إرميا ٣٢:١٧
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
«آهِ، أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، هَا إِنَّكَ قَدْ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ، وَبِذِرَاعِكَ الْمَمْدُودَةِ. لاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ شَيْءٌ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: إرميا لا يقول "أنت قادر على كل شيء" كعبارة عقيدية جافّة، بل يصرخ: "آه، أيها السيد الرب!" هذا تنهّدٌ من رجلٍ محاصر، يقف في فناء سجنٍ بينما جيش بابل يحاصر أورشليم خارج الأسوار. الظاهر في الآية واضح: الله خلق السماء والأرض بقوته العظيمة، وليس شيء يعسر عليه. لكن الأمر الذي يسهل تفويته هو السياق: إرميا لا يتأمل في الكون بشكلٍ عام، بل يحاول أن يفهم لماذا أمره الله للتوّ أن يشتري حقلاً في بلدٍ على وشك أن يسقط! Matthew Henry هذه الآية ليست فصلاً في كتاب لاهوت نظامي عن قدرة الله المطلقة، بل هي صرخة إيمانٍ يحاول أن يوفّق بين ما يراه (دمارٌ محقّق) وما يعرفه (الله قادر أن يفعل المستحيل). موضع الآية في السِّفر مهم: هي جزء من صلاة إرميا الطويلة (إرميا ٣٢: ١٦-٢٥) التي يسبقها فعل رمزي غريب — شراء حقل بثمنٍ من فضة وهو يعلم أن العدو سيأخذ كل شيء. الآية ٢٧ لاحقًا تُظهر أن الرب نفسه يكرر عبارة إرميا تقريبًا حرفيًا، كأنه يقول له: "أنت فهمت الأمر تمامًا". لا خلاف طائفي كبير هنا؛ كل التقاليد المسيحية تقرأ هذه الآية كإعلانٍ مباشر عن قدرة الله المطلقة (ما يُسمى أحيانًا "القدرة الكلية")، والفرق الوحيد قد يكون في التوكيد: هل الآية عن الله كخالقٍ للكون، أم عن الله كمن يتدخل في التاريخ الشخصي؟ الجواب: كلاهما معًا، وهذا بالضبط ما يجعلها قوية.
السياق التاريخي
إرميا كتب هذا السِّفر في لحظة من أحلك لحظات تاريخ يهوذا، في العقد الأخير قبل سقوط أورشليم، حوالي سنة ٥٨٧-٥٨٦ قبل الميلاد. كان النبي حينها في السنة العاشرة لصدقيا، آخر ملوك يهوذا، وجيش نبوخذنصر البابلي يحاصر المدينة فعليًا — لا تهديدًا نظريًا، بل جنودٌ يحفرون متاريس حول الأسوار، وقحطٌ يزحف داخل المدينة، وأهلٌ يأكلون ما تبقّى من مؤن نافدة. إرميا نفسه لم يكن يراقب الأحداث من بعيد؛ كان مسجونًا في "دار السجن التي في قصر ملك يهوذا" (إرميا ٣٢: ٢) لأنه تجرّأ أن يقول الحق: المدينة ستسقط، والملك سيُساق أسيرًا إلى بابل. هذه ليست رسالة شعبية يريد أحدٌ سماعها في زمن حصار! في هذه اللحظة بالذات، يأمره الله أن يفعل شيئًا يبدو جنونيًا اقتصاديًا: أن يشتري حقلاً في عناثوث من ابن عمه، ويدفع سبعة عشر شاقلاً من الفضة، ويوثّق العقد بشهود، ويحفظه في إناء فخاري "ليبقى أيامًا كثيرة" (إرميا ٣٢: ١٤). من يشتري أرضًا وهو يعلم أن الغزاة على الأبواب؟ هذا الفعل الرمزي هو الذي يفجّر صلاة إرميا في الآيات ١٦-٢٥، وآيتنا هي مفتاح تلك الصلاة. الناس حوله يائسون، يظنون أن كل شيء انتهى، وإرميا نفسه يعترف بحيرته أمام الله: كيف يُطلب مني أن أستثمر في مستقبلٍ يبدو مستحيلاً؟ فيجد ملجأه لا في تفسيرٍ منطقي، بل في تذكّر من هو الله: خالق السماوات والأرض. هذا التذكير بالخلق (وهو صدى لخروج ٢٠: ١١ وإشعياء ٤٥: ١٢) لم يكن تمرينًا فكريًا عند اليهود في ذلك الزمن، بل هو أساس الثقة كلها: إن كان قد صنع الكون من العدم بذراعه الممدودة، فبالتأكيد يقدر أن يعيد شعبًا مسبيًا إلى أرضه.
اللغة الأصلية
الآية تبدأ بصرخة: אֲהָהּ (ʼăhâhh، H162)، وهي كلمة تعبيرية عن الألم — أقرب ما تكون لتنهيدة "آه!" أو "وا حسرتاه!" Strong's هذه ليست بداية باردة لخطاب لاهوتي، بل صرخة قلبٍ مثقل. ثم يخاطب الله بلقبٍ مزدوج: אֲדֹנָי יְהֹוִה (ʼĂdônây Yᵉhôvih، H136 وH3069) — "السيد الرب"، حيث تجمع الكلمتان بين السيادة المطلقة (أدوناي) واسم العهد المقدّس (يهوه) Strong's. هذا الجمع يقول: أنت لست فقط إلهًا عظيمًا بعيدًا، بل أنت إله العهد الذي وعدني ووعد شعبي. الكلمة المحورية في الآية هي פָּלָא (pâlâʼ، H6381)، وتعني حرفيًا أن يكون الشيء "متميزًا" أو "فائقًا"، ومنها يُشتق معنى "صعب" أو "عجيب" — أي شيء يفوق الطاقة البشرية أو حتى التصوّر البشري Strong's. حين يقول إرميا "لا يعسر عليك شيء"، يستخدم بالضبط هذا الجذر، وهو نفسه المستخدم في تكوين ١٨: ١٤ حين تسأل الملائكة إبراهيم "هل يستحيل على الرب شيء؟" وفي أيوب ٤٢: ٢. هذا يربط إرميا بسلسلة طويلة من شهود الإيمان الذين وقفوا أمام المستحيل وأعلنوا أن الله يتجاوزه. ولا ننسَ الصورة الجسدية القوية: כֹּחַ (kôach، H3581) "القوة" وזְרוֹעַ נָטָה (zᵉrôwaʻ nâṭâh، H2220 وH5186) — "الذراع الممدودة" Strong's. هذه عبارة تصويرية عن الله وهو يتحرك فعليًا، بذراعٍ ممتدة، ليخلق ويخلّص — نفس التعبير المستخدم في خروج وفي إرميا ٢٧: ٥ عن الخلق والعطاء. الله ليس فكرة مجردة؛ هو من "يمدّ ذراعه" فعلاً في التاريخ.
كيف تشير إلى المسيح
حين يقف إرميا أمام "المستحيل" ويعلن أن الله يفعل ما لا يُفعل، فهو يتكلم بلغةٍ ستتردد أصداؤها بعد قرونٍ عند مريم العذراء. الملاك جبرائيل يبشّرها بولادةٍ تبدو مستحيلة بيولوجيًا، ويختم كلامه بعبارةٍ تكاد تكون ترجمة حرفية لآيتنا: "لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله" (لوقا ١: ٣٧). القوة نفسها التي مدّت السماوات هي القوة التي جعلت الكلمة يتجسّد في رحم عذراء. وحين يقف يسوع أمام تلاميذه المرتبكين من صعوبة الخلاص، بعد أن سأله الغني: "من يستطيع أن يخلص؟"، يجيب بنفس المنطق: "هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شيء مستطاع" (متى ١٩: ٢٦). هذه ليست مصادفة لغوية؛ هي نفس الحقيقة اللاهوتية تتجلى في ثلاث لحظات: خلق الكون، تجسّد المسيح، وخلاص النفس البشرية — كلها "مستحيلات" يكسرها الله بذراعه الممدودة. والأعمق من ذلك: القوة الخلاّقة التي صنعت السماوات والأرض (إرميا ٣٢: ١٧) هي بالضبط القوة التي يصفها يوحنا حين يقول إن "كل شيء به كان" (يوحنا ١: ٣) عن الكلمة الأزلي، الذي هو المسيح. فحين يسجد إرميا أمام الخالق القدير، فهو يسجد أمام من سيصير جسدًا فينا. وحين يصلي إرميا وهو يشتري حقلاً في وطنٍ يبدو خاسرًا، فهو يمارس إيمانًا يُشبه إيمان المسيح نفسه الذي "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب" (عبرانيين ١٢: ٢) — استثمارٌ في مستقبلٍ يبدو الآن خسارة تامة، لكنه في الحقيقة عربون قيامة. القبر الفارغ هو الإثبات الأعظم أن لا شيء يعسر على الرب.
التطبيق
أنت الآن، في مكانٍ ما من حياتك، تحمل حقلاً يشبه حقل إرميا: وضعًا يبدو استثمارًا خاسرًا، رجاءً يبدو سخيفًا في وجه الواقع. ربما هي علاقةٌ تحطّمت وتصلّي من أجل شفائها. ربما هي خطيةٌ متجذرة تظن أنها أقوى من نعمة الله. ربما هو مشروعٌ أو حلمٌ أو شخصٌ تحبه ترى أن كل الحقائق حوله تقول: "انتهى الأمر". إرميا لم يتظاهر بأن الوضع ليس صعبًا؛ هو نفسه بدأ بصرخة "آه!" — لم يُخفِ ألمه ولا حيرته أمام الله. هذا أول ثمن تدفعه هذه الآية: الصدق. توقف عن التظاهر بأنك مرتاح أمام الله، وقل له بصراحة: "لا أفهم كيف يمكن أن يُصلح هذا". لكن الآية لا تتوقف عند الصرخة؛ تنتقل فورًا إلى التذكّر: من هو هذا الذي أصرخ إليه؟ هو من صنع السماوات والأرض. الثمن الثاني، وهو الأصعب، هو أن تفعل ما فعله إرميا: أن تشتري الحقل. أن تتصرف بإيمانٍ عملي، لا بمشاعر تفاؤل فحسب. أن تسامح فعلاً، أن تتوب فعلاً، أن تستثمر وقتك ومالك وقلبك في وعدٍ لم تره بعد يتحقق. الإيمان الحقيقي ليس أن تشعر بالطمأنينة، بل أن تتحرك رغم غياب الطمأنينة، لأنك تعرف من يمسك الذراع الممدودة. اسأل نفسك اليوم: أين أطلب من الله المستحيل بلساني، لكنني أتصرف كأنه مستحيل فعلاً بحياتي؟
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أمامك بصدقٍ بما يبدو مستحيلاً في حياتي الآن، ولا أخفي حيرتي وألمي عنك.
- ذكّرني حين أنظر إلى وضعي المستحيل بأنك أنت خالق السماوات والأرض بذراعك الممدودة.
- أعطني إيمانًا عمليًا يشبه إيمان إرميا، أن أتصرف بثقةٍ ولو بدا الاستثمار خاسرًا في نظر الناس.
- اغفر لي الأوقات التي أصلي فيها بلساني "لا يعسر عليك شيء" بينما قلبي يعيش وكأن قدرتك محدودة.
- أشكرك لأن نفس القوة التي شقّت البحار وصنعت الكون هي التي أقامت المسيح من الموت، ولن تتركني الآن.
تأمّلات
- ما هو "الحقل" الذي تشعر أن الله يطلب منك أن تشتريه الآن، رغم أن كل الظروف تقول إنه استثمار خاسر؟
- متى كانت آخر مرة صرخت أمام الله بصدق "آه!" بدل أن تتظاهر بالقوة أو الطمأنينة الزائفة؟
- هل تعيش إيمانك كعقيدةٍ تقولها بلسانك، أم كثقةٍ تُحرّك قراراتك الفعلية اليوم؟
- ما الفرق بين أن تؤمن أن الله "قادر" نظريًا، وأن تثق أنه "سيفعل" في وضعك تحديدًا؟
- أي جزء من قصتك الشخصية يبدو "مستحيلاً"، وماذا لو نظرت إليه اليوم على ضوء قدرة من مدّ السماوات؟