متى ١٣:٣٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ:«سَأَفْتَحُ بِأَمْثَال فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية تعليقٌ من متّى نفسه، لا كلامٌ من يسوع. بعد أن يروي متّى سلسلةً من الأمثال - الزارع، الحنطة والزوان، حبة الخردل، الخميرة - يتوقف ليقول لك: كل هذا لم يكن أسلوبًا تعليميًّا عابرًا، بل تحقيقًا لكلامٍ قيل قديمًا على لسان نبي. والنبي هنا هو داود في المزمور ٧٨:٢، حيث يقول: "أفتح بمثلٍ فمي، أُذيع ألغازًا منذ القِدَم".
الظاهر البسيط: يسوع يعلّم بالأمثال، ومتّى يرى في هذا الأسلوب نفسه علامةً نبوية. لكن الذي يسهل تفويته هو السطر الثاني: "أنطق بمكتوماتٍ منذ تأسيس العالم". هذا ليس مجرد أسلوب أدبي - إنه إعلانٌ عن أسرارٍ كانت مخفيّة عند الله منذ الأزل، والآن تُكشف في شخص يسوع وكلامه. الأمثال إذًا ليست تبسيطًا للحق، بل هي الوعاء الذي يحمل سرًّا كان مغلقًا طويلًا.
ثمة سؤالٌ يطرحه القرّاء المدقّقون: المزمور ٧٨ منسوبٌ لآساف لا لداود، فلماذا يقول متّى "النبي" بصيغة العموم؟ هذا لا يُشكل خللًا؛ فمتّى، مثل كتّاب العهد الجديد الآخرين، كان يُطلق لقب "نبي" أحيانًا على كل مَن كتب بوحيٍ إلهي، حتى لو كان كاتب مزمور. الاختلاف بين التقاليد المسيحية هنا ليس جوهريًّا: الجميع يتفقون أن متّى يرى في تعليم يسوع بالأمثال تحقيقًا لنمطٍ نبويٍّ أعمق - إعلان أسرار الله عبر كلامٍ ظاهره بسيط وباطنه عميق.
موضع هذه الآية في قصة متّى الأكبر: هي مفصلٌ بين مجموعة الأمثال وبين تفسيرها للتلاميذ وحدهم، تُذكّرك أن يسوع لم يكن يخفي الحق تعسفًا، بل كان يكشفه بطريقةٍ تفرز القلوب - من يريد أن يفهم يقترب ويسأل، ومن لا يريد يبقى في الخارج.
السياق التاريخي
كتب متّى إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ ميلادية، لجماعةٍ يهودية-مسيحية كانت تعيش في منطقةٍ يهودية أو قريبة منها، ربما أنطاكية سوريا. هؤلاء القرّاء عرفوا العهد القديم عن ظهر قلب؛ كانوا يسمعون المزامير تُتلى في المجمع كل سبت، وكانوا يحفظون أن الرب وعد بإرسال نبيٍّ يكشف أسرار الله لشعبه.
الظرف الذي يعيشه متّى وقرّاؤه ظرفٌ متوتر: الهيكل إما سقط سنة ٧٠م أو على وشك السقوط، واليهودية تعيش أزمة هوية عميقة بعد الثورة ضد روما. في هذا الجو، كان اليهود المؤمنون بيسوع بحاجةٍ ماسّة إلى إثبات أن يسوع ليس انشقاقًا عن تاريخ إسرائيل، بل تتويجًا له. لهذا يكرر متّى، أكثر من أي إنجيلي آخر، عبارة "لكي يتم ما قيل" - فهو يكتب لجمهورٍ يريد أن يرى الخيط الواحد يمتد من موسى وداود والأنبياء إلى الناصري الذي علّمهم على شاطئ بحيرة الجليل.
المزمور ٧٨ نفسه، الذي يقتبس منه متّى، كُتب في زمنٍ أقدم بكثير - ربما في العهد الملكي المبكر، قرنًا عاشرًا أو تاسعًا قبل الميلاد - كتسجيلٍ شعريٍّ لتاريخ إسرائيل مع الله، من الخروج حتى اختيار داود. الغاية منه لم تكن مجرد سرد وقائع، بل كشف معنًى خفيٍّ تحت التاريخ: أن الله كان يعمل بأمانةٍ رغم خيانة شعبه المتكررة.
أما مشهد متّى ١٣ نفسه، فهو يوم من أيام يسوع الحافلة على شاطئ بحيرة طبرية، وسط جموعٍ من فلاحين وصيادين، حيث كان الناس يتوقعون مسيحًا يأتي بجيشٍ يطرد روما، لا معلمًا يتكلم عن حبات خردل وخميرة وشباك صيد. الأمثال كانت صادمة لهذا التوقع بقدر ما كانت مألوفة في صورها اليومية.
اللغة الأصلية
الفعل المحوري هنا هو πληρόω (بليروو)، G4137، الذي يعني "يملأ" أو "يُتمّم" - وهو نفسه الفعل الذي يستخدمه متّى مرارًا في إنجيله ليربط حدثًا في حياة يسوع بنبوءةٍ سابقة. الفكرة ليست فقط "تحقق التنبؤ كما توقع أحدهم"، بل "امتلأ الكلام القديم إلى غايته الكاملة" - كأن المزمور كان إناءً نصف ممتلئ، ويسوع يملأه حتى الحافة Strong's.
ثم هناك كلمة παραβολή (بارابولي)، G3850، أصل كلمة "مثل" العربية المستعارة من نفس الجذر الفكري: تعني حرفيًّا "وضع شيءٍ بجانب شيء" للمقارنة - قصة أرضية بمعنى سماوي. هذه الكلمة تفسر لماذا اختار يسوع هذا الأسلوب بالذات: ليس تبسيطًا، بل مقاربة يُقاس فيها المألوف بغير المألوف Strong's.
الكلمة الأقوى في الآية هي فعل ἐρεύγομαι (إريوغوماي)، G2044، الذي تُرجم هنا "أنطق" لكن معناه الحرفي أغرب وأقوى بكثير: "أتجشّأ" أو "أفيض من الداخل بقوة". هذا ليس كلامًا مصطنعًا مُعدًّا سلفًا، بل شيء يفيض من أعماق المتكلم كأنه لا يستطيع كتمانه. الله لا "يُعلن" أسراره ببرود، بل يفيض بها Strong's.
وأخيرًا κρύπτω (كريبتو)، G2928، "أخفي" أو "أستر بتغطية" - الجذر الذي منه "المكتومات". هذه الأسرار لم تكن غائبة عن الوجود، بل كانت موجودة لكن مغطاة، كأن الله وضع عليها غطاءً منذ "تأسيس العالم"، وينتظر اللحظة المناسبة ليرفعه. في يسوع، هذا الغطاء يُرفع Strong's.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية بأكملها عن المسيح، فهو موضوعها المباشر: يسوع هو الذي يفتح فمه بالأمثال، وهو الذي ينطق بالمكتومات. لكن الأعمق من ذلك هو ما تكشفه عن هويته: النص يأخذ كلمات المزمور ٧٨:٢ - التي كتبها آساف عن نفسه كمرنم يشرح تاريخ إسرائيل - ويطبّقها على يسوع بلا تردد. هذا يعني أن متّى يرى في يسوع الصوت الحقيقي الذي كان وراء كل كلام الأنبياء، لا مجرد شخصٍ يتمم نبوءةً عن غيره.
الرابط الأعمق يكمن في عبارة "منذ تأسيس العالم". هذا التعبير يظهر مرارًا في العهد الجديد مرتبطًا بمخطط الله الأزلي: الملكوت المُعدّ للمباركين "منذ تأسيس العالم" (متى ٢٥:٣٤)، محبة الآب للابن "قبل إنشاء العالم" (يوحنا ١٧:٢٤)، والسر المكتوم "منذ الدهور في الله" الذي أُعلن الآن بيسوع المسيح (أفسس ٣:٩). هذه الآيات كلها تقول شيئًا واحدًا: ما تراه في يسوع ليس ارتجالًا إلهيًّا ولا خطةً بديلة، بل هو الخطة نفسها التي كانت مطويةً في قلب الله منذ الأزل، والآن تُفتح كصفحة كتاب.
بولس يقول الشيء نفسه بلغة أخرى في كورنثوس الأولى ٢:٧: "حكمة الله في سرّ... سبق الله فعيّنها قبل الدهور لمجدنا". يسوع، في أمثاله، لم يكن يخترع تعليمًا جديدًا بقدر ما كان يفتح خزانةً كانت مغلقةً منذ خلق العالم، ومفتاحها في يده وحده.
هذا يجعل من متّى ١٣:٣٥ لحظة كشفٍ لاهوتي كبير: يسوع ليس فقط معلّمًا حكيمًا يستخدم القصص، بل هو الكلمة الأزلي الذي كان يعرف هذه الأسرار منذ الأبد، لأنه كان حاضرًا عندها، بل هو مصدرها.
التطبيق
فكّر معي: لماذا لم يقل يسوع الحق مباشرةً، بلا أمثال، بلا صور؟ لأن الحق الذي يحمله ليس معلومةً تُلقى على الأذن، بل سرًّا يطلب قلبًا يريد أن يبحث. الأمثال تفرز الناس: من يسمعها ويمشي، ومن يقف ويسأل "ماذا تعني؟" ثم يقترب من يسوع طالبًا التفسير. أيّهما أنت؟
هذه الآية تسألك سؤالًا مزعجًا: هل تقرأ كلمة الله كمن يبحث عن سرٍّ يستحق أن يُطلب بكل القلب، أم كمن يمر على النص مرور الكرام لأنه يعتقد أنه فهم كل شيء من قبل؟ الله "يفتح فمه" - أي أنه يبذل جهدًا ليكشف لك ما كان مخفيًّا منذ الأزل. السؤال هو: هل تبذل أنت جهدًا مماثلًا لتسمع؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس صغيرًا: أن تتوقف عن معاملة الكتاب المقدس كمرجع سريع تقتبس منه آيةً وتمضي، وتبدأ في معاملته كخزانة أسرارٍ إلهية تستحق أن تجلس أمامها طويلًا، تسأل، تُصلّي، تنتظر. التلاميذ في الأصحاح نفسه لم يفهموا كل الأمثال من أول سماع - جاءوا إلى يسوع لاحقًا وسألوه سرًّا (متى ١٣:٣٦). هذا هو النمط: القرب من يسوع، لا مجرد سماع كلامه، هو ما يفتح المكتومات.
وفكرة أن هذا السر كان "منذ تأسيس العالم" تعني أنك لست حادثًا عرضيًّا في خطة الله. أنت كنت في ذهنه قبل أن يُخلق نجمٌ واحد. هذا يجب أن يُدهشك، لا أن يمر عليك كخبرٍ عابر.
نقاط للصلاة
- يا رب، افتح فمي كما فتحت أنت، لأطلب فهمًا حقيقيًّا لكلامك لا مجرد معرفةٍ سطحية.
- أعترف أني أحيانًا أقرأ كتابك المقدس مرور الكرام؛ امنحني قلبًا يشتاق لأسرارك كخزانةٍ تستحق البحث.
- شكرًا لأنك كنت تخطط لخلاصي منذ تأسيس العالم، قبل أن أكون شيئًا مذكورًا.
- علّمني أن أقترب منك كالتلاميذ حين لم يفهموا، لا أن أبتعد حين تصعب الأمور.
- افتح عينَي قلبي لأرى المسيح في كل صفحة من كتابك، من المزامير إلى الأناجيل.
تأمّلات
- متى كانت آخر مرة توقفتَ فعلًا لتسأل "ماذا يعني هذا؟" بدل أن تفترض أنك تعرف الجواب مسبقًا؟
- هل أنت من الذين يسمعون المثل ويمشون، أم من الذين يقتربون ليسألوا يسوع عن معناه؟
- ماذا يتغيّر في نظرتك لنفسك إن صدّقت حقًّا أن الله كان يخطط لخلاصك منذ قبل خلق العالم؟
- أين في حياتك تتعامل مع كلمة الله كمعلومةٍ عابرة بدل أن تتعامل معها كسرٍّ يستحق وقتك وصلاتك؟
- ما الثمن الذي أنت مستعد لدفعه - من وقتٍ وجهدٍ وصلاة - لتفهم ما "كُتم" عنك حتى الآن؟