إرميا ٤٤:١٧
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
بَلْ سَنَعْمَلُ كُلَّ أَمْرٍ خَرَجَ مِنْ فَمِنَا، فَنُبَخِّرُ لِمَلِكَةِ السَّمَاوَاتِ، وَنَسْكُبُ لَهَا سَكَائِبَ. كَمَا فَعَلْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا وَمُلُوكُنَا وَرُؤَسَاؤُنَا فِي أَرْضِ يَهُوذَا وَفِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ، فَشَبِعْنَا خُبْزًا وَكُنَّا بِخَيْرٍ وَلَمْ نَرَ شَرًّا.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ هذه الآية ببطء، لأنها من أشدّ آيات الكتاب المقدس صراحةً في التمرّد. هؤلاء ليسوا وثنيين لا يعرفون الله، بل بقيّة يهود هربوا إلى مصر بعد سقوط أورشليم، وسمعوا للتوّ إرميا يوبّخهم على عبادة "ملكة السماوات"، فماذا كان جوابهم؟ ليس اعتذارًا، بل تصريحًا صريحًا بالرفض: "بل سنعمل". الكلمة الأولى في الرد هي كلمة تحدٍّ. لاحظ أن كلامهم منظَّم، شبه قانونيّ: نُبخِّر، نسكب سكائب، كما فعلنا نحن وآباؤنا وملوكنا ورؤساؤنا. هم يستشهدون بالتقليد والتاريخ الوطني كسلطةٍ تعلو على كلمة الرب المباشرة عبر نبيّه.
والأخطر من التصريح نفسه هو المنطق الذي يبنون عليه: "فشبعنا خبزًا وكنا بخير ولم نرَ شرًّا". هم يقرأون التاريخ بالمقلوب. الحقيقة أن أورشليم سقطت والهيكل احترق والشعب سُبي بسبب هذه العبادة بالذات، لكنهم يتذكّرون "الأيام الطيبة" ويربطونها بعبادة الوثن لا بنعمة الله الصابر. هذا هو جوهر الخطيئة هنا: ليس فقط السجود لصنم، بل إعادة كتابة القصة كلها بحيث يصبح الشرّ خيرًا والخير شرًّا.
موضع الآية في السِّفر مهمّ: هذا هو آخر فصل في إرميا تقريبًا، وكأن الكتاب يريد أن يترك القارئ مع هذه الصورة: نبيّ يبكي حتى آخر نفَس، وشعبٌ يغلق أذنيه حتى آخر كلمة. لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية حول معنى هذه الآية؛ الجميع يقرأها كإعلانٍ صريح للعصيان، لكن بعض الشُّرّاح يلاحظون أن "ملكة السماوات" هذه هي عشتاروت/عشتار، إلهة الخصب والرخاء التي كانت تُعبد على أنها ضامنة الطعام والأمان Tyndale.
السياق التاريخي
نحن في مصر، على الأرجح في مدينة تحفنحيس أو مصفحة قريبة من الدلتا، حوالي سنة ٥٨٥ قبل الميلاد، أي بعد سقوط أورشليم بفترة قصيرة جدًا. جيوش نبوخذنصر دمّرت المدينة المقدسة، وأحرقت الهيكل، وسبت أكثر الشعب إلى بابل. لكن مجموعة من اليهود، خوفًا من انتقام الكلدانيين بعد اغتيال الوالي جدليا، قرروا الهرب إلى مصر رغم تحذير إرميا الصريح بألا يفعلوا (إرميا ٤٢-٤٣). أخذوا إرميا معهم بالقوة تقريبًا، النبي الذي أمضى حياته يحذّرهم، أصبح الآن لاجئًا مثلهم، لكن بينهم لا معهم.
في مصر، وجد هؤلاء اللاجئون أنفسهم بين شعبٍ تعبد فيه النساء والرجال "ملكة السماوات" -وهي إلهة معروفة في كل أنحاء الشرق الأدنى القديم تحت أسماء مختلفة: عشتار في آشور وبابل، عشتاروت عند الكنعانيين. كانت مرتبطة بكوكب الزهرة وبالخصوبة والحصاد والولادة، فكانت إلهة شعبية جدًا بين المزارعين والرعاة الذين يعيشون ويموتون بحسب المحصول Tyndale. كانت طقوس عبادتها تشمل حرق البخور وسكب الخمر وخَبْز كعك على شكلها، وكانت هذه ممارسة عائلية بأكملها: الأبناء يجمعون الحطب، الآباء يوقدون النار، النساء يعجنّ العجين (كما ورد سابقًا في إرميا ٧:١٨).
المهم هنا أن هذه العبادة لم تكن غريبة عن يهوذا نفسها؛ فقد ازدهرت في شوارع أورشليم قبل السبي، وربما توارثوها منذ أيام سليمان الذي عبد عشتوريث (١ملوك ١١:٥)، ومارسها ملوك ورؤساء يهوذا أنفسهم Jamieson-Fausset-Brown. فحين يقول هؤلاء اللاجئون "كما فعلنا نحن وآباؤنا وملوكنا ورؤساؤنا"، هم لا يخترعون شيئًا جديدًا، بل يواصلون تقليدًا وطنيًا كاملًا من العصيان، توارثته الأجيال كأنه جزء من الهوية اليهودية نفسها، لا انحرافًا عنها.
اللغة الأصلية
انظر إلى الفعل الذي يفتتح ردّهم: عَשָׂה (ʻâsâh)، H6213، وهو فعل عام يعني "يفعل" أو "يصنع" بأوسع معانيه Strong's. لكنه هنا مقرون بعبارة יָצָא מִפֶּה (يخرج من الفم) - الفعل יָצָא H3318 "يخرج"، والاسم פֶּה H6310 "الفم" Strong's. هذا التعبير العبري "كل ما يخرج من فمنا" هو صيغة النذر أو القسم الرسمي، وهو صدى مباشر لتثنية ٢٣:٢٣ التي تأمر بحفظ ما يخرج من الشفتين للرب. لكن هؤلاء يستخدمون نفس التعبير الشرعي المقدَّس ليكرّسوا وعدًا لإلهةٍ وثنية، وكأنهم يستعيرون قداسة النذر ليضعوها في خدمة التمرّد Jamieson-Fausset-Brown.
الفعل الذي يصف عبادتهم هو קָטַר (qâṭar)، H6999، "يبخّر"، وهو من جذرٍ يحمل فكرة التدخين أو إحراق البخور كفعل عبادة Strong's. ويرافقه נָסַךְ (nâçak) H5258 "يسكب"، ومنه الاسم נֶסֶךְ (neçek) H5262 الذي يعني السكيبة، لكنه أيضًا يُستخدم للصنم المسبوك Strong's. هناك تلاعب لغوي خفي هنا: الفعل نفسه الذي يُستخدم لسكب الخمر قربانًا يُستخدم لصبّ المعدن لصنع صنم - كأن اللغة نفسها تكشف أن هذا "السكب" هو صناعة إله كاذب.
أما "ملكة السماوات" فتأتي من مְלֶכֶת (mᵉleketh) H4446 المرتبطة بجذر מָלַךְ (الملك) Strong's، مقترنة بـ שָׁמַיִם (shâmayim) H8064 "السماوات". يلاحظ جون جِل أن بعض القدامى قرأوا الكلمة من جذرٍ آخر يعني "العمل" لا "الملك"، فتكون العبارة "عمل السماء" أو أجرام السماء، لكن المعنى الشائع يبقى: إلهة تُتوَّج ملكة على العرش الذي يخصّ الرب وحده John Gill.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تكشف جرح القلب البشري الذي جاء المسيح ليشفيه: الإصرار على أن نكون نحن أسياد كلامنا ووعودنا، لا الله. "سنعمل كل أمرٍ خرج من فمنا" هي بالضبط عكس صلاة يسوع في جثسيماني: "لتكن لا إرادتي بل إرادتك" (لوقا ٢٢:٤٢). آدم وحواء أرادا أن يقررا الخير والشر بأنفسهما، وهذا الشعب في مصر يفعل الشيء نفسه: يكتب تاريخه الخاص، ويقرر ما هو "خير" (الشبع والأمان) بمعزل عن كلمة الله. المسيح هو الإنسان الوحيد الذي قال "لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا ٥:٣٠)، فصحّح ما أفسده كل إنسانٍ آخر بما فيهم هؤلاء اللاجئون.
كذلك، هذا الشعب يبحث عن "ملكة السماوات" ليضمنوا الخبز والخير والأمان - إله مصنوع بأيديهم ليخدم احتياجاتهم. لكن يسوع يقول "أنا خبز الحياة" (يوحنا ٦:٣٥)، ويقلب المعادلة تمامًا: ليس إلهًا نصنعه ليطعمنا بشروطنا، بل إلهًا حقيقيًا يُعطي ذاته خبزًا لنا مجانًا، لا لأننا استحققناه بطقوسنا بل لأنه محبة محضة. المفارقة المؤلمة أن هؤلاء يقولون "شبعنا خبزًا" بفضل الوثن، بينما الخبز الحقيقي كان يقف أمامهم في شخص نبيّهم إرميا الذي حمل كلمة الرب، ورفضوه.
وفي النهاية، هذا النص يُظهر لماذا كانت هناك حاجة إلى عهدٍ جديد يُكتب لا على ألواح حجر بل على القلب (إرميا ٣١:٣٣، وهي نبوءة من نفس الكتاب!). فإرميا نفسه الذي يوبّخ هذا الشعب هو ذاته الذي أعلن أن الحل ليس مزيدًا من التحذير الخارجي، بل قلبٌ جديد يُعطى بالروح، وهذا ما أتمّه المسيح.
التطبيق
اسمح لي أن أكون صريحًا معك: قلّ من الناس يفعلون شرًّا وهم يعرفون أنه شرّ. أغلبنا، مثل هؤلاء اللاجئين في مصر، نبني لأنفسنا رواية تجعل تمرّدنا حكمة، وطاعتنا لله عبئًا. "شبعنا خبزًا وكنا بخير" - كم مرة قلت شيئًا شبيهًا في قلبك؟ "حين كنت أعيش كما أريد، كانت الأمور أفضل"، أو "لماذا أتقيّد بما يقوله الكتاب بينما الجميع حولي يفعلون ما يحلو لهم ويبدون سعداء؟" هذا بالضبط منطق هذه الآية، وهو كذبٌ قديم بقدم الإنسان.
الأخطر في هذا النص ليس العصيان نفسه، بل الوقاحة الهادئة فيه: "بل سنعمل". لا خوف، لا تردد، لا حتى محاولة تبرير مقنعة - فقط قرار واضح بأن كلامي أنا أعلى من كلام الله. هل هناك في حياتك مساحة تقول فيها لله، بصوتٍ أو بصمت الأفعال، "بل سأعمل ما قررته أنا"؟ ربما في علاقة، في مالٍ، في عادةٍ تعرف أنها خاطئة لكنك محتفظ بها لأنها "تشعرك بالخير"؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم هو أن تعيد فحص "ملكات سمائك" الخاصة - أي شيء تعبده سرًا لأنه يمنحك إحساسًا بالأمان والشبع، بينما تعرف في أعماقك أن الله يقول لك شيئًا آخر. الثمن هو أن تتوقف عن كتابة تاريخك الخاص لتبرير خطيئتك، وأن تدع الله يكتب القصة كما هي فعلًا: أن الخير الذي ظننته من الوثن كان في الحقيقة صبرًا من الله عليك، لا موافقةً منه.
نقاط للصلاة
- يا رب، اكشف لي "ملكات السماوات" الخفية في قلبي - الأشياء التي أثق بها لتمنحني الأمان والشبع بدلًا منك.
- أعترف أنني أحيانًا أعيد كتابة تاريخي لأبرر خطيئتي، فأسمّي الشرّ خيرًا. سامحني وامنحني عينين صادقتين.
- امنحني الشجاعة أن أقول "لتكن مشيئتك" بدلًا من "سأعمل ما خرج من فمي"، حتى حين يكون هذا مكلفًا.
- أشكرك لأنك صبرت عليّ في أيام تمرّدي كما صبرتَ على شعبك، ولم تحاسبني بحسب استحقاقي.
- ثبّتني على كلمتك حين يبدو أن طريق العالم أكثر "رخاءً" من طريق طاعتك.
تأمّلات
- هل هناك في حياتي قرار أو عادة أقول عنها بصمت "بل سأعمل ما قررته أنا" رغم أنني أعرف أن الله يريد شيئًا آخر؟
- ما هي "ملكة السماوات" الخاصة بي اليوم - الشيء الذي أعبده بحثًا عن الأمان والشبع بدل الله؟
- هل أعيد كتابة تاريخي الشخصي لأجعل خطاياي تبدو حكمة أو نجاحًا؟
- حين أرى "أيامًا جيدة" ارتبطت بخيارٍ أعرف أنه كان خاطئًا، هل أنسب الخير لله أم لخطيئتي؟
- ما الذي يمنعني من أن أثق أن طاعة الله، لا وصفة العالم للرخاء، هي الطريق الحقيقي للخبز والحياة؟