حزقيال ٢٥:٦
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ صَفَّقْتَ بِيَدَيْكَ وَخَبَطْتَ بِرِجْلَيْكَ وَفَرِحْتَ بِكُلِّ إِهَانَتِكَ لِلْمَوْتِ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية معي ببطء: الله نفسه، بصفته "السيد الرب"، يوجّه كلامه إلى بني عمّون. والتُّهمة واضحة جدًّا: صفّقوا بأيديهم، وخبطوا بأرجلهم، وفرحوا من قلوبهم، حين رأوا أرض إسرائيل تُداس وتُخرَّب. هذه ليست مجرد فرحة عابرة، بل احتفال جسدي كامل — يدان تصفّقان، وقدمان تخبطان الأرض، كما يفعل الإنسان في عيدٍ أو انتصار. تخيّل شخصًا يرقص فرحًا وجارُه يُدفن أهله تحت الأنقاض.
الأمر الذي يسهل تفويته هو أن عمّون لم تفعل شيئًا "عمليًّا" ضد إسرائيل هنا — لم تُقاتل، لم تنهب، لم تُشعل نارًا. خطيئتها كانت في القلب والجسد معًا: الفرح بسقوط الآخر. الله يحاسب على الشماتة كما يحاسب على السيف. هذا يكشف أن الخطيئة ليست فقط ما تفعله يداك بالأذى المباشر، بل ما يفرح به قلبك حين يتألم غيرك John Gill.
في سياق السِّفر الأكبر، هذا الأصحاح يبدأ سلسلة من "أقوال ضد الأمم" (عمّون، موآب، أدوم، فلسطين) — حزقيال، بعدما أنهى نبوءاته ضد أورشليم، يستدير الآن ليعلن أن دينونة الله لا تقف عند شعبه، بل تشمل كل من تعامل مع سقوط أورشليم بقسوةٍ وشماتة Matthew Henry. لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية في فهم هذه الآية؛ الجميع يتفقون أنها إدانة صريحة للشماتة بألم الآخرين، لكن البعض يشدد أكثر على البُعد السياسي (اغتنام عمّون فرصة ضعف إسرائيل)، والبعض على البُعد الروحي (كراهية قلبية لشعب الله).
السياق التاريخي
حزقيال كاهنٌ ونبيّ، سُبي إلى بابل عام ٥٩٧ ق.م. مع الدفعة الأولى من اليهود، وكتب نبوءاته هناك، بعيدًا عن الوطن، وسط جالية يهودية مهزومة تعيش على ضفاف نهر خابور. هذا الأصحاح يأتي بعد ٥٨٦ ق.م.، أي بعد أن سقطت أورشليم فعلًا، وأُحرق الهيكل، وسُبي من تبقّى من الشعب.
بنو عمّون كانوا جيران إسرائيل الشرقيين، عبر نهر الأردن، من نسل لوط (تكوين ١٩)، ولهم تاريخ طويل من الاحتكاك والحروب مع إسرائيل. حين اقترب جيش نبوخذنصر البابلي من المنطقة، كان أمام خيارين: مهاجمة أورشليم أو عمّون (كما يشير حزقيال ٢١:٢٠ إلى تردده)، فوقعت القرعة على أورشليم. عمّون، بدل أن تتضامن مع جارتها أو تخاف على نفسها، احتفلت بنجاتها وبسقوط إسرائيل معًا John Gill. هذا فرح مزدوج: فرح بالنجاة الشخصية، وفرح بذُل الآخر.
بالنسبة لشعب الله المسبيّ في بابل، الذي كان يسمع أخبار هذه الشماتة من عمّون وغيرها، كانت هذه الكلمة عزاءً حقيقيًّا. فالله لا ينسى ما فعله جيرانهم القساة. هو رأى كل حركة يد وكل خبطة قدم. الأمم كانت تظن أن سقوط أورشليم يعني سقوط إلهها، لكن حزقيال يعلن أن الرب "السيد الرب" ما زال يحكم، وسيحاسب حتى الأمم الوثنية التي لم تعرف شريعته يومًا، لأنها انتهكت قانونًا أعمق من الشريعة: قانون الرحمة الإنسانية تجاه المنكوب.
اللغة الأصلية
الكلمتان اللتان تحملان ثقل الآية هما מָחָא (mâchâʼ) H4222 و רָקַע (râqaʻ) H7554. الأولى تعني "ضرب اليدين ببعضهما فرحًا وابتهاجًا" — ليست مصافحة عابرة، بل حركة احتفالية صاخبة، كما يفعل جمهورٌ ينتصر Strong's. والثانية تعني "دقّ الأرض بالقدم"، وتُستخدم أيضًا لوصف طرق المعدن حتى يتمدد ويصبح صفيحة رقيقة — أي حركة قوية متكررة، ثابتة، لا عابرة Strong's. الله يصف هنا جسدًا كاملًا مشتركًا في الفرح: يدان تصفقان، وقدمان تدقّان.
ثم هناك שָׂמַח (sâmach) H8055، وتعني الإشراق والانبساط الداخلي، أن يضيء الوجه فرحًا من الداخل Strong's. هذا يربط الفرح الجسدي بحالة القلب — العبرية لا تفصل بين ما يظهر على الجسد وما يعتمل في النفس. وترافقها نֶפֶשׁ (nephesh) H5315، الكلمة التي تعني "النفس" أو "الكائن الحيّ" في كليّته، فالفرح لم يكن سطحيًّا بل نبع من كيان عمّون كله Strong's.
أما كلمة שְׁאָט (shᵉʼâṭ) H7589، "احتقار" أو "إهانة"، فأصلها يحمل معنى "الدفع جانبًا" — أي أن عمّون لم تكتفِ بالفرح، بل دفعت إسرائيل جانبًا باستخفافٍ، كأنها لم تعد تستحق حتى النظر إليها Strong's.
ولاحظ أيضًا الافتتاحية: "هكذا قال السيد الرب" — אֲדֹנָי (ʼĂdônây) H136 مع יְהֹוִה (Yᵉhôvih) H3069، صيغة مزدوجة تشدد على السلطان المطلق. هذا ليس رأيًا نبويًّا، بل حكمٌ صادر من عرش الحكم الأعلى.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية، في ظاهرها، بعيدة عن المسيح مباشرة — إنها كلمة دينونة على أمة وثنية. لكن فيها صدى عميق يستحق أن تسمعه. الله هنا يقف إلى جانب شعبه المتألم، المهزوم، المسبيّ، ويقول: "من يمسّكم يمسّ حدقة عيني" (كما جاء في زكريا ٢:٨). هذا هو نفس القلب الإلهي الذي سيتجسد لاحقًا في يسوع الذي يقول: "بمقدار ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصغرين فبي فعلتم" (متى ٢٥:٤٠). الله يتماهى مع المتألم، لا مع المنتصر الشامت.
والأعمق من ذلك: المسيح نفسه كان الرجل الذي احتقره الناس وأهانوه ورفضوه (إشعياء ٥٣:٣)، وحين عُلّق على الصليب، "كان المارّون يجدّفون عليه نائحين برؤوسهم" (متى ٢٧:٣٩)، وهي نفس صورة الشماتة التي تدين بها هذه الآية عمّون. المسيح تحمّل بالضبط هذا النوع من الاستخفاف والإهانة الذي أدانه الله في حزقيال ٢٥. فهو لم يكن فقط يحمل خطايانا، بل حمل أيضًا احتقار البشر له، ليعرف تمامًا ماذا يعني أن يُشمَّت بك وأنت في أشدّ ضعفك.
وفي القيامة، ننقلب الصورة: من كان مرفوضًا ومحتقرًا صار "رأس الزاوية" (مزمور ١١٨:٢٢، مقتبسة في أعمال ٤:١١). فكل من فرح بسقوط "حجر" المسيح، سيرى يومًا أنه أُقيم ملِكًا. هذا يمنحنا رجاءً: الشماتة الحالية بشعب الله، أو حتى بالكنيسة المتألمة اليوم، ليست الكلمة الأخيرة. الله يرى، ويحاسب، ويقيم.
التطبيق
لنكن صادقين معًا لحظة: متى آخر مرة فرحت — ولو سرًّا، ولو بابتسامة صغيرة داخلك — حين سقط شخص لا تحبه؟ حين فشل من كان ينافسك؟ حين انهارت خطة من أزعجك؟ لسنا بحاجة لنصفّق بأيدينا فعليًّا كي نرتكب خطيئة عمّون؛ يكفي أن يشرق قلبنا فرحًا خفيًّا بسقوط الآخر.
هذه الآية لا تدين فقط الشعوب الوثنية القديمة، بل تكشف مرضًا يسكن قلب كل واحدٍ منّا: التلذذ بألم الغريب. وسائل التواصل اليوم صارت ساحة تصفيقٍ جماعي على سقوط الآخرين — نشاركهم أخبار فضائحهم، نعلّق بسخرية، نشعر براحة داخلية حين "يُهزم" من كان ينجح أكثر منا. الله يقول لك اليوم: أنا أرى ذلك التصفيق الداخلي، ولن أتجاهله.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ليس بسيطًا: أن تختار الحزن مع الحزين حتى لو كان خصمك، وأن تُميت في نفسك ذلك الشعور اللذيذ بالتشفّي حين يتعثر من آذاك. هذا يكلّفك كبرياءك، لأن التشفي يشعرك بأنك أفضل، بأنك انتصرت أخيرًا. لكن يسوع، وهو المُهان أعظم إهانة، لم يتشفَّ بأحد، بل صلّى: "يا أبتاه اغفر لهم" (لوقا ٢٣:٣٤).
اسأل نفسك اليوم بصدق: هل هناك شخص أفرحني سقوطه هذا الأسبوع؟ إن كان الجواب نعم، فهذه الآية ليست عن عمّون فقط، بل عنك أنت. توبتك تبدأ من الاعتراف بهذا الفرح المريض، ومن طلب قلبٍ يحزن مع من يحزن، لا يصفّق حين يسقط.
نقاط للصلاة
- يا رب، اغفر لي كل مرة فرح قلبي بسقوط إنسانٍ لا أحبه، حتى لو لم أظهر ذلك بيديّ أو قدميّ.
- امنحني قلبًا يحزن مع الحزانى، لا يشمت بالساقطين، بل يتذكّر أنني أنا أيضًا محتاج إلى نعمتك كل يوم.
- علّمني أن أرى المتألمين كما تراهم أنت — لا فرصةً للتشفي، بل جرحًا يستحق الرحمة.
- أشكرك لأنك تراقب كل تصفيقةٍ خفية في قلبي، وأطلب أن تكشف لي الشماتة التي أخفيها حتى عن نفسي.
- ثبّتني في الرجاء بأنك، يا من رأيت إهانة شعبك في حزقيال، ترى أيضًا كل إهانةٍ تصيبني اليوم، ولن تتجاهلها.
تأمّلات
- هل هناك شخص محدد فرحتَ بسقوطه أو فشله في الأسابيع الأخيرة؟ لماذا برأيك؟
- ما الفرق بين أن تشعر بالعدالة تحققت، وبين أن تفرح بألم إنسان آخر؟ أين تقف أنت عادة؟
- كيف تتعامل مع مشاعرك حين ترى على وسائل التواصل شخصًا "يسقط" أو يُفضح؟
- لو كان الله يرى قلبك كما رأى قلب عمّون، ماذا سيقول لك اليوم عن أفراحك الخفية؟
- هل تستطيع أن تتذكر موقفًا حزنتَ فيه مع شخصٍ كان "خصمًا" لك؟ ماذا كلّفك ذلك؟