متى ٢٨:١٨
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً:«دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ،
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: يسوع "تقدّم" - كأنه يقترب من تلاميذه المرتبكين، الخائفين، الذين "شكّوا" قبل آياتٍ قليلة (متى ٢٨:١٧). لم يبقَ بعيدًا، بل جاء إليهم هو، ليتكلّم. وأول ما يقوله ليس تشجيعًا عاطفيًّا، بل إعلان سلطة: "دُفِعَ إليّ كلُّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض".
لاحظ الكلمة "كلّ" - لا جزءٌ من السلطان، بل كله. ولاحظ المجال: "في السماء وعلى الأرض" - أي كل ما هو موجود، المنظور وغير المنظور، الملائكة والبشر، الحكومات والطبيعة. هذا ليس كلام متواضعٍ يحاول أن يشجّع أصدقاءه، بل إعلان ملكيّ.
والفعل "دُفِعَ" مبنيٌّ للمجهول - أي أن أحدًا أعطاه هذا السلطان. من هو؟ السياق الأوسع للإنجيل كله يجيب: الآب. يسوع لا يدّعي سلطانًا اغتصبه، بل سلطانًا مُنِحَ له Tyndale. وهنا نقطة دقيقة يهتمّ بها اللاهوتيون: هذا السلطان المُعطى هو سلطان يسوع بصفته المسيح المتجسّد، الوسيط بين الله والبشر، لا بصفته اللاهوت المجرّد الذي له السلطان الأزلي غير المشتق من أحد John Gill. الابن كإله له السلطان منذ الأزل مع الآب؛ لكن هنا، كإنسانٍ قام من الأموات، يُعطى له هذا السلطان كمكافأةٍ وتتويجٍ بعد الصليب والقيامة.
هذه الآية تقع في اللحظة الأخيرة من إنجيل متى - على جبلٍ في الجليل، بعد القيامة مباشرة، قبل أن يرسل يسوع تلاميذه ليصنعوا تلاميذ من جميع الأمم. فهي ليست كلامًا عابرًا، بل الأساس الذي تُبنى عليه "المُرسَلية العظمى" كلها. بدون هذه الآية ١٨، ما جاء بعدها في الآيات ١٩-٢٠ يفقد سنده: لماذا تذهب إلى كل الأمم؟ لأن مَن يرسلك له السلطان على كل الأمم فعلًا.
السياق التاريخي
كتب متّى إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ للميلاد، لجمهورٍ من اليهود الذين آمنوا بيسوع، يعيشون في فلسطين أو سوريا، ويصارعون سؤالًا محرقًا: كيف نبقى أوفياء لموعود إبراهيم وموسى وداود، ونحن نؤمن بأن المسيح الذي انتظرناه قد صُلب ثم قام؟
تخيّل المشهد: جماعة صغيرة من اليهود، ربما لا يتجاوز عددها المئات أو الآلاف، تعيش تحت ظل الإمبراطورية الرومانية التي تحكم بالسيف والضريبة والجيش. روما تدّعي أن قيصرها هو "ابن الإله" وله السلطان على كل الأرض المعروفة. وهذه الجماعة الصغيرة المطاردة تقول: لا، السلطان الحقيقي على السماء والأرض ليس لقيصر، بل ليسوع الناصري المصلوب الذي قام من الأموات.
هذا ليس كلامًا هامشيًّا؛ إنه تحدٍّ سياسيٌّ ولاهوتيٌّ مباشر. اليهود كانوا ينتظرون مسيحًا يطرد الرومان ويؤسس مملكة إسرائيل المنظورة. لكن يسوع، بعد قيامته، لا يجمع جيشًا، بل يجمع أحد عشر رجلاً خائفين على جبلٍ في الجليل - أرضٌ ريفية، بعيدة عن أورشليم ومركز السلطة الدينية، حيث كان يسوع قد بدأ خدمته بين الصيادين والفلاحين.
الجليل نفسه كان يُلقَّب بـ"جليل الأمم" (متى ٤:١٥) - منطقة مختلطة الأعراق، غير نقيّة دينيًّا في نظر يهود أورشليم المتشددين. واختيار يسوع لهذا المكان بالذات ليعلن سلطانه الكونيّ ويرسل تلاميذه إلى "جميع الأمم" ليس صدفة: إنه يعلن منذ البداية أن مملكته تتجاوز حدود إسرائيل العرقية.
الكنيسة التي كانت تقرأ إنجيل متّى كانت تواجه اضطهادًا، وشكًّا، وانقسامًا بين اليهود والأمم داخل الجماعة نفسها. أن تسمع هذه الكلمات - "دُفِعَ إليّ كلّ سلطان" - كانت تعني: مهما بدا العالم أن روما تحكمه، ومهما بدا أن الاضطهاد سيسحقكم، فالسلطان الحقيقي بيد المسيح القائم من الموت، لا بيد قيصر.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية هنا هي ἐξουσία (exousía)، G1849، والمترجمة "سلطان". هذه الكلمة لا تعني القوة الغاشمة أو العنف المجرّد (لذلك كلمة أخرى)، بل تعني الحقّ الشرعي، الصلاحية المُخوَّلة، السلطة المعترف بها. حين يقول يسوع إن كلّ ἐξουσία دُفِعَ إليه، فهو لا يقول "أنا الأقوى فأفرض نفسي"، بل "لي الحقّ الشرعيّ أن أحكم، وهذا الحقّ ثابتٌ ومعترفٌ به".
والفعل δίδωμι (dídōmi)، G1325، بمعنى "يُعطي"، جاء هنا في صيغة المبني للمجهول الماضي - "دُفِعَ" - وهذا يشير ضمنًا إلى مانحٍ لم يُذكر اسمه صراحةً في هذه الآية بعينها، لكنه معروفٌ من سياق الإنجيل كله: الآب. هذا ما يسمّيه بعض الدارسين "المبني للمجهول الإلهي" - أسلوبٌ يهوديٌّ في الاحترام، يتجنّب ذكر اسم الله مباشرة لكنه يفترضه بوضوح.
وكلمة πᾶς (pâs)، G3956، "كلّ"، تتكرّر مرتين في الآية بترجماتها المختلفة - "كل سلطان"، وضمنًا في "السماء والأرض" التي تعني الكون كله دون استثناء. هذا التكرار المتعمَّد لكلمة "كل" في نص متّى - وهو يتكرّر أيضًا في الآيتين التاليتين ("كل الأمم"، "كل ما أوصيتكم"، "كل الأيام") - يبني نغمة الشمول الكامل التي تختم بها البشارة كلها.
أما οὐρανός (ouranós)، G3772، وγῆ (gē)، G1093، فهما "السماء" و"الأرض" - وهذا التعبير المزدوج في العبرية والفكر اليهوديّ هو طريقة قول "الكون كله بلا استثناء"، تمامًا كما في "خلق الله السماوات والأرض" في سفر التكوين. فيسوع هنا يستعمل لغة الخليقة نفسها ليعلن أن له السلطان على كل ما خلقه الله.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية هي إحدى أوضح اللحظات في الأناجيل التي يُعلن فيها يسوع نفسه، بلسانه، طبيعة ما تمّ له بالقيامة. فالصليب لم يكن نهاية، بل بوابة إلى التتويج. بولس يقول الشيء نفسه بلغة أخرى في فيلبي ٢:٩-١١: "لذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم". وكاتب العبرانيين يربط هذا بمزمور ٨ - أن الإنسان (والمسيح كإنسانٍ كامل) قد أُخضع له كل شيء تحت قدميه، مع أننا "لسنا نرى الكل بعد مخضعًا له" (العبرانيين ٢:٨) - أي أن السلطان مُعطى بالفعل، لكن ظهوره الكامل ينتظر يوم مجيئه الثاني.
هذا يتوّج خطًّا كاملًا في إنجيل متّى نفسه: يسوع الذي كان له سلطان على الأمراض (متى ٩:٦)، وعلى الرياح والبحر، وعلى الشياطين، وعلى غفران الخطايا - كلّ هذا كان إشارات مسبقة لسلطانٍ أعظم كان سيُعلَن كاملًا بعد القيامة. والقادة الدينيون سألوه ذات مرة "بأي سلطانٍ تفعل هذا؟" (متى ٢١:٢٣) - وها هو الآن يجيب بصوتٍ لا يقبل جدالًا.
كما أن هذا يمّس نبوءة دانيال ٧:١٣-١٤ عن "ابن الإنسان" الذي "أُعطي سلطانًا ومجدًا وملكوتًا لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة"، وسلطانه سلطانٌ أبديٌّ لا يزول. يسوع، الذي كان يحبّ أن يسمّي نفسه "ابن الإنسان"، يقف الآن ليعلن أن تلك النبوءة قد تحقّقت فيه فعلًا.
والأهم: هذا السلطان هو الأساس الذي عليه تُبنى المُرسَلية كلها (متى ٢٨:١٩-٢٠). الكنيسة لا تذهب إلى الأمم بسلطانها الخاص أو بقوة إقناعها، بل بسلطان المسيح القائم الذي يرسلها. كل مأمورية، كل صلاة "باسم يسوع"، كل معمودية، كل تلمذة - كلها تستند إلى هذا الإعلان.
التطبيق
تخيّل للحظة: أنت خائف، مرتبك، ربما لا تزال تشكّ - كما شكّ بعض التلاميذ أنفسهم واقفين أمام يسوع القائم (متى ٢٨:١٧) - ثم يتقدّم إليك يسوع ويقول: "لي كل السلطان". هل هذا يريحك أم يزعجك؟
الحقيقة أنه يجب أن يفعل الاثنين معًا. يريحك لأنك، إن كنتَ من أتباعه، لست تحت رحمة الظروف العشوائية، ولا تحت سيطرة من يبدون أقوى منك - رئيسك في العمل، النظام السياسي، المرض، حتى الموت نفسه. كل هذه الأمور تعمل تحت سلطانٍ أعلى منها، وهذا السلطان بيد من يحبّك ومات لأجلك.
لكنه يزعجك أيضًا - إن كنتَ صادقًا - لأن الإعلان "لي كل السلطان" يعني ضمنًا "وليس لك". أين في حياتك تتصرّف كأن السلطان لك؟ في قراراتك الصغيرة عن المال، في غضبك الذي تبرّره، في المجالات التي قلت لنفسك "هذا شأني الخاص، لا دخل للإيمان به"؟ هذه الآية لا تترك زاويةً واحدة من حياتك خارج سلطان المسيح - لا "السماء" وحدها (الروحيات، الكنيسة، يوم الأحد)، بل و"الأرض" أيضًا (عملك، جسدك، وقتك، علاقاتك).
الثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس التصديق الفكري بأن يسوع "قوي" - هذا سهل. الثمن هو أن تُخلي عرشك الصغير، عرش "أنا الذي أقرر"، وتجلس تحت من له السلطان فعلًا. هذا يعني أحيانًا أن تطيع حين لا تفهم، وأن تثق حين تخاف، وأن تذهب إلى حيث يرسلك - إلى "كل الأمم" في حياتك، أي إلى الأشخاص الصعبين، الأماكن غير المريحة، حيث يريدك أن تكون شاهدًا لا مجرد متفرّج.
نقاط للصلاة
- يا رب يسوع، أعترف أنك صاحب كل السلطان في السماء وعلى الأرض - فسامحني على المرات التي أعيش فيها كأن السلطان لي.
- أطلب منك أن تكشف لي الزوايا الخفية في حياتي التي لم أخضعها بعد لسلطانك - في مالي، وقراراتي، وعلاقاتي.
- أشكرك لأن هذا السلطان بيد من أحبّني ومات لأجلي، لا بيد ظروفٍ عمياء أو قوةٍ لا تباليني.
- امنحني الشجاعة أن أذهب إلى حيث ترسلني، واثقًا أن الذي يرسلني له السلطان الذي يسندني.
- في أوقات خوفي وشكّي، ذكّرني أن الملك القائم من الموت يتقدّم إليّ الآن، كما تقدّم إلى تلاميذه، ليتكلّم كلام السلطة والرجاء.
تأمّلات
- ما هي المنطقة الوحيدة في حياتك التي، لو صدقتَ نفسك، لا تزال تديرها أنت لا المسيح؟
- حين تسمع "دُفِعَ إليّ كلّ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض" - هل يشعرك هذا بالراحة أم بالتحدي؟ ولماذا؟
- من هم "الأمم" في حياتك اليوم - الأشخاص أو الأماكن التي يرسلك إليها هذا السلطان لتشهد هناك؟
- التلاميذ سجدوا له "ولكن بعضهم شكّوا" (متى ٢٨:١٧) قبل هذا الإعلان مباشرة - هل شكّك الحالي يمنعك من الطاعة، أم يمكن أن تطيع رغم الشك؟
- لو آمنتَ حقًّا أن كل سلطة على الأرض - سياسية، اجتماعية، حتى الموت - خاضعة له، كيف كان سيتغيّر خوفك هذا الأسبوع؟