إرميا ٣٦:٣
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
لَعَلَّ بَيْتَ يَهُوذَا يَسْمَعُونَ كُلَّ الشَّرِّ الَّذِي أَنَا مُفَكِّرٌ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيءِ، فَأَغْفِرَ ذَنْبَهُمْ وَخَطِيَّتَهُمْ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: الله نفسه يقول "لعلّ". هذه الكلمة تستوقفك فورًا، لأنك تتوقّع من الله يقينًا مطلقًا، لا ترجّيًا. لكن هذا هو بالضبط ما يجري هنا: الله يأمر إرميا أن يكتب في كتاب كل كلمة قالها منذ أكثر من عشرين سنة من النبوءات، ويرسل هذا الكتاب ليُقرأ على مسامع بيت يهوذا، "لعلّهم يسمعون". ليس لأن الله جاهلٌ بما سيحدث، بل لأنه يتعامل مع الإنسان كإنسانٍ حرّ، مسؤول، قادر أن يستجيب أو يرفض John Gill.
لاحظ التسلسل الدقيق في الآية: أولًا سماعٌ حقيقي ("يسمعون")، ثم رجوعٌ فعلي عن الطريق الرديء، وأخيرًا غفران. هذا الترتيب ليس عرَضيًّا. الله لا يغفر أولًا ثم ينتظر التغيير، ولا يطلب تغييرًا كاملًا قبل أن يعرض الرحمة؛ هو يفتح الباب بالكلمة، وينتظر استجابة القلب، ثم يستجيب بالغفران. هذا نمطٌ نراه متكررًا عند إرميا نفسه في مواضع أخرى (إرميا ١٨:٨، إرميا ٢٦:٣)، وكأن الله يكرّر العرض نفسه مرارًا لأنه لا يريد هلاك أحد.
موضع هذه الآية في سفر إرميا مؤثّر: نحن في السنة الرابعة ليهوياقيم، أي بعد سنواتٍ طويلة من الإنذارات الشفهية التي لم تُثمر شيئًا. فيلجأ الله إلى وسيلةٍ جديدة: كتابٌ مكتوب، دائم، يمكن أن يُقرأ ويُعاد قراءته. وكأن الله يقول: "لم أترك وسيلة إلا وجرّبتها معكم". والمفارقة المؤلمة أن هذا الأصحاح نفسه سينتهي بالملك يقطع الكتاب بمِبراة ويلقيه في النار (إرميا ٣٦:٢٣)، فيرى القارئ التضاد الصارخ بين رحمة الله المتكررة وقسوة القلب البشري المتكررة أيضًا.
السياق التاريخي
نحن في سنة ٦٠٥ أو ٦٠٤ قبل الميلاد تقريبًا، في السنة الرابعة لحكم الملك يهوياقيم على يهوذا. هذا التاريخ ليس تفصيلًا عابرًا: في تلك السنة بالذات هزم نبوخذنصر البابلي فرعون مصر في معركة كركميش الشهيرة، فأصبحت بابل القوة العظمى المسيطرة على كل المنطقة، وأصبحت يهوذا الصغيرة تحت تهديدٍ مباشر ووجودي. الناس في أورشليم كانوا يشعرون أن العالم يتغيّر تحت أقدامهم، وأن الخطر الحقيقي على أبوابهم.
إرميا كان نبيًّا قد بدأ خدمته منذ نحو ثلاث وعشرين سنة (كما يذكر هو نفسه في إرميا ٢٥:٣)، ينذر الشعب بلا توقف تقريبًا، لكن دون استجابة تُذكر. الملك يهوياقيم لم يكن كأبيه يوشيا الذي أصلح العبادة؛ كان يهوياقيم رجلًا مستبدًّا، محبًّا للترف، غير مبالٍ بالله ولا بالشعب، بل يُذكر أنه بنى لنفسه قصورًا فخمة بسخرة العمال المجانية (إرميا ٢٢:١٣-١٤). في هذا المناخ، يأمر الله إرميا بأمرٍ غير معتاد: لا مزيد من الوعظ الشفهي، بل تدوين كل النبوءات في كتابٍ واحد.
السبب الظاهر في النص نفسه (إرميا ٣٦:٥) أن إرميا كان "معتقلًا" أو ممنوعًا من دخول بيت الرب، فلم يعد يستطيع أن يعظ مباشرة. فطلب من كاتبه باروخ بن نيريا أن يكتب كل الكلام بإملائه، ثم يقرأه هو بالنيابة عنه في الهيكل يوم صوم. الكتاب المكتوب هنا ليس نسخة من سفر إرميا الحالي كاملًا، بل خلاصة مركّزة لكل ما نادى به النبي طوال عقدين وأكثر عن يهوذا وكل الأمم Matthew Henry.
الغاية من هذه الخطوة، كما توضحها الآية، ليست مجرد إعلان دينونة، بل محاولة أخيرة لإيقاظ ضمير شعبٍ مخدَّر، لعله يستيقظ من غفلته قبل فوات الأوان، ويعود إلى الله قبل أن تصل الجيوش البابلية إلى أسوار المدينة فعلًا Tyndale.
اللغة الأصلية
الفعل الذي يحمل ثقل هذه الآية كلها هو שׁוּב (shûwb، H7725)، ومعناه "يرجع" أو "يعود أدراجه". هذا ليس مجرد تغيير رأي عابر، بل صورة رجلٍ يسير في طريقٍ خاطئ، ثم يستدير كليًّا ويعود من حيث أتى Strong's. لاحظ أن الآية تقول "فيرجعوا كل واحد عن طريقه"، مستخدمةً كلمة דֶּרֶךְ (derek، H1870) التي تعني حرفيًّا "طريق" أو "درب مطروق بالأقدام"، لكنها مجازيًّا تعني نمط حياةٍ كامل، أسلوب سلوك متكرر ومعتاد Strong's. فالله لا يطلب ندمًا شعوريًّا لحظيًّا، بل تغيير مسار الحياة كلها.
كلمة أخرى مهمة هي חָשַׁב (châshab، H2803)، المترجمة "أنا مفكّرٌ أن أصنعه". أصل هذه الكلمة يعني "ينسج" أو "يحيك" كما تُحاك الأقمشة خيطًا بخيط، ثم تطورت لتعني "يخطط" أو "يدبّر"، غالبًا بمعنى مؤامرة أو مكيدة Strong's. المفارقة أن الله يستخدم هنا نفس الفعل الذي يُستخدم عادة لمكائد البشر الشريرة، لكنه يستخدمه ليصف "خطته" هو، وهي خطة تأديب لا انتقام أعمى.
وأخيرًا، الفعل סָלַח (çâlach، H5545)، "أغفر"، وهو فعلٌ في العبرية القديمة لا يُستخدم أبدًا إلا مع الله كفاعل؛ فالإنسان لا "يَسلح" لإنسانٍ آخر بنفس هذا الفعل الدقيق، بل الغفران بهذا المعنى العميق هو امتيازٌ إلهيّ حصرًا Strong's. وهو مرتبط بكلمتين: עָוֺן (ʻâvôn، H5771) وتعني الاعوجاج الأخلاقي، الانحراف الداخلي، وחַטָּאָה (chaṭṭâʼâh، H2403) وتعني الخطأ عن الهدف، أي الفشل في إصابة معيار الله. الغفران هنا يشمل الجذر والثمرة معًا: الانحراف الداخلي والفعل الخاطئ الظاهر.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تكشف قلب الله قبل أن يظهر المسيح بستمائة سنة تقريبًا، وهو نفس القلب الذي سيتجسّد لاحقًا في يسوع. الله هنا يرسل كلمة مكتوبة، محاولًا الوصول إلى شعبٍ متمرد، "لعلّهم يسمعون فيرجعوا فأغفر". هذا هو بالضبط النمط الذي يتكرر في العهد الجديد حين يصف بطرس الرسول رسالة الإنجيل: "فتوبوا وارجعوا لتُمحى خطاياكم" (أعمال الرسل ٣:١٩). نفس الترتيب: سماع، رجوع، غفران.
لكن الفرق الجوهري أن يهوذا رفضت الكتاب المكتوب — بل أحرقه الملك يهوياقيم بيده حرفيًّا بعد قراءته (إرميا ٣٦:٢٣) — بينما المسيح هو "الكلمة" التي لا يمكن حرقها ولا إسكاتها؛ حين قُتل هو نفسه على الصليب، لم يُبَد، بل قام. فحيث فشلت كل محاولات الإنذار الشفهي والمكتوب أن تُلين قلب يهوذا، أرسل الله في الملء الزمني ابنه نفسه، ليس ككتابٍ يُقرأ بل كإنسانٍ يُرى ويُلمس، محتملًا نفس الرفض الذي احتمله إرميا، لكن بثمنٍ أعظم بلا قياس.
والأهم: الغفران الذي كان مشروطًا هنا برجوع الشعب ("فأغفر ذنبهم")، هو نفسه الغفران الذي يقدّمه المسيح مجانًا لكل من يرجع إليه، لكنه الآن مؤسَّس على دمٍ سُفك فعلًا، لا على وعدٍ معلَّق. فما كان "لعلّ" في زمن إرميا — احتمالٌ مفتوح، مرهون باستجابة بشرية متعثرة — صار في المسيح يقينًا مؤكَّدًا: "من يؤمن به لا يُدان" (يوحنا ٣:١٨). ومع ذلك يبقى نفس الشرط قائمًا حتى اليوم: بلا رجوعٍ حقيقي، لا غفران، كما يُلمّح مرقس نفسه حين يتكلم عن قلوبٍ تسمع ولا تفهم "لئلا يرجعوا فتُغفر لهم خطاياهم" (مرقس ٤:١٢).
التطبيق
توقّف عند كلمة "لعلّ" هذه قليلًا. أنت تعرف كيف يبدو الأمر حين تنتظر جوابًا من شخصٍ تحبه ولا تعرف كيف سيردّ: قلبٌ معلّق، رجاءٌ لا يقين فيه. هذا بالضبط ما يفعله الله هنا تجاهك أنت، ليس فقط تجاه يهوذا القديمة. هو لا يجبرك على التوبة، ولا يفرضها عليك كآلة، بل يمدّ يده مرارًا، ويكرّر الكلام، ويكتبه، ويرسله، لعلّك تسمع.
السؤال الذي يجب أن يزعجك اليوم: كم مرة سمعتَ كلمة الله تحذّرك من طريقٍ معين في حياتك — علاقة، عادة، كذبة صغيرة تكررت حتى صارت أسلوب حياة — وقلتَ لنفسك "لاحقًا"، أو ببساطة تجاهلتَ الصوت كما فعل يهوياقيم بالضبط، إذ لم يكن يهوياقيم عدوًّا صريحًا لله بقدر ما كان لا مباليًا، منشغلًا بقصره وترفه بينما الكتاب يُقرأ أمامه؟ اللامبالاة قتلت يهوذا أكثر مما قتلها العصيان الصريح.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ليس شعورًا بالأسف، بل رجوعٌ فعلي، shûwb، استدارة كاملة عن طريقٍ محدد أنت تعرفه تمامًا الآن وأنت تقرأ هذا. ليس "سأتحسن عمومًا"، بل: هذا الشيء بالذات، هذه العادة، هذا الغضب المكتوم، هذا الصمت عن الحق حين يجب أن تتكلم — استدر عنه اليوم.
والخبر الجيد وسط كل هذا الإنذار: الله ما زال يقول "لعلّهم يسمعون" عنك أنت الآن، هذه اللحظة بالذات. لم يُغلق الباب بعد. الكتاب لم يُحرق بالكامل؛ ما زلت تقرأ. فلا تجعل قراءتك هذه مجرد معلومة أخرى تمرّ، بل دع الكلمة تفعل ما أُرسلت لتفعله: أن تُرجعك.
نقاط للصلاة
- يا رب، اكشف لي الطريق الرديء الذي أسير فيه دون أن أعترف به لنفسي حتى الآن.
- امنحني قلبًا يسمع حقًّا كلمتك، لا أذنًا تسمع وتنسى بسرعة.
- أعطني شجاعة الرجوع الفعلي، لا مجرد الندم العاطفي العابر.
- أشكرك لأنك ما زلت تقول "لعلّ" عني، ولم تُغلق باب الرحمة.
- علّمني ألا أكون كيهوياقيم، لامباليًا بكلمتك بينما أنشغل بأمورٍ زائلة.
تأمّلات
- ما هو "الطريق الرديء" المحدد في حياتي الذي أعرفه جيدًا لكنني أرفض تسميته بصراحة؟
- هل أنا أسمع كلمة الله فعلًا، أم أتركها تمر عليّ كصوتٍ مألوف لم يعد يزعجني؟
- متى كانت آخر مرة استدرت فيها استدارة كاملة عن خطيئة، لا مجرد شعرت بالأسف عليها؟
- أين أشبه يهوياقيم في حياتي — منشغلٌ بترفي أو راحتي عن الانتباه لتحذيرات الله؟
- لو كتب الله كل ما يريد أن يقوله لي في كتابٍ واحد، ماذا كنت لأفعل به؟