مرقس ١٠:٢٧
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ:«عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
انظر إلى الفعل الأول: "نظر إليهم". يسوع لا يجيب فورًا، بل يتأمل وجوه تلاميذه المرتبكين. لقد قال لهم للتوّ إن دخول الغني إلى ملكوت الله أصعب من أن يدخل الجمل من ثقب الإبرة، فذُهلوا وسألوا: "فمن يستطيع أن يخلص؟". هنا يأتي الجواب.
الجملة مبنية على تقابلٍ حاد: "عند الناس" مقابل "عند الله". يسوع لا ينكر الاستحالة، بل يؤكدها! الخلاص، من جهة الإنسان وجهده وقدرته، أمرٌ "غير مستطاع" تمامًا — لا صعب فحسب، بل مستحيل. لكن الله ليس محكومًا بحدود الإنسان. عنده "كل شيء مستطاع". لاحظ أن يسوع لم يقل إن الخلاص سهلٌ عند الله، بل قال إنه ممكن، لأن الله وحده يقدر أن يفعل ما لا يقدر عليه بشر.
هذه الآية تقع في قلب حديثٍ عن الغنى والملكوت (مرقس ١٠:١٧-٣١)، بعد لقاء يسوع بالشاب الغني الذي مضى حزينًا لأنه لم يستطع أن يترك ماله. فالآية ليست تعليمًا عامًّا عن "قدرة الله على كل شيء" بمعزل عن سياقها، بل جوابٌ مباشر عن سؤالٍ محدد: كيف يخلص أحد إن كان حتى الغنى — الذي يُظن أنه علامة بركة الله — عائقًا؟
هنا يفترق فهم المسيحيين قليلًا: البعض يرى أن الآية تتكلم عن الخلاص بالنعمة وحدها، أي أن جهد الإنسان لا يكفي أبدًا مهما بلغ، فالله وحده يخلّص. وآخرون يرون أنها تتكلم عن نعمةٍ خاصة يهبها الله لتغيير قلب المحبّ للمال حتى يستطيع أن يؤمن ويترك Tyndale. لكن الاتجاهين يلتقيان في نقطةٍ واحدة لا خلاف عليها: الخلاص، من أوله إلى آخره، عملُ الله لا عملُ الإنسان.
السياق التاريخي
إنجيل مرقس، بحسب التقليد الأقدم، كتبه يوحنا مرقس مستقيًا مادته من كرازة بطرس الرسول، على الأرجح في روما، في وقتٍ يقارب سنة ٥٥-٧٠م، أي قبل خراب الهيكل أو قريبًا منه. كان يكتب لجماعةٍ مسيحية تعيش تحت ضغطٍ حقيقي — بعضهم يهود آمنوا بالمسيح وواجهوا رفض مجتمعهم، وبعضهم أمم عاشوا في قلب الإمبراطورية الرومانية حيث الغنى والنفوذ كانا يُعبَدان تقريبًا.
في هذا المشهد بالذات (مرقس ١٠:١٧-٢٧)، يسوع في طريقه الأخير إلى أورشليم، حيث ينتظره الصليب. يقترب منه شابٌّ غني، له سلطة ومكانة، ويسأل عن الحياة الأبدية. في اليهودية الشعبية آنذاك، كان الغنى يُفهم غالبًا كعلامة بركة الله على الإنسان الصالح — كما في تجربة أيوب قبل أن يخسر كل شيء. فحين يقول يسوع إن دخول الغني إلى الملكوت أصعب من دخول الجمل في ثقب إبرة، كانت الصدمة عميقة: إن كان الغنيّ الذي "باركه الله" ظاهريًّا لا يستطيع أن يدخل، فمن يقدر إذن؟ لهذا "بُهت التلاميذ جدًّا" (مرقس ١٠:٢٦).
الجمل وثقب الإبرة صورة قاسية متعمّدة: أكبر حيوانٍ مألوف عند الناس مقابل أصغر فتحةٍ يعرفونها — إبرة الخياطة. لا مجال لتخفيف الصورة (كما حاول بعضهم لاحقًا بتخيل "باب صغير" في أسوار أورشليم اسمه "ثقب الإبرة")؛ يسوع يقصد المستحيل الصريح.
هذا الحديث يتكرر بنفس العبارة تقريبًا في متى ١٩:٢٦ ولوقا ١٨:٢٧، مما يدل على أن هذا التعليم كان محوريًّا في ذاكرة الكنيسة الأولى عن يسوع — لا حادثة عابرة، بل درسٌ أرادوا أن يحفظوه كلمة كلمة.
اللغة الأصلية
كلمتان يونانيتان تحملان ثقل الآية.
الأولى: ἀδύνατος (أدِيناتوس)، H102 Strong's، ومعناها "غير قادر" أو "مستحيل". هي مبنية من أداة النفي (أ) زائد δυνατός (المتعلق بالقدرة أو القوة، ومنها كلمة "ديناميت" في العربية الحديثة!). فالكلمة تنفي القدرة نفيًا تامًّا، لا تصفها بالصعوبة. حين يقول يسوع إن الأمر "أدينَاتوس" عند الناس، فهو لا يقول "صعب جدًّا" بل "مستحيل مستحيل، خارج نطاق القدرة البشرية كليًّا".
الثانية: πᾶς (پاس)، H3956 Strong's، ومعناها "كل" أو "الكل"، بلا استثناء. حين يقول "كل شيء مستطاع عند الله"، لا يترك بابًا مغلقًا واحدًا. هذا التعميم المطلق هو ما يجعل الجملة وعدًا لا مجرد ملاحظة فلسفية.
والفعل ἐμβλέπω (إمبليپو)، H1689 Strong's، الذي تُرجم "نظر إليهم"، يعني تحديدًا أن ينظر بتمعّن وتثبيت، لا نظرة عابرة. هذا الفعل نفسه استُخدم حين نظر يسوع إلى بطرس فآمن، وحين نظر إلى الشاب الغني فأحبه (مرقس ١٠:٢١). فالنظرة هنا ليست تفصيلًا عابرًا، بل تحمل معنى: يسوع يتفحص قلوبهم المرتبكة قبل أن يتكلم، كأنه يريد أن يقول: "أعرف ما تفكرون فيه، وسأجيبكم بحقّ".
ولاحظ التقابل بين حرفي الجر: παρά ἀνθρώποις (عند الناس) مقابل παρά τῷ θεῷ (عند الله) — نفس حرف الجر "παρά" (پارا) يتكرر، ليصنع تقابلًا لغويًّا متعمدًا يبرز الفارق الجوهري بين حدود الإنسان وسعة الله. الآية بأكملها بُنيت لغويًّا لتصدم السامع: مستحيل مطلق مقابل ممكن مطلق.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية ليست حاشيةً جانبية في حديث يسوع، بل هي بيانه عن سرّ رسالته كلها. فمن قال هذه الكلمات هو نفسه الذي سيصعد بعد أصحاحاتٍ قليلة إلى أورشليم ليموت على صليب، لأن خلاص الإنسان كان "غير مستطاع عند الناس" فعلًا — لا يوجد إنسانٌ، غنيًّا كان أم فقيرًا، بارًّا كان أم خاطئًا، يستطيع أن يخلّص نفسه أو يشتري طريقه إلى الملكوت. لهذا صار الله نفسه إنسانًا، ليفعل ما لا يقدر عليه أحدٌ سواه.
فكّر في الشاب الغني الذي سبق هذه الآية مباشرة: طُلب منه أن يبيع كل شيء ويتبع يسوع، فلم يستطع. جهده، أخلاقه، طاعته للوصايا منذ حداثته — كل ذلك لم يكفِ ليحرّر قلبه من محبة المال. هنا يعلن يسوع أن الحل ليس في مضاعفة جهد الإنسان، بل في عملٍ إلهي يفوق الطبيعة. وهذا بالضبط ما سيحدث على الصليب والقيامة: الله يفعل ما "غير مستطاع عند الناس" — يقيم الأموات، يبرر الخطاة، يفتح قلوبًا مغلقة كالحجر.
الرسول بولس يلتقط هذا المبدأ نفسه حين يتكلم عن قدرة الله التي "تُخضع لنفسه كل شيء" (فيلبي ٣:٢١)، وكاتب العبرانيين يربطه بإيمان إبراهيم الذي "حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات" (العبرانيين ١١:١٩) — وهذا نفسه ما فعله الله بيسوع في القيامة، الدليل الأعظم على أن كل شيء ممكن عند الله.
بل إن هذه العبارة بعينها تتردد صداها في بشارة الملاك لمريم: "ليس شيء غير ممكن لدى الله" (لوقا ١:٣٧)، حين أُعلن أن العذراء ستلد. تجسّد المسيح نفسه، وموته، وقيامته، كلها أمثلة حيّة على أن الله يفعل المستحيل ليخلّص من لا يقدر أن يخلّص نفسه.
التطبيق
أنت تحمل، ربما بلا أن تدرك، مشروعًا خفيًّا لخلاص نفسك: "إن كنت صالحًا بما يكفي، منتظمًا بما يكفي، متدينًا بما يكفي، سأكون بخير عند الله". هذه الآية تهدم هذا المشروع من أساسه بكلمةٍ واحدة: مستحيل. ليس صعبًا، بل مستحيل. لا فرق بين جهدك وجهد ذلك الشاب الغني الذي حفظ الوصايا منذ صباه ثم رحل حزينًا.
والثمن الذي تطلبه هذه الآية منك هو أن تتوقف عن محاولة إنقاذ نفسك. هذا مؤلم لأننا نحب أن نشعر أننا نساهم، أننا "نستحق" شيئًا. لكن يسوع ينظر إليك اليوم، كما نظر إلى تلاميذه، ويقول: توقّف عن الحساب، لأن الحساب لم يكن يومًا في صالحك أصلًا.
لكن هذه ليست دعوةً لليأس، بل لتحرّرٍ عميق. إن كان خلاصك متوقفًا على قدرتك، فأنت في ورطة أبدية. لكنه متوقفٌ على قدرة الله، وهذا خبرٌ يستحق أن يجثو له القلب فرحًا. فكّر في المنطقة التي تشعر فيها أنك "مستحيل" — إدمانٌ لا تقدر أن تكسره، علاقةٌ محطمة لا تقدر أن تصلحها، خطيةٌ عائدة تظن أن الله تعب من غفرانها لك. الآية موجّهة إليك بالذات: عند الناس مستحيل. عند الله؟ كل شيء.
فماذا تفعل الآن؟ توقف عن الاتكال على قوتك، وابدأ بالطلب. الصلاة الحقيقية تبدأ حين تعترف أنك عاجز. الشاب الغني مضى حزينًا لأنه اعتمد على ما يملك. أنت، اليوم، مدعوٌّ لأن تأتي فارغ اليدين، وتترك المستحيل لمن وحده يقدر عليه.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أمامك أنني عجزتُ عن خلاص نفسي مهما حاولت، وأتوقف الآن عن الاتكال على جهدي وحدي.
- افتح قلبي كما تفتح ما هو مغلق تمامًا، وأرني أين ما زلتُ أتشبث بمحبة المال أو الذات كما فعل الشاب الغني.
- أشكرك لأن ما هو مستحيل عندي ممكن عندك؛ أطلب أن تفعل المستحيل في المنطقة التي أشعر فيها أنني عالقٌ بلا رجاء.
- علّمني أن أثق بقدرتك حين تبدو ظروفي مغلقة تمامًا، كما وثق إبراهيم وأيوب بك.
- امنحني إيمانًا حقيقيًّا لا يتّكل على ذاتي، بل يستريح كليًّا في كفايتك أنت وحدك.
تأمّلات
- ما هو "المستحيل" الذي تحاول أن تحلّه بجهدك الخاص بدلًا من أن تسلّمه لله؟
- هل هناك شيءٌ في حياتك — كالمال، أو مكانتك، أو استقلالك — تخاف أن يطلب منك المسيح أن تتركه، كما طلب من الشاب الغني؟
- حين تفشل في أن "تكون جيدًا بما يكفي"، هل يقودك ذلك إلى اليأس أم إلى النعمة؟
- هل تصلي كإنسانٍ يعتقد فعلًا أن كل شيء ممكن عند الله، أم أن صلواتك محدودة بما تظنه أنت ممكنًا؟
- من هو الشخص أو الوضع الذي يئستَ من خلاصه أو إصلاحه، وهل تجرؤ أن تسلّمه اليوم لقدرة الله المطلقة؟