرامي — قبل أن يفهم معناها. وكأنه يقول: لا تستعجل الشرح، اسمع الألم أولًا.
كذلك فعل "βοάω" (بوآو) المستخدم لوصف الصراخ يعني الصراخ الشديد، كصراخ من يطلب النجدة أو يصرخ في وسط جمعٍ صاخب Strong's، مقرونًا بـ"φωνῇ μεγάλῃ" (بصوتٍ عظيم) — لم يكن يسوع يتمتم، كان يصيح صياحًا يسمعه كل من حوله. هذا يوافق ما قاله العبرانيين ٥:٧ عن «صراخٍ شديد ودموع». الكلمات إذن ليست تعبيرًا لاهوتيًّا باردًا، بل صرخة جسدٍ منهك وروحٍ مُثقَلة، تستعير كلمات المزمور ٢٢ لتقول أعمق ما يمكن أن يُقال.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية نفسها هي إحدى أوضح اللحظات التي يكون فيها يسوع هو تتميم النبوءة بلا وساطة تفسيرية معقدة: هو يقتبس المزمور ٢٢:١ حرفيًّا وهو يموت. ومن يقرأ المزمور ٢٢ كله يجد فيه تفاصيل مذهلة تتحقق حرفيًّا في الصلب — الاستهزاء، طعن اليدين والقدمين، الاقتراع على الثياب — لكن المزمور لا يتوقف عند العذاب؛ يمضي إلى الخلاص وإعلان اسم الرب «في وسط الجماعة» (المزمور ٢٢:٢٢). فحين يصرخ يسوع بالآية الأولى فقط، فهو -بحسب فهمٍ قديمٍ ومقبول- يستحضر المزمور كله ضمنًا، بما فيه رجاءه الختامي، لا اليأس فقط Tyndale.
هنا تلتقي خيوط الإنجيل كلها: يسوع الذي أعلن أنه جاء «ليبذل نفسه فدية عن كثيرين» (مرقس ١٠:٤٥) يذوق الآن ثمن ذلك الفداء كاملًا. بولس يقول لاحقًا إن الله جعل المسيح، الذي لم يعرف خطية، خطيةً لأجلنا (٢كورنثوس ٥:٢١)، وإنه صار لعنةً لأجلنا (غلاطية ٣:١٣). هذه الصرخة هي الصوت المسموع لتلك الحقيقة اللاهوتية الثقيلة: الابن يحمل وزر الخطية التي تفصل الإنسان عن الله، ويحملها إلى أقصى نقطةٍ ممكنة — نقطة الشعور بالترك.
وفي المقابل، لوقا ٢٣:٤٦ يسجّل كلمات يسوع الأخيرة: «يا أبتاه، في يديك أستودع روحي». لاحظ التحوّل: من «إلهي، إلهي» إلى «يا أبتاه» مجددًا. الظلمة لم تكن نهاية القصة؛ العلاقة استُعيدت، والثقة عادت. هذا يجعل من صرخة الترك ليست نهاية الرحلة بل أعمق نقطةٍ فيها قبل الفجر. المسيح هو الوحيد الذي دخل في عزلةٍ حقيقية عن الله لكي لا يبقى أحدٌ ممن يؤمن به وحيدًا في عزلته إلى الأبد.
التطبيق
ربما مررتَ بلحظةٍ صرختَ فيها إلى الله ولم تسمع جوابًا. صلّيت، وانتظرت، والسماء بدت صامتة كالحجر. إذا كان هذا هو حالك، فهذه الآية لك بالتحديد. لأن يسوع نفسه، ابن الله بلا شائبة، مرّ من هذا الطريق قبلك. لم يكن يتظاهر بالألم، ولم يكن يمثّل دورًا. صرخ صرخة حقيقية إلى إلهٍ شعر أنه ابتعد.
هذا يعني أن إيمانك لا يتطلب منك أن تُخفي شكوكك أو ألمك أو شعورك بالغياب الإلهي وراء ابتسامةٍ متدينة. يمكنك أن تصرخ بصدقٍ كما صرخ هو، بكلماتٍ من المزامير إن لم تجد كلماتك الخاصة. الصلاة الصادقة ليست دائمًا هادئة ومرتّبة؛ أحيانًا هي صراخٌ عالٍ لا يفهمه من حولك.
لكن هناك ثمنًا هنا لا يجوز أن نتجاهله: أن تصدّق أن يسوع تحمّل هذا الترك لأجلك يعني أن تتوقف عن محاولة دفع ثمن خطاياك بنفسك. كثيرون يعيشون في شعورٍ دائم بالذنب، يحاولون كسب رضا الله بجهدهم، وكأن صرخة يسوع لم تكن كافية. الثمن الذي تطلبه هذه الآية هو أن تكفّ عن ذلك، وتقبل أن الابن حمل ما كان يجب أن تحمله أنت.
وثمنٌ آخر: أن تثق بالله حتى حين يبدو صامتًا. يسوع لم يتوقف عن مخاطبة الله بـ«إلهي» حتى في لحظة الشعور بالترك — لم يقل «أين أنت»، بل «إلهي». هذا فرقٌ دقيق لكنه عميق: يمكنك أن تشعر بالغياب وتظل تصرخ إلى من تؤمن أنه إلهك. هذه هي الأمانة في وسط الظلمة، وهي أصعب من الإيمان في وقت النور.
نقاط للصلاة
- يا رب، أشكرك أن ابنك ذاق الترك لكي لا أبقى وحيدًا في ظلمتي إلى الأبد.
- أعترف أنني أحيانًا أشعر بغيابك، وأطلب منك أن تعلّمني أن أصرخ إليك بصدقٍ كما صرخ يسوع، لا أن أخفي ألمي.
- ساعدني أن أتوقف عن محاولة دفع ثمن خطاياي بجهدي، وأن أقبل أن المسيح دفع الثمن كاملًا.
- امنحني أن أثق بك حتى حين تصمت السماء، وأن أظل أناديك «إلهي» في أحلك لحظاتي.
- يا يسوع، أنت الذي عرفت العزلة الحقيقية، كن قريبًا من كل من يشعر اليوم أنه متروك ووحيد.
تأمّلات
- متى شعرتَ آخر مرة أن الله تركك؟ هل صرخت إليه بصدقٍ، أم صمتّ وابتعدت؟
- هل تحاول، بوعيٍ أو بغير وعي، أن تدفع ثمن ذنوبك بنفسك بدلًا من أن تقبل أن المسيح دفعه؟
- كيف تتغيّر نظرتك لألمك الخاص حين تعرف أن يسوع نفسه صرخ بهذه الكلمات؟
- هل تسمح لنفسك في صلواتك أن تكون صادقًا وغاضبًا وحزينًا أمام الله، أم تتظاهر بالهدوء دائمًا؟
- المزمور ٢٢ ينتهي بالرجاء بعد العذاب — أين أنت الآن من رحلتك: في الصرخة، أم في بداية الرجاء؟