إرميا ٢٤:٦
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
وَأَجْعَلُ عَيْنَيَّ عَلَيْهِمْ لِلْخَيْرِ، وَأُرْجِعُهُمْ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ، وَأَبْنِيهِمْ وَلاَ أَهْدِمُهُمْ، وَأَغْرِسُهُمْ وَلاَ أَقْلَعُهُمْ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "وأجعل عينيّ عليهم للخير، وأرجعهم إلى هذه الأرض، وأبنيهم ولا أهدمهم، وأغرسهم ولا أقلعهم." هذا كلام الله عن أُناسٍ معينين، لا عن كل الشعب. القصة خلف الآية: إرميا رأى رؤيا سلّتين من التين — واحدة جيدة جدًا، وأخرى فاسدة جدًا لا تُؤكل (إرميا ٢٤: ١-٣). السلة الجيدة هي المسبيون الذين أُخذوا إلى بابل مع يكنيا، والسلة الفاسدة هي من بقي في أورشليم متشبثًا بخطاياه Matthew Henry. هذا مقلوبٌ تمامًا لما كان يتوقعه أي إنسانٍ عاقل في ذلك الزمن: من بقي في الأرض ظنّ نفسه الناجي، ومن سُبي ظنّ نفسه المرفوض. لكن الله يقول العكس.
المفاجأة الحقيقية هنا هي أن السبي نفسه صار وسيلة نعمة. الله لا يقول "سأرجعهم لأنهم تابوا"، بل يقول "سأجعل عينيّ عليهم للخير" أولًا، ثم يترتب على ذلك الرجوع والبناء والغرس. النعمة تسبق التوبة هنا، لا تتبعها — وهذا سيظهر بوضوح في الآية التالية (إرميا ٢٤: ٧) حين يقول الله إنه سيعطيهم قلبًا ليعرفوه.
لاحظ أيضًا الأفعال الأربعة المتقابلة: أبني/لا أهدم، أغرس/لا أقلع. هذه ليست كلمات عشوائية؛ هي نفس الأفعال التي استُخدمت في دعوة إرميا نفسه في أول الكتاب (إرميا ١: ١٠)، حين أُقيم "ليقلع ويهدم... ليبني ويغرس". فما بدأ رسالة قضاء صار الآن، لهذه الفئة، رسالة رجاء. موضع هذه الآية في سفر إرميا مهم: الأصحاح ٢٤ يقف بين إعلانات الدينونة القاسية على أورشليم وبين وعود الرجاء اللاحقة (كإرميا ٢٩ و٣٢ و٣٣)، وهو أول بارقة نور واضحة تقول: الدمار ليس الكلمة الأخيرة.
السياق التاريخي
كتب إرميا هذه الكلمات في أورشليم، على الأرجح بعد سنة ٥٩٧ ق.م بقليل، حين غزا نبوخذنصر ملك بابل المدينة أول مرة، وأخذ الملك يكنيا (يهوياكين) مع طبقة النبلاء والصنّاع والقادة إلى السبي في بابل. لم تكن هذه هي الضربة القاضية بعد — أورشليم والهيكل سيصمدان حتى سنة ٥٨٦ ق.م — لكن الجرح كان عميقًا: أفضل الناس، أذكى العقول، أهم القادة، أُخذوا بعيدًا عن بيوتهم وأرضهم وهيكلهم.
تخيّل المشهد في أورشليم بعد ذلك السبي الأول: من بقي في المدينة، وعلى رأسهم الملك صدقيا وحاشيته، شعروا أنهم الناجون، أهل الحظ، من "اختارهم الله" ليبقوا في أرض الموعد بينما "عوقب" الآخرون بالسبي. كانت نظرتهم بسيطة: البقاء في الأرض المقدسة يعني رضا الله، والذهاب إلى أرض وثنية نجسة يعني غضبه. هذا هو بالضبط الفكر الذي تأتي رؤيا التينتين لتقلبه رأسًا على عقب.
في هذا السياق يتكلم الله عبر إرميا بلغة الفلاح: سلتان من التين وُضعتا أمام هيكل الرب. واحدة تينها باكورة، طيبة جدًا؛ والأخرى فاسدة لا تُؤكل من رداءتها (إرميا ٢٤: ٢). كل من سمع هذا التشبيه في ذلك الزمن كان يفهمه فورًا: الفلاحون يفرزون محصولهم كل موسم، الجيد للأكل والفاسد يُرمى. الله يقول لشعبه: أنا الذي أفرز، وليس ظاهر الأمور هو الحكم. من يبدو أنه عوقب بالسبي هو في الحقيقة موضع رعايتي ومشروعي للمستقبل، ومن يبدو أنه نجا هو في طريقه إلى دمارٍ أعظم (إرميا ٢٤: ٨-١٠). هذه رسالة صادمة لجيلٍ كان يقيس بركة الله بالجغرافيا لا بحال القلب.
اللغة الأصلية
الفعل الأول اللافت هو שׂוּם (سوم، H7760)، بمعنى "يضع" أو "يجعل" Strong's. الله يقول حرفيًا "أضع عينيّ عليهم"، وكلمة עַיִן (عَيِن، H5869) تعني "عين" لكنها أيضًا تحمل معنى "نبع" أو "ينبوع" Strong's — كأن نظر الله ليس مجرد مراقبة باردة، بل شيء يتدفق منه خير كالماء من نبع. وهذا الخير هو טוֹב (طوب، H2896)، الكلمة الأشهر في العبرية للـ"الجيد" أو "الحَسَن" Strong's — نفس الكلمة التي وصف بها الله خليقته "حسنة" في سفر التكوين. فالله هنا لا يعد بحياد، بل بقصدٍ فاعل نحو خيرهم.
ثم يأتي שׁוּב (شوب، H7725)، فعل "يرجع" أو "يعيد" Strong's، وهو من أكثر الأفعال تكرارًا في سفر إرميا كله — لأن السفر كله صراع حول الرجوع: رجوع الشعب عن خطيته، ورجوع الله لهم برحمته، ورجوعهم إلى أرضهم. هنا الله هو الفاعل: هو من يُرجعهم.
أما الأفعال الأربعة الأخيرة فتأتي في أزواج متضادة: בָּנָה (بانا، H1129) "يبني" مقابل הָרַס (هاراس، H2040) "يهدم/يخرّب" Strong's؛ ثم נָטַע (ناطَع، H5193) "يغرس" مقابل נָתַשׁ (ناتاش، H5428) "يقتلع" Strong's. هذه بالضبط الأفعال الستة التي سمعها إرميا يوم دعوته (إرميا ١: ١٠) لكن هنا استُخدم منها أربعة فقط، وكلها في الجانب الإيجابي مضاعفة بالنفي ("لا أهدم... لا أقلع") — كأن الله يشدد بقوة: هذه المرة القصد بناء لا هدم، غرس لا اقتلاع. الفعل ناطَع يحمل في أصله معنى "التثبيت" و"الغرز" العميق، وكأن الله يقول: هذه المرة سأغرسهم بجذورٍ لا تُقتلع بسهولة.
كيف تشير إلى المسيح
هذا الوعد — البناء بدل الهدم، الغرس بدل الاقتلاع — لم يتحقق كاملًا في عودة اليهود من بابل بعد السبعين سنة. تلك العودة كانت حقيقية، لكنها كانت جزئية وهشة؛ سرعان ما احتلّ الفرس ثم اليونان ثم الرومان تلك الأرض، وعادت الأمة إلى الخضوع والانكسار Jamieson-Fausset-Brown. الوعد كان يحمل ثِقلًا أكبر من أن تحمله عودة سياسية إلى قطعة أرض.
اقرأ الآية التالية مباشرة (إرميا ٢٤: ٧): "وأعطيهم قلبًا ليعرفوني... ويرجعون إليّ بكل قلبهم." هذا هو جوهر العهد الجديد الذي يعلنه إرميا لاحقًا بوضوح تام في إرميا ٣١: ٣١-٣٤ — عهدٌ لا يُكتب على ألواح حجر بل على القلب. وهذا بالضبط ما يُتمّه المسيح. هو الذي يقيم فينا هذا القلب الجديد بروحه القدوس، وهو الذي يجعلنا "غرسًا" ثابتًا لا يُقتلع، كما قال هو نفسه: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان" (يوحنا ١٥: ٥)، وكما وصف بولس المؤمنين بأنهم "بناء الله" (كورنثوس الأولى ٣: ٩).
الأعمق من ذلك: عين الله "للخير" التي تحرس شعبه هنا هي نفس النظرة الرعوية التي يصفها المزمور "عينا الرب نحو الصديقين" (مزمور ٣٤: ١٥)، والتي يستشهد بها بطرس مباشرة عن المؤمنين بالمسيح (بطرس الأولى ٣: ١٢). في المسيح، كل من كان يظن نفسه في "السلة الفاسدة" — بعيدًا، مرفوضًا، منفيًا بخطيته — يمكن أن يصير موضع نظر الله للخير، لا بسبب موقعه الجغرافي أو ظاهر حاله، بل بعمل الله الذي يبدأ هو نفسه بالنعمة، تمامًا كما بدأ هنا مع المسبيين قبل أن يتوبوا. المسيح هو من يضمن أن هذا الغرس لن يُقتلع أبدًا، لأنه هو نفسه القائم من الموت، الجذر الذي لا يذبل.
التطبيق
تخيّل نفسك بين المسبيين تلك اللحظة. فقدت بيتك، أرضك، هيكلك، كل ما كنت تظن أن حضور الله مرتبط به. وربما تشعر أنت اليوم بشيء مشابه: خسارة، انتقال قسري، وضعٌ لم تخترْه ويبدو أنه دليل على أن الله تخلّى عنك أو عاقبك. هذه الآية تقول لك شيئًا مزعجًا وجميلًا في آنٍ واحد: أحيانًا أشد أماكن حياتك ألمًا هي بالضبط حيث عين الله عليك "للخير".
لكن انتبه، هذه الآية ليست شيكًا مفتوحًا لكل من يعيش في ضيق. هي موجّهة لمن سيرجع إلى الله بكل قلبه (إرميا ٢٤: ٧). فالسؤال الذي يوجّهه لك النص ليس "هل أنا في ضيق إذن فالله سيباركني"، بل: هل أنت مستعد أن تدع الضيق يكون المكان الذي يُعطيك فيه الله قلبًا جديدًا يعرفه حقًا؟ الثمن هنا هو التخلي عن فكرة أن نعمة الله تُقاس بالراحة الظاهرة. أهل السلة الجيدة لم يكونوا أفضل أخلاقيًا من أهل السلة الفاسدة؛ الفرق كان في أن الله اختار أن يعمل فيهم عملًا يُطهّرهم، وهم كانوا سيستجيبون John Gill.
فاسأل نفسك اليوم: أين تظن أن الله هدمك بينما هو في الحقيقة يبنيك؟ وأين تتشبث بمكانٍ أو وضعٍ ظاهره أمانٌ، بينما قلبك بعيد عنه تمامًا؟ الطاعة المكلِفة هنا هي أن تكفّ عن الحكم على حضور الله بظروفك، وتبدأ تسأله مباشرة: "أعطني قلبًا يعرفك"، وأن ترجع إليه لا بنصف قلب، بل بكله.
نقاط للصلاة
- يا رب، اجعل عينيك عليّ للخير حتى في الظروف التي تبدو لي عقابًا أو خسارة.
- أعطني قلبًا جديدًا يعرفك حقًا، لا معرفة معلومات بل معرفة قرب ومحبة.
- ساعدني أن أرجع إليك بكل قلبي، لا بنصفه، ولا بينما أتشبث بأشياء أخرى.
- ابنِ فيّ ما هدمته الخطية، واغرس فيّ جذورًا لا تُقتلع بعواصف الحياة.
- علّمني ألا أحكم على حضورك بظروفي الظاهرة، بل بأمانتك التي لا تتغير.
تأمّلات
- هل حكمت يومًا على نفسك أو على غيرك بأنك "في السلة الفاسدة" بناءً على ظروفٍ ظاهرة، لا على حال القلب؟
- ما الفرق بين أن يبنيك الله في ضيقك، وأن تبقى مرتاحًا وأنت بعيدٌ عنه؟
- هل ترجع إلى الله بكل قلبك فعلًا، أم بجزء منه بينما تحتفظ ببقيته لنفسك؟
- أين تحتاج أن تصدّق أن الله يقصد بناءك لا هدمك، رغم كل ما يبدو أمامك من دمار؟
- ما الثمن الذي تخاف أن تدفعه لو صدّقت أن نعمة الله لا تُقاس بموقعك أو راحتك؟