إرميا ٥٠:٢٠
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَفِي ذلِكَ الزَّمَانِ، يَقُولُ الرَّبُّ، يُطْلَبُ إِثْمُ إِسْرَائِيلَ فَلاَ يَكُونُ، وَخَطِيَّةُ يَهُوذَا فَلاَ تُوجَدُ، لأَنِّي أَغْفِرُ لِمَنْ أُبْقِيهِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "يُطلَب إثمُ إسرائيل فلا يكون، وخطيةُ يهوذا فلا تُوجد". هذا ليس مجرد "سأغفر لكم"، بل صورة أقوى بكثير: يومٌ يأتي فيه أحدٌ يبحث، يفتّش بدقة عن خطايا شعب الله، فلا يجد شيئًا. كأن دفتر الحسابات فُتح، وصفحاته بيضاء تمامًا. لاحظ أن هذا الوعد يأتي في وسط أصحاحٍ كامل عن سقوط بابل، تلك القوة العظمى التي سحقت أورشليم وسبت شعبها. الله هنا لا يتحدث عن عقاب بابل فقط، بل يقفز فجأة إلى المستقبل ليقول: بعد كل هذا الدمار، سيأتي يومٌ يُغفر فيه كل شيء غفرانًا تامًا لا يُبقي أثرًا John Gill.
والملاحظة التي يسهل تفويتها هي كلمة "إسرائيل" مع "يهوذا" معًا. في زمن إرميا، مملكة إسرائيل الشمالية كانت قد سقطت وتشتّت شعبها منذ أكثر من مئة عام، ولم يعد لها وجود سياسي. فحين يقول الرب إنه سيغفر "إثم إسرائيل" أيضًا، فهو يتحدث عن جمعٍ مستقبليٍّ للشعبين معًا، لا مجرد عودة يهوذا من بابل Jamieson-Fausset-Brown. هذا يجعل الوعد أوسع من مجرد إنهاء السبي؛ إنه وعدٌ بشيءٍ لم يتحقق بعد كاملًا حتى في عودة اليهود من بابل التاريخية.
ثم تأتي الجملة الأخيرة، وهي مفتاح الآية كلها: "لأني أغفر لمن أُبقيه". الغفران هنا ليس عرَضًا، بل مرتبط بـ"البقية" التي يحفظها الله لنفسه. ليس كل أحد سيُغفر له تلقائيًا، بل هؤلاء الذين أبقاهم الرب، اختارهم وحفظهم. هذا يربط الآية مباشرة بفكرة "البقية" المتكررة في العهد القديم كله، تلك المجموعة الصغيرة التي ينجّيها الله وسط الدينونة العامة. المسيحيون يختلفون هنا قليلًا: البعض يرى تحقق هذا الوعد في عودة اليهود من بابل وتجدد العبادة في الهيكل الثاني، بينما يرى آخرون أنه يشير إلى تحقيقٍ أعمق وأبعد، لا يكتمل إلا في المسيح والعهد الجديد الذي يمحو الخطايا محوًا كاملًا لا رمزيًا.
السياق التاريخي
إرميا كتب هذا الكلام في أواخر القرن السابع وبداية القرن السادس قبل الميلاد، تقريبًا بين ٦٢٧ و٥٨٦ ق.م. كان نبيًّا في أورشليم في أشد أيامها اضطرابًا: مملكة يهوذا الصغيرة محاصرة بين قوتين عظميين، مصر من الجنوب وبابل من الشرق. وقد شهد إرميا بأم عينيه ما لم يتمنَّ أحد رؤيته: جيش نبوخذنصر يحاصر أورشليم، ثم يهدم الهيكل الذي بناه سليمان، ثم يسوق شعب الله بالسلاسل إلى أرض بعيدة غريبة، بابل، حيث ستُبنى حدائقها المعلّقة الأسطورية وتُعبد فيها آلهة غريبة على أنقاض إيمانهم.
هذا الأصحاح بالذات، إرميا ٥٠، ليس عن سقوط أورشليم بل عن سقوط بابل نفسها لاحقًا، تلك القوة التي بدت وقتها لا تُقهر أبدًا. تخيّل الوضع: اليهود في السبي يرون بابل في أوج مجدها، أسوارها الشاهقة، معابدها الذهبية، جيوشها التي لا تُهزم. ومع ذلك يقول إرميا، بينما بابل ما تزال قوية، إنها ستسقط، وإن الله سيعيد شعبه ويغفر له غفرانًا كاملًا Matthew Henry. هذا الوعد كُتب لشعبٍ يائس، يشعر أن خطاياه هي التي جلبت عليه هذا الدمار كله (وهذا صحيح فعلًا؛ فالأصحاحات السابقة في إرميا مليئة بتوبيخ الشعب على عبادة الأوثان والظلم). فحين يسمعون أن يومًا سيأتي لا يُوجد فيه أثر لخطاياهم، هذا ليس كلامًا مريحًا عابرًا، بل رجاءٌ يعيد لهم الحياة وسط الرماد.
الجدير بالذكر أن هذا الوعد نُطق قبل أن تسقط بابل فعليًا بعقود، وقبل أن يعود أي يهودي من السبي. إرميا يتنبأ بشيئين معًا: دمار الظالم، وشفاء المظلوم. وتاريخيًا، بابل سقطت فعلًا سنة ٥٣٩ ق.م. أمام كورش الفارسي، وسُمح لليهود بالعودة، تمامًا كما وعد إرميا في مواضع أخرى (إرميا ٢٩:١٠). لكن السؤال الذي يظل معلّقًا هو: هل تحقق "فلا يكون... فلا تُوجد" هذا التحقق الكامل التام في تلك العودة، أم أن هناك غفرانًا أعمق ما يزال ينتظر؟
اللغة الأصلية
انظر إلى فعل "يُطلَب"، בָּקַשׁ (bâqash), H1245. معناه الأصلي هو البحث الدقيق، التفتيش، السعي الجادّ وراء شيء، كما يبحث شخصٌ عن كنزٍ ضائع أو عن دليل في محكمة. هذا الفعل يعطي الآية قوتها الدرامية: الله لا يقول فقط "لن أعاقبكم"، بل يصوّر مشهد محكمة يُفتّش فيها بدقة متناهية عن أي أثر للذنب، فلا يُعثر عليه.
ثم كلمة "إثم"، עָוֺן (ʻâvôn), H5771، تعني الانحراف الأخلاقي، الفساد الداخلي، ليس مجرد خطأ عابر بل اعوجاجًا في الطبيعة ذاتها. وكلمة "خطية"، חַטָּאָה (chaṭṭâʼâh), H2403، تحمل في جذرها معنى "الإخفاق في إصابة الهدف"، وأحيانًا تشير إلى الخطية نفسها أو إلى عقوبتها أو حتى إلى ذبيحة الكفارة عنها. الجمع بين الكلمتين، الإثم والخطية، يغطي كل أبعاد الخطأ البشري: العمق الداخلي والفعل الظاهر.
لكن الكلمة الأهم في الآية كلها هي الفعل الأخير: "أغفر"، סָלַח (çâlach), H5545. هذا الفعل في العبرية يُستخدم في العهد القديم حصريًّا تقريبًا لله وحده؛ لم يكن يُستخدم لوصف إنسانٍ يسامح إنسانًا آخر. هذا الفعل غفرانٌ إلهيٌّ خالص، لا يملك أحد سلطته سوى الرب نفسه. ومن ثم فإن الآية تعلن سلطانًا لا يملكه سوى الله وحده.
وأخيرًا كلمة "أُبقيه"، שָׁאַר (shâʼar), H7604، ومعناها الأصلي "يفيض، يزيد، يبقى زائدًا عن الحاجة". منها تُشتق فكرة "البقية" الشهيرة في العهد القديم، تلك المجموعة التي يحفظها الله لنفسه وسط الدينونة العامة، كما في إشعياء ١:٩. الغفران هنا مرتبط عضويًّا بكون الشخص من "البقية" التي أبقاها الله، لا بجهدٍ بشريٍّ أو استحقاق ذاتي.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تفتح بابًا مباشرًا إلى إرميا ٣١:٣٤، حيث يُعلن الرب العهد الجديد بالعبارات نفسها تقريبًا: "لأني أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد". وهذا العهد الجديد، كما يخبرنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين، تحقق في دم المسيح (عبرانيين ٨:٨-١٢). فحين تقرأ "يُطلَب إثم إسرائيل فلا يكون"، أنت تقرأ وعدًا لا يجد تحقيقه الكامل في عودة بشرية من سبي جغرافي، بل في عملٍ يمحو الخطية محوًا حقيقيًّا لا رمزيًّا.
فكّر في الأمر هكذا: لو بحث الله عن خطاياك اليوم، فسيجدها، لأنها موجودة فعلًا، مكتوبة، حقيقية. فكيف يمكن أن يأتي يومٌ "يُطلَب" فيه الإثم "فلا يكون"؟ الجواب الوحيد المنطقي هو أن أحدًا حمل هذا الإثم بعيدًا، دفع ثمنه، ومحاه من السجل تمامًا. هذا بالضبط ما يقوله بولس في كورنثوس الثانية ٥:٢١: أن المسيح، الذي لم يعرف خطية، صار خطية لأجلنا، لكي نصير نحن برَّ الله فيه. الخطية لم تُتجاهل، بل نُقلت، ودُفع ثمنها بالكامل على الصليب.
وتأمل أيضًا كلمة "أُبقيه" في نهاية الآية. البقية التي يحفظها الله ليست مجرد بقية يهودية عرقية، بل تتّسع في العهد الجديد لتشمل كل من هو "في المسيح"، اليهودي والأممي معًا، كما يشرح بولس في رومية ١١. المسيح نفسه هو "البقية" الحقيقية بمعنى ما، الإسرائيلي الأمين الذي حفظ العهد كاملًا حين فشل كل الآخرين، وفيه يُحفظ كل من يتّحد به.
هذا لا يعني أن كل تفصيل في إرميا ٥٠ يشير مباشرة إلى المسيح؛ السياق الفوري هو سقوط بابل التاريخية وعودة يهودية حرفية. لكن الرجاء العميق الذي في قلب هذه الآية، أن يأتي يوم تُمحى فيه الخطية محوًا نهائيًّا، لا يجد راحته الكاملة إلا عند الصليب والقيامة، وينتظر تمامه الأخير في مجيء المسيح الثاني حين يُبيد الخطية من الوجود كله.
التطبيق
اسمح لي أن أسألك سؤالًا مباشرًا: هل تعيش وكأن الله ما زال يفتّش في ملفك القديم؟ كثيرون منا يحملون خطايا قديمة كأنها ما زالت مكتوبة بحبر لا يُمحى، يعودون إليها في الليل، يشعرون أن الله ينظر إليهم دائمًا من زاوية ذلك الفشل. لكن هذه الآية تقول شيئًا صادمًا: إذا كنت من "البقية" التي أبقاها الله، فحين يُفتَّش عن خطيتك، لن تُوجد. ليس لأنها لم تحدث، بل لأنها مُحيت تمامًا.
لكن انتبه، هذا الوعد له كلفة، وليس رخيصًا كما يبدو للوهلة الأولى. الغفران هنا لم يأتِ من فراغ؛ لقد كلّف شخصًا آخر كل شيء. فإذا كنت تقبل هذا الغفران، عليك أن تتوقف عن محاولة أن تدفع ثمن خطاياك بنفسك، بجلد الذات، أو بمحاولة إثبات جدارتك أمام الله. هذا في الحقيقة إهانة لثمن الصليب، كأنك تقول إن دم المسيح لم يكفِ. الثمن الذي تطلبه منك هذه الآية هو أن تُسلّم دفتر حساباتك بالكامل، أن تتوقف عن محاسبة نفسك بعد أن أعلن الله أنه لن يجد شيئًا فيه.
وهناك جانب آخر أصعب: إذا كنت أنت مغفورًا لك بهذا الشكل الكامل، فماذا عن الآخرين الذين أخطأوا إليك؟ هل ما زلت تفتّش في ملفاتهم، تحتفظ بقائمة أخطائهم، ترفض أن تدعها تُمحى؟ من غُفر له الكثير، عليه أن يغفر بسخاء. هذه ليست دعوة إلى تجاهل الحق أو الشعور بالإفلات من العدالة، بل دعوة إلى أن تعيش من موقع من عرف حقًّا كم كلّفه غفرانه، فصار قلبه رحيمًا مثل قلب من غفر له.
اليوم، توقف وتخيّل تلك اللحظة: الله يبحث في سجلك، بدقة، بجدية تامة... ولا يجد شيئًا. ليس لأنه أعمى عن الحق، بل لأن يسوع حمله بعيدًا. هل تصدّق هذا حقًّا، أم ما زلت تحمل ما وضعه هو على الصليب؟
نقاط للصلاة
- يا رب، أشكرك لأنك لا تكتفي بتغطية خطاياي بل تعد بأن تمحوها تمامًا حتى لا تُوجد.
- أطلب منك أن تكشف لي الخطايا التي ما زلت أحملها وحدي بدل أن أسلّمها لك.
- ساعدني أن أفهم أنني إن كنت "من البقية" التي أبقيتها لنفسك، فذلك بنعمتك وحدها لا باستحقاقي.
- علّمني أن أغفر للآخرين كما غفرت لي، دون أن أحتفظ بسجلٍّ لأخطائهم.
- أعطني يقينًا حقيقيًّا بأن عمل المسيح على الصليب كافٍ تمامًا، ولا حاجة لي لأثبت شيئًا بعد.
تأمّلات
- هل هناك خطية معينة ما زلت تحاسب نفسك عليها رغم أن الله يقول إنها لن تُوجد إن فُتّش عنها؟
- ما الفرق بين أن تشعر بالغفران وأن تصدّق بالإيمان أنك مغفور لك حقًّا؟
- من هو الشخص الذي ما زلت تحتفظ بملف خطاياه ضده، ولماذا يصعب عليك أن تمحوه؟
- إذا كان غفران الله كلّفه ثمنًا باهظًا (المسيح نفسه)، فما الذي يقوله هذا عن جدّية خطيتك في نظره؟
- هل تعيش من هوية "المغفور له تمامًا" أم من هوية "المذنب الذي يحاول أن يعوّض"؟