إرميا ١٨:٦
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
«أَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ بِكُمْ كَهذَا الْفَخَّارِيِّ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ هُوَذَا كَالطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ أَنْتُمْ هكَذَا بِيَدِي يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: الله يسأل سؤالاً لا ينتظر جوابًا مختلفًا: "أما أستطيع أن أصنع بكم كهذا الفخاري؟". هذا سؤالٌ بلاغيّ، والجواب المفروض واضحٌ لكل من رآه: نعم، بالطبع يستطيع. الصورة أخذها إرميا من مشهدٍ رآه بعينيه في بيت الفخاري قبل آيتين: الطين فسد في يد الصانع، فلم يكسره ويرميه، بل أعاد تشكيله "وعيًا آخر" كما حسُن في عينيه Matthew Henry. هذا هو المفتاح الذي يسهل تفويته: الآية ليست فقط عن سلطان الله المطلق، بل عن كيف يمارس هذا السلطان — بصبرٍ يعيد التشكيل، لا بغضبٍ يهشّم فورًا.
لاحظ أيضًا أن الله لا يخاطب فردًا، بل "بيت إسرائيل" كلّه — أمة بكاملها، بتاريخها وعهدها ومكانتها الخاصة. وهذا ما كان يصدم سامعي إرميا الأصليين: هم شعب الله المختار، حاملو الوعد لإبراهيم، ومع ذلك يقول لهم الرب إنهم كالطين في يده، لا أكثر، لا أقل Jamieson-Fausset-Brown. الانتخاب لا يعني الحصانة من التشكيل الإلهي.
في السياق الأكبر لسفر إرميا، هذه الآية تقع في قلب رسالةٍ عن التوبة الممكنة: الآيات التالية (إرميا ١٨: ٧-١٠) توضح أن هذا التشكيل ليس تعسفًا أعمى، بل استجابة لسلوك الشعب — إن تابت أمةٌ هُدد بها، يرتد الرب عن الشر الذي نواه، والعكس صحيح Keil-Delitzsch Old Testament. فالفخاري هنا ليس فخاريًا صامتًا يعمل بمعزل عن الطين، بل يتفاعل معه.
المسيحيون اختلفوا في كيفية فهم "سلطان الفخاري" هذا: البعض يقرأه بشكلٍ أساسي كصورة عن سيادة الله المطلقة على الأفراد والمصائر (كما استخدمه بولس في رومية ٩)، بينما يرى آخرون أن السياق هنا في إرميا محدَّد أكثر: إنه عن الأمم والشعوب وتوبتها الجماعية، لا عن مصير كل فردٍ الأزلي. كلا القراءتين صحيحتان في موضعيهما، لكن من المهم أن تعرف أن إرميا هنا يتكلم عن أمة، لا عن فردٍ مجهول.
السياق التاريخي
إرميا كتب هذه الكلمات في نهايات القرن السابع وبدايات القرن السادس قبل الميلاد، في يهوذا، في الفترة المتوترة التي سبقت سقوط أورشليم على يد البابليين (حوالي ٦٢٧-٥٨٦ ق.م). كان إرميا كاهنًا شابًا دُعي ليكون نبيًا في زمنٍ لم يرد أحد أن يسمع فيه كلامه: الملوك يتغيّرون، أحيانًا نحو الإصلاح كما في عهد يوشيا، وأحيانًا نحو الانحدار السريع كما في عهد يهوياقيم، والشعب عالقٌ بين ولاءٍ سياسي متذبذب لمصر وبابل، وبين عبادةٍ مختلطة لله وللأصنام في آنٍ واحد.
تخيّل المشهد الذي يفتتح به الأصحاح: الله يرسل إرميا فعليًا إلى "بيت الفخاري" — ورشة حرفي بسيط في أزقة أورشليم أو ضواحيها. هناك يجلس إرميا ويراقب رجلاً يدور بعجلته، يداه تعملان في كتلة طينٍ رطبة، وفجأة يفسد الوعاء بين يديه — ربما لعيبٍ في الطين، أو لخطأ في الضغط. لا يرمي الفخاري الطين، بل يعجنه من جديد ويبدأ وعاءً آخر. هذا مشهدٌ يومي عادي جدًا لأي إنسانٍ في ذلك الزمان؛ الفخارة كانت من أكثر الحرف انتشارًا، فكل بيتٍ يستعمل أوانيَ من الطين للماء والزيت والحبوب.
ما جعل هذا المشهد كلمة نبوية هو أن الله استخدمه ليخاطب شعبًا واثقًا من نفسه أكثر مما ينبغي. كان بنو إسرائيل يتّكلون على كونهم شعب العهد، وعلى وجود الهيكل في وسطهم، وكأن هذا يجعلهم فوق الحساب مهما فعلوا. إرميا يكسر هذا الوهم: أنتم لستم صخرًا ثابتًا لا يتغيّر مصيره، أنتم طينٌ طريّ، وقابلٌ لإعادة التشكيل بيد من صنعكم أصلًا. هذا الإنذار جاء قُبيل سنواتٍ قليلة من الكارثة الفعلية: خراب أورشليم، سقوط الهيكل، والسبي إلى بابل عام ٥٨٦ ق.م. كلام إرميا لم يكن تهديدًا مجردًا، بل كان تحذيرًا أخيرًا قبل أن يتحوّل التشكيل من إصلاحٍ إلى تحطيمٍ فعليّ لتلك المرحلة من تاريخهم.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية هنا هي יָצַר (yâtsar)، H3335، وتعني أن "يشكّل بيديه، كما يشكّل الفخاري إناءً" — والملفت أنها نفس الفعل المستخدم في تكوين ١:٢٧ حين "جبل" الرب الإنسان من تراب الأرض. فحين يسمّي إرميا الله "الفخاري"، هو لا يستعير صورة عابرة، بل يوقظ في ذاكرة القارئ العبراني مشهد الخلق الأول: الله الذي شكّل الإنسان من طينٍ هو نفسه الذي يعيد تشكيل شعبه الآن Strong's.
الكلمة الثانية المهمة هي חֹמֶר (chômer)، H2563، وتعني الطين أو الوحل الرطب — أصلها من فكرة "الفوران" أو "التموّج"، كأنه شيء غير متماسك بذاته، يحتاج يدًا خارجية تعطيه شكلًا وثباتًا Strong's. حين يقول الله "أنتم كالطين"، هو لا يهين شعبه، بل يذكّرهم بحقيقةٍ أساسية: أنتم لستم مصدر شكلكم أو استقراركم، بل أنا هو الذي يمنحكم الشكل والثبات.
أما كلمة יָד (yâd)، H3027، "اليد"، فتتكرر مرتين في الآية: يد الفخاري، ثم "بيدي" — إشارة إلى القوة والفعل المباشر، لا القوة عن بعد. اليد في الفكر العبراني ترمز للسيطرة والتوجيه الفعّال Strong's. هذا التكرار المتعمّد يوازي بين يد الحرفي البشري ويد الله، ليقول: كما أن مصير الإناء بالكامل بين أصابع الفخاري، هكذا مصيركم بالكامل بين يديّ.
ولا تفوتنّ عبارة נְאֻם יְהֹוָה (nᵉʼum Yᵉhôvâh)، H5002 وH3068، "يقول الرب" — وهي صيغة رسمية تُستخدم في النبوءة لتُشعر السامع أن هذا ليس رأي إرميا الشخصي، بل وحيٌ مباشر من الاسم الأزلي "يهوه" نفسه، "الكائن الذاتي الأزلي" كما يفسّره أصل الاسم Strong's. الثقل كله في الآية يستند إلى هذا: المتكلم ليس فيلسوفًا يقترح فكرة، بل الإله الحيّ الذي يملك فعلاً سلطان التشكيل.
كيف تشير إلى المسيح
صورة الفخاري والطين لا تتوقف عند إرميا؛ هي خيطٌ يمتد عبر الكتاب كله ليجد معناه الأعمق في المسيح. إشعياء استخدم نفس الصورة قبل إرميا بعقود حين قال الشعب بتوبةٍ: "أنت أبونا، نحن الطين وأنت جابلنا" (إشعياء ٦٤: ٨) — وهنا الصورة نفسها تتحوّل من تحذيرٍ إلى صلاة ثقة. ثم يأخذها بولس الرسول في رومية ٩: ٢٠-٢١ ليتكلم عن سلطان الله في الخلاص، مستندًا مباشرة إلى نفس هذا المشهد من إرميا وإشعياء Jamieson-Fausset-Brown.
لكن الأعجب أن هذه الصورة بالذات، "الفخاري"، تظهر مجددًا عند صليب المسيح: الفضة التي دفعها يهوذا الإسخريوطي ثمنًا لخيانة يسوع اشتُري بها "حقل الفخاري" (متى ٢٧: ٩-١٠)، في إشارةٍ يربطها متى بنبوءة زكريا التي هي بدورها صدى لإرميا ١٨ Jamieson-Fausset-Brown. المسيح نفسه صار، بمعنى مروّع، الوعاء الذي "فسد" في أعين الناس ورُذل، ليصنع الله من رفضه خلاصًا لكثيرين — قمة المفارقة التي أشار إليها إرميا بلا أن يعرف مداها الكامل.
والأهم من هذا كله: يسوع هو الفخاري متجسّدًا. هو الكلمة التي بها "كل شيء كان" (يوحنا ١: ٣)، اليد التي جبلت آدم من التراب هي نفسها اليد التي صارت جسدًا لتُعيد تشكيل إنسانيةٍ مكسورة بالخطية. حين يقول بولس إننا "صنعته" (أفسس ٢: ١٠) — والكلمة اليونانية هناك ποίημα تعني عملاً فنيًا، صنيعة يدٍ ماهرة — فهو يستكمل بالضبط ما بدأه إرميا: نحن لسنا صانعي أنفسنا، بل صنيعة يدين تعرفان تمامًا كيف تُعدن الطين المفسود وتُشكّله من جديد على صورة المسيح (رومية ٨: ٢٩). ما كان تهديدًا في إرميا يصير في المسيح رجاءً: الفخاري الذي يستطيع أن يكسر، هو نفسه الذي مات ليعيد التشكيل بدل أن يحطّم.
التطبيق
تخيّل نفسك الآن كتلة طينٍ بين يدين. هذه ليست صورة رومانسية مريحة دائمًا؛ هي صورة تطلب منك أن تتخلّى عن شيءٍ عميق: وهم أنك تملك نفسك بالكامل، وأنك تعرف أفضل من الفخاري ما ينبغي أن تكون عليه شكلك النهائي.
كثيرون منّا يعيشون وكأنهم صخرٌ لا يتشكّل، لا يتغيّر، ثابتٌ على قناعاته ورغباته وخططه، ويطلبون من الله أن يبارك ذلك الثبات كما هو. لكن إرميا يقول لك اليوم بصراحةٍ لا لبس فيها: أنت لست صخرًا، أنت طينٌ. وهذا ليس إهانة، هذا تحرير. الصخر لا يمكن أن يصير شيئًا آخر غير ما هو عليه؛ أما الطين فقابلٌ لأن يصير إناء جميلاً، نافعًا، يحمل ماءً حيًّا لآخرين.
السؤال الذي تطرحه عليك هذه الآية ليس "هل تحبّ الله؟" بل أصعب: "هل تسمح ليده أن تضغط عليك، تعجنك، تعيد تشكيل جزءٍ فيك تحبّه وتتمسّك به، لأنه رأى فيه عيبًا لا تراه أنت؟" هذا هو الثمن. التوبة الحقيقية التي يدعو إليها هذا الأصحاح (انظر إرميا ١٨: ١١) ليست شعورًا بالأسف، بل استسلامًا عمليًا: أن تدع يد الله تُعيد تشكيل عادةٍ، علاقةٍ، طموحٍ، خطةٍ كنتَ متمسكًا بها كأنها أنت نفسك.
الخبر الجيد أن الفخاري في هذا المشهد لم يرمِ الطين الفاسد بعيدًا (إرميا ١٨: ٤). هو أعاد العمل عليه بيديه نفسها. إن كنت تشعر اليوم أنك "فسدت" بين يدي الحياة — علاقةٌ انهارت، خطيئةٌ تكررت، فشلٌ أثقلك — فاعلم أن هذا بالضبط الموضع الذي تصنع فيه يد الله أعمالها الأجمل: ليس مع الطين الكامل، بل مع الطين الذي اعترف بأنه فسد، وسلّم نفسه من جديد بين الأصابع.
نقاط للصلاة
- يا رب، اعترف أمامك أني حاولت أن أشكّل نفسي بنفسي، فامنحني نعمة أن أُسلّم يديّ ليديك.
- أرِني أين "فسدت" في حياتي هذه الأيام، ولا تدعني أهرب من إعادة تشكيلك لي مهما كلّف ذلك.
- اشكرك لأنك لم ترمِ الطين المكسور، بل أعدت تشكيله بصبر؛ فامنحني هذا الصبر مع نفسي ومع من حولي.
- ثبّتني على الحق أن هويتي ليست فيما بنيتُه لنفسي، بل فيما تصنعه أنت بيدك فيّ.
- أعطني قلبًا يخاف منك بالمعنى الصحيح، فلا أعامل عهدك أو نعمتك كضمانةٍ للحصانة من تأديبك.
تأمّلات
- ما هو ذلك الجزء من حياتك أو شخصيتك الذي تتمسّك به كصخرٍ ثابت، وترفض أن يُعاد تشكيله؟
- هل تعامل انتماءك لله (كنيستك، تاريخك الإيماني، عائلتك المسيحية) كضمانةٍ تجعلك فوق التأديب، كما ظنّ بنو إسرائيل؟
- متى كانت آخر مرة شعرت فيها أن حياتك "فسدت" بين يدي الله — وكيف تعاملتَ مع ذلك: بمقاومةٍ أم باستسلام؟
- ما الفرق العملي بين أن تخاف من يد الله التي تشكّلك، وأن تثق بها؟
- لو كنت تكتب اليوم وصفًا للإناء الذي تريد أن تصيره يد الله، فهل يشبه ما تريده أنت أصلاً؟