إرميا ٢٧:٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
إِنِّي أَنَا صَنَعْتُ الأَرْضَ وَالإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ الَّذِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، بِقُوَّتِي الْعَظِيمَةِ وَبِذِرَاعِي الْمَمْدُودَةِ، وَأَعْطَيْتُهَا لِمَنْ حَسُنَ فِي عَيْنَيَّ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببساطة أولًا: الله يتكلّم، ويقول ثلاثة أمور متتالية. أولًا: "أنا صنعت الأرض والإنسان والحيوان" - هو الخالق، لا واحدٌ من الآلهة يتنازع معه على هذا الحق. ثانيًا: صنع هذا كله "بقوّتي العظيمة وبذراعي الممدودة" - عبارة تصف قدرةً لا تُقاوَم. ثالثًا، وهنا المفاجأة: "أعطيتها لمن حسن في عينيّ" - أي أن هذا الخالق العظيم يُعطي ملكوت الأرض لمن يشاء هو، لا لمن يستحقّ بحسب معايير البشر.
الظاهر أن هذه آية عن الخلق، لكن السياق يكشف أنها في الحقيقة آية عن السياسة والتاريخ! إرميا يقولها لملوك أدوم وموآب وعمّون وصور وصيدون (إرميا ٢٧:٣)، ليخبرهم أن الله - خالق كل شيء - قرّر الآن أن يُعطي السلطان على الأرض كلها لنبوخذنصر ملك بابل، الوثنيّ الغريب! هذا صادمٌ جدًّا لأولئك الملوك: كيف يُعطي إله إسرائيل مملكةً لملكٍ وثنيّ؟ لكن هذا بالضبط ما يقوله النص - "أعطيتها لمن حسن في عينيّ"، أي بمحض إرادته السيادية، لا لأن نبوخذنصر بارٌّ أو مستحق Jamieson-Fausset-Brown.
موضع هذه الآية في قصة سفر إرميا: النبي يحمل نيرًا خشبيًّا على عنقه (إرميا ٢٧:٢) كعلامةٍ رمزية، ويطوف بين الأمم يدعوهم للخضوع لبابل بدل مقاومتها، لأن المقاومة ستكون مقاومةً لله نفسه. هذا كلامٌ عسير جدًّا على السمع - نبي يدعو شعبه للاستسلام لا للمقاومة! لكنه يفعل هذا لا من ضعفٍ في الإيمان، بل لأنه يرى يد الله وراء الأحداث السياسية كلها Matthew Henry.
لا خلاف كبيرًا بين التقاليد المسيحية على معنى هذه الآية تحديدًا - فالجميع يتفقون أن الله هو خالق كل شيء وسيّد التاريخ، لكن التطبيق العملي لسيادته على "من يحكم" يبقى سؤالًا يُطرح في كل جيل.
السياق التاريخي
كتب إرميا هذا الكلام في سنةٍ مبكرة من حكم صدقيا، آخر ملوك يهوذا، أي في حدود ٥٩٤-٥٩٣ قبل الميلاد تقريبًا. كانت المملكة الجنوبية (يهوذا) قد أُذلّت من قبل: نبوخذنصر سبى يهوياكين وكثيرين من النبلاء عام ٥٩٧ ق.م، ونصّب صدقيا ملكًا دميةً تحت سلطته. لكن في الفترة التي يتكلم فيها إرميا، كانت هناك حركة إقليمية واسعة: سفراء من أدوم وموآب وعمّون وصور وصيدون اجتمعوا في أورشليم (إرميا ٢٧:٣) يخطّطون على الأرجح لتحالفٍ يقاوم بابل، ربما بدعمٍ من مصر.
هذا هو المشهد الذي يدخل فيه إرميا حاملًا نيرًا على رقبته، رمزًا صادمًا وسط اجتماعٍ دبلوماسيّ رفيع! تخيّل: وفود من خمس أو ست دول تجتمع سرًّا لتخطّط للثورة، ويدخل عليهم نبيٌّ يهوديٌّ بنيرٍ خشبيّ كأنه ثورٌ يُقاد للعمل، ويقول لهم: "لا تقاوموا! الله نفسه أعطى الأرض لنبوخذنصر." هذا كلامٌ يبدو خيانةً وطنية في نظر السامعين، لكنه في الحقيقة إيمانٌ عميق بأن الله يتحكّم بمصائر الأمم حتى حين يستخدم ملكًا وثنيًّا أداةً في يده.
الأنبياء الكذبة في ذلك الوقت (مثل حنانيا الذي نقرأ عنه في الأصحاح التالي) كانوا يبشّرون الشعب بأن نير بابل سينكسر قريبًا، وأن الأواني المقدسة ستعود من بابل سريعًا. كان هذا كلامًا محببًا للنفس، لكنه كذب. إرميا، على النقيض، يحمل رسالةً غير شعبية: اخضعوا، لأن هذا تأديب الله، وسيمتد سبعين سنة، لكن من قاوم سيُباد بالسيف والجوع والوباء (إرميا ٢٧:٨). هذا السياق يُظهر أن إرميا لم يكن يتكلم عن سياسةٍ برجماتية فحسب، بل عن لاهوت السيادة الإلهية على تاريخ الأمم كلها، ليس فقط على إسرائيل.
اللغة الأصلية
كلمة "صنعت" في العبرية هي עָשָׂה (ʻâsâh)، رقم سترونغ H6213، وهي فعلٌ واسع المعنى يُستخدم لأي عملٍ أو صنعٍ - من صنع خيمةٍ إلى خلق كونٍ كامل Strong's. اختيار هذه الكلمة بالذات (لا كلمةً أكثر تخصصًا للخلق من العدم) يربط عمل الله الكوني بعمله اليومي - نفس الله الذي "يصنع" الأمم ويرتّب مصائرها هو الذي "صنع" الأرض والإنسان والحيوان.
أما "بقوّتي العظيمة" فتحمل كلمة כֹּחַ (kôach)، H3581، وتعني القوة أو الحيوية أو الطاقة الكامنة Strong's. وكلمة "الممدودة" هي נָטָה (nâṭâh)، H5186، تعني أن تمتد أو تنبسط، وتُستخدم مجازيًّا أيضًا للانحراف الأخلاقي، لكنها هنا تصف ذراع الله وهي تمتدّ بفعلٍ حاسم Strong's. أما "ذراعي" فهي זְרוֹעַ (zᵉrôwaʻ)، H2220، وتعني الذراع الممتدة، وتُستخدم مجازيًّا للقوة أو القدرة على الفعل Strong's. هذه العبارة "بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة" هي عبارة متكررة في العهد القديم، غالبًا ما تصف تحرير الله لشعبه من مصر (كما في تثنية ٤:٣٤)، لكنها هنا تُستخدم لوصف الخلق نفسه - أي أن نفس القوة التي حررت إسرائيل هي التي خلقت الكون كله.
وأخيرًا، "لمن حسن في عينيّ" تحمل فعل יָשַׁר (yâshar)، H3474، بمعنى أن يكون مستقيمًا أو مرضيًّا أو حسنًا، مع كلمة עַיִן (ʻayin)، H5869، أي "العين" Strong's. هذا التعبير العبري الحرفي "حسُن في عيني" يعني حرفيًّا "بدا مستقيمًا/صائبًا أمام عيني" - وهو تعبيرٌ عن الإرادة السيادية الحرة لله، لا معيارٍ خارجيٍّ يفرض عليه. الله لا يُعطي الملكوت لأن نبوخذنصر يستحقه أخلاقيًّا، بل لأن هذا "حَسُن" في عيني الله وحده - أي بمحض قراره السيادي.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تُعلن حقيقةً تبلغ كمالها في المسيح: أن كل سلطانٍ على الأرض هو عطيةٌ من يد الله، تُوهَب لمن يشاء هو، لا لمن يستحق بمعايير بشرية. تذكّر كيف وقف الشيطان أمام يسوع في البرية وقال له: "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ، لأنه إليّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد" (لوقا ٤:٦) - وهي محاولة خبيثة لتزييف الحقيقة التي يعلنها إرميا هنا! الشيطان يدّعي سلطانًا ليس له، بينما الله وحده هو من "أعطى" الأرض حقًّا لنبوخذنصر ولغيره من الملوك عبر التاريخ.
يسوع نفسه، بعد قيامته، يعلن هذه السيادة بشكلٍ كامل ونهائي: "دُفع إليّ كل سلطانٍ في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨:١٨). لاحظ الفرق: في إرميا، الله يُعطي السلطان لملكٍ وثنيّ محدود الأجل (سبعين سنة فقط، إرميا ٢٧:٧)؛ لكن في المسيح، الآب يُعطي السلطان لابنه الأزليّ، سلطانًا لا نهاية له ولا زوال. نبوخذنصر كان أداةً مؤقتةً في يد الله للتأديب، لكن يسوع هو الملك الحقيقي الذي كل الممالك الأرضية - بما فيها بابل ذاتها - ليست سوى ظلالٍ عابرة أمام ملكوته الأبديّ.
كولوسي ١:١٦ يقول إن "الكل به وله قد خُلق" - أي أن نفس "القوة العظيمة والذراع الممدودة" التي صنعت الأرض والإنسان والحيوان في إرميا ٢٧:٥ هي عاملةٌ بالمسيح ومن أجله. فالخالق في إرميا ليس شخصًا مجردًا، بل هو الآب الذي خلق كل شيء بابنه. وحين نقرأ أن الله "يُعطي" الملكوت "لمن حَسُن في عينيه"، نتذكّر أن أعظم عطيةٍ أعطاها الله على الإطلاق لم تكن مملكةً أرضية لملكٍ وثنيّ، بل ابنه الوحيد ليكون فداءً لنا - ذاك الذي "حَسُن" في عيني الآب أن يمنحه كل شيء، ونحن فيه.
التطبيق
ربما تقرأ هذه الآية وتفكّر: "جميل، الله خلق كل شيء، أعرف هذا." لكن توقّف عند الجزء الصعب: الله يُعطي السلطان على الأمم "لمن حَسُن في عينيه" - وأحيانًا يكون هذا شخصًا لا تحبه، لا تفهمه، بل ربما شخصًا يبدو لك أنه شرٌّ محض. نبوخذنصر لم يكن قديسًا؛ كان طاغيةً وثنيًّا سيدمّر أورشليم والهيكل بعد سنوات قليلة. ومع ذلك، الله يقول: أنا من أعطاه هذا السلطان.
هذا يضعك أمام سؤالٍ يوميّ: هل تثق بسيادة الله حتى حين تبدو الأحداث السياسية والتاريخية من حولك ظالمةً أو عبثية؟ حين ترى من لا يستحق يصعد، ومن تحبه يُقهر - هل تؤمن أن يد الله ما زالت وراء كل هذا، بقوةٍ عظيمة وذراعٍ ممدودة، حتى لو كنت لا تفهم لماذا؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية هو تسليم إرادتك لسيادة الله حتى في أشد ما يبدو غير منطقيّ. إرميا لم يطلب من الشعب أن يفهموا، بل أن يخضعوا. هذا صعبٌ جدًّا على كبريائنا - نريد أن يكون الله عادلًا بمعاييرنا، أن يُعاقب الأشرار فورًا ويُكافئ الأبرار حالًا. لكن الله يعمل بحكمةٍ أعمق من فهمنا، وأحيانًا يستخدم من لا نتوقّع لتحقيق مقاصده.
فاسأل نفسك اليوم: أين في حياتك ترفض الخضوع لأن الظروف "غير عادلة" من وجهة نظرك؟ هل تصدّق أن نفس القوة العظيمة التي خلقت الكون هي القوة التي تدير تفاصيل يومك الصغيرة، حتى المزعجة منها؟ الإيمان الحقيقي ليس أن تفهم كل قرارات الله، بل أن تثق بمن يمسك بالذراع الممدودة، حتى حين لا ترى إلى أين تمتد.
نقاط للصلاة
- يا رب، أنت خالق كل شيء بقوتك العظيمة - علّمني أن أثق بسيادتك حتى حين لا أفهم أحداث حياتي أو أحداث العالم من حولي.
- أطلب منك مساعدتي على الخضوع لك حين يبدو الخضوع خسارةً، كما طلبت من شعبك أن يخضعوا لتأديبك بدل مقاومته.
- امنحني عينًا ترى يدك وراء الأحداث السياسية والشخصية، حتى حين تبدو عبثية أو ظالمة بمقاييسي البشرية.
- ساعدني ألا أتكبّر على قراراتك، بل أعترف أنك تُعطي وتأخذ "بما حَسُن في عينيك"، لأنك وحدك تعرف الصورة الكاملة.
- يا يسوع، الذي دُفع إليك كل سلطانٍ في السماء والأرض، اجعلني أخضع لملكوتك أولًا قبل أي سلطانٍ أرضيّ.
تأمّلات
- هل هناك موقفٌ في حياتك أو في العالم اليوم تجد صعوبةً في تصديق أن الله ما زال متحكّمًا فيه؟ ما الذي يمنعك من الثقة هناك تحديدًا؟
- إرميا دعا شعبه للخضوع بدل المقاومة - هل هناك "نيرٌ" في حياتك ترفض حمله، مع أن الله ربما يستخدمه لتأديبك أو تشكيلك؟
- حين ترى من لا يستحقّ - بمعاييرك - يحصل على سلطةٍ أو نجاحٍ أو بركة، ما ردّة فعلك الأولى؟ هل هي الغيرة، أم الثقة بأن الله يعرف ما يفعل؟
- ما الفرق بين "أن أفهم لماذا يفعل الله كذا" و"أن أثق أنه يفعله لأنه حَسُن في عينيه"؟ أيّهما أصعب عليك؟
- كيف تتغيّر نظرتك للسياسة والسلطات الحاكمة اليوم إن آمنت حقًّا أن الله هو من يُعطي السلطان "لمن حَسُن في عينيه"؟