إرميا ١٤:٢٢
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
هَلْ يُوجَدُ فِي أَبَاطِيلِ الأُمَمِ مَنْ يُمْطِرُ، أَوْ هَلْ تُعْطِي السَّمَاوَاتُ وَابِلاً؟ أَمَا أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ إِلهُنَا؟ فَنَرْجُوكَ، لأَنَّكَ أَنْتَ صَنَعْتَ كُلَّ هذِهِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية مرّتين، وستلاحظ أنها ليست مجرد سؤالٍ بلاغي، بل صرخة قلبٍ ممزّق. إرميا يقف أمام شعبٍ يعاني جفافًا قاسيًا، والأرض متشقّقة، والسماء مغلقة كأنها نحاس. فيسأل سؤالين متتاليين: هل تقدر أصنام الأمم، هذه "الأباطيل"، أن تُنزل مطرًا؟ وهل تقدر السماء نفسها أن تُعطي وابلًا من ذاتها، بمعزلٍ عن الله؟ الجواب على السؤالين واضحٌ: لا. الأصنام لا تستطيع، والطبيعة نفسها ليست مصدر ذاتها؛ هي مجرد وسيلة في يد من صنعها Tyndale.
ثم يأتي الانعطاف: "أما أنت هو الرب إلهنا؟". هنا لا يسأل إرميا بشكٍّ، بل يعلن يقينًا وسط الألم. وهذا هو جوهر الآية: الاعتراف بأن الله وحده، لا الآلهة المزيّفة ولا الطبيعة المؤلَّهة، هو مصدر كل عطاءٍ حقيقي. والملاحظ أن العبارة الأخيرة "لأنك أنت صنعت كل هذه" ليست زخرفة كلامية، بل هي الأساس المنطقي لكل ما سبق: من صنع الكون هو وحده القادر أن يُحرّك عناصره.
هذه الآية هي خاتمة صلاة طويلة (إرميا ١٤:٧-٢٢) يرفعها إرميا نيابةً عن شعبٍ خائن، رغم أن الله نفسه طلب منه ألا يصلّي لأجلهم (إرميا ١٤:١١). فموقع الآية في السِّفر مؤثّر: هي صرخة رجاءٍ أخيرة من نبيٍّ يرفض أن يتخلّى عن التشبث بالله، حتى حين يبدو أن كل الأبواب مغلقة. لا خلاف عقائديّ كبير هنا بين التقاليد المسيحية؛ الجميع يتّفقون أن الآية تعليمٌ صريح في التوحيد وسيادة الله على الطبيعة.
السياق التاريخي
كتب إرميا هذا السفر في فترة مضطربة من تاريخ يهوذا، تمتدّ تقريبًا من سنة ٦٢٧ إلى ٥٨٦ ق.م، في الأيام الأخيرة قبل سقوط أورشليم وخراب الهيكل على يد البابليين. هذا الإصحاح بالذات يعود على الأرجح إلى أواخر عهد يوشيا أو بداية عهد يهوياقيم، حين ضرب البلاد جفافٌ شديد أوقف الأمطار الموسمية التي كانت حياة الزراعة كلها تعتمد عليها Matthew Henry.
تخيّل المشهد: أرضٌ تعتمد كليًّا على مطرَي الخريف والربيع (المبكر والمتأخر)، وفجأة تتوقف السماء. الآبار تجفّ، والمواشي تهيم بلا كلأ، والفلاحون يقفون أمام حقولهم المتشققة عاجزين. في تلك اللحظة بالذات كانت العبادة الوثنية منتشرة بقوة بين اليهود؛ كثيرون كانوا يلجأون إلى بعل، الإله الكنعاني الذي زُعم أنه سيّد العواصف والمطر، ظنًّا أنه القادر على فتح السماء حين يغضب الرب الحقيقي. بل حتى بين الأمم المجاورة كانت هناك عبادات لآلهة يُنسب إليها التحكّم بالمطر تحديدًا، وكأنها "وزارة الطقس" السماوية في أذهانهم John Gill.
في هذا السياق يأتي إرميا ليواجه شعبه بحقيقة مُرّة: خيانتهم لله هي سبب الجفاف، وليس غضب بعل أو غياب رضاه. لكن بدل أن يترك الشعب في يأسهم، يرفع صلاةً بالنيابة عنهم، رغم معرفته أن الله قد أعلن رفضه الاستماع لشفاعته (إرميا ١٤:١١-١٢). هذا يكشف قلب النبي: رجلٌ ممزّق بين أمانته لكلمة الله القاسية وحبّه لشعبه الخاطئ. والآية الأخيرة هذه هي ذروة تلك الصلاة، حيث يرفض إرميا أن يقبل بأي بديلٍ عن الله الحقيقي، حتى وهو يقف وسط أنقاض شعبٍ عاقبه الجفاف بسبب خيانته.
اللغة الأصلية
كلمة "أباطيل" في العربية تترجم العبرية הֶבֶל (hebel), H1892، وهي كلمة قوية المعنى: تعني حرفيًّا بخارًا أو نفَسًا يتبدد، شيئًا فارغًا زائلًا لا ثبات له Strong's. هي الكلمة نفسها التي يستخدمها سفر الجامعة مرارًا ("باطل الأباطيل"). حين يصف إرميا آلهة الأمم بـ"هبل"، فهو لا يسخر منها فحسب، بل يقول: أنتم تطاردون بخارًا، شيئًا لا وزن له ولا وجود حقيقيّ.
مقابلها في الآية اسم الله الشخصي יְהֹוָה (Yᵉhôvâh)، H3068، الاسم الذي يعني "الكائن الأزلي" أو "أنا هو الذي أكون"، الاسم الذي كشفه الله لموسى عند العليقة. إرميا يضع "هبل" في مواجهة "يهوه" مباشرة: الفراغ الزائل مقابل الوجود الأزلي الحقيقي Strong's.
كلمة أخرى مهمة هي גָּשַׁם (gâsham)، H1652، فعلٌ يعني أن تُمطر بشدّة أو غزارة، وليس مجرد رذاذ خفيف Strong's. إرميا لا يسأل عن نقطة ماء، بل عن مطرٍ حقيقيٍّ يُروي الأرض. ثم فعل קָוָה (qâvâh)، H6960، المترجم "نرجوك"، ومعناه الأصلي أن تجدل الخيوط معًا أو تنتظر بترقّب متشابك، كمن يفتل حبلًا Strong's. هذا ليس رجاءً باهتًا، بل انتظارٌ متمسّك، كأن النبي يشدّ حبل ثقته بالله رغم كل الظروف.
وأخيرًا الفعل עָשָׂה (ʻâsâh)، H6213، "صنعتَ"، الفعل الأشمل في العبرية للفعل والصنع، نفس الفعل المستخدم في سفر التكوين لوصف خلق الله للسماوات والأرض Strong's. حين يقول إرميا "أنت صنعتَ كل هذه"، فهو يستحضر عمدًا لغة الخليقة الأولى، ليقول: يا من خلقتَ الكون من العدم، أنت وحدك قادر أن تُعيد فتح السماء المغلقة.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تضع إصبعها على جرحٍ أعمق من الجفاف الجسدي: جفاف القلب البشري الذي يبحث عن الحياة في كل مكانٍ إلا عند مصدرها الحقيقي. وهذا بالضبط ما يواجهه يسوع عند بئر يعقوب حين يقول للمرأة السامرية: "من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد" (يوحنا ٤:١٤). إرميا يسأل: هل تقدر الأباطيل أن تُمطر؟ ويسوع يجيب عمليًّا: أنا الماء الحيّ الذي لا تُغنيه آبار هذا العالم المكسورة.
والأعمق من ذلك، أن بولس يقف أمام أهل ليكأونية الوثنيين ويقول لهم كلامًا يصدح بنفس روح إرميا: إن الله "لم يترك نفسه بلا شاهد، وهو يفعل خيرًا، يعطينا من السماء أمطارًا وأزمنة مثمرة" (أعمال الرسل ١٤:١٧). هذا صدى مباشر لسؤال إرميا: الله وحده مصدر كل عطاء صالح، والوثنية دومًا محاولة يائسة لاستبدال الخالق بالمخلوق Jamieson-Fausset-Brown.
لكن هناك خيطٌ أعمق: إرميا نفسه صورةٌ ناقصة عن المسيح. هو النبي الذي يرفض التوقف عن الشفاعة رغم أن الله أمره أن يكفّ (إرميا ١٤:١١)، محبته لشعبه الخائن أقوى من طاعته الحرفية للأمر. هذا يستبق، من بعيد وبصورة كسيرة، شفاعة المسيح الكاملة، الذي لم يكفّ عن الشفاعة لأجل خطاة رفضوه، بل مات لأجلهم وهو حيّ الآن "ليشفع فيهم" (رومية ٨:٣٤؛ عبرانيين ٧:٢٥). إرميا يشفع بدموعٍ عاجزة عن تغيير القرار؛ المسيح يشفع بدمٍ غيّر مصير الدينونة كلها.
التطبيق
اسألك سؤالًا بسيطًا: حين تجفّ حياتك، إلى أين تركض أولًا؟ ليس بالضرورة إلى صنمٍ خشبي؛ أصنامنا اليوم أنعم مظهرًا: العمل الذي يملأ فراغك، أو المال الذي يمنحك الأمان، أو علاقةٌ تظن أنها ستُروي عطشك، أو حتى قلقٌ مستمر تحاول من خلاله السيطرة على ما لا تملك السيطرة عليه. كلها، بلغة إرميا، "هبل" — بخار، لا يمسكه أحد ولا يُشبع أحدًا.
الآية لا تطلب منك أن تتوقف عن الرجاء، بل أن توجّه رجاءك إلى مصدره الصحيح. لاحظ أن إرميا لم يقل "سأنتظر لأن الوضع سيتحسّن"، بل "نرجوك لأنك أنت صنعت كل هذه". رجاؤه مبنيّ على هوية الله، لا على ظروفه. هذا فرقٌ جوهري بين التفاؤل الساذج والإيمان الحقيقي: التفاؤل يقول "ربما تتحسّن الأمور"، أما الإيمان فيقول "أنت هو الرب، مهما جفّت السماء".
الثمن هنا محدَّد وصعب: أن تعترف صراحةً بأن كل ملاذاتك البديلة — مهما بدت عملية أو معقولة — فارغة. أن تكفّ عن الجدَل مع الله وتقول له كما قال إرميا: أنت وحدك. هذا يعني أحيانًا أن تترك مشروعًا كنت تعتمد عليه أكثر من اعتمادك على الله، أو تكفّ عن طمأنة نفسك بأشياء تملأ الفراغ مؤقتًا. الجفاف في حياتك، أيًّا كان شكله، ليس دعوةً للبحث عن "بعل" جديد، بل دعوةً للرجوع إلى من صنع السماء والأرض، والذي وحده يستطيع أن يفتح ما أغلقته خطيتك أو ظروفك.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أنني أحيانًا أركض إلى ملاذاتٍ فارغة قبل أن أركض إليك، فاغفر لي وردّ قلبي إليك أنت وحدك.
- علّمني أن أرجوك رجاءً حقيقيًّا متمسّكًا، كمن يفتل حبلًا، لا رجاءً باهتًا يتبدد عند أول جفاف.
- في أوقات الجفاف الروحي أو المادي في حياتي، ذكّرني أنك أنت من صنع كل شيء، وأنك وحدك القادر أن تفتح السماء.
- امنحني الجرأة أن أسمّي أصنامي الحقيقية باسمها، وأن أعترف أنها لا تقدر أن تُمطر شيئًا حقيقيًّا في حياتي.
- اجعلني كإرميا، لا أكفّ عن الشفاعة والرجاء لأجل من حولي، حتى حين تبدو الظروف بلا أمل.
تأمّلات
- ما هي "الأباطيل" التي تركض إليها أنت تحديدًا حين تجفّ حياتك؟ سمِّها بصراحة.
- هل رجاؤك بالله مبنيّ على هويته الثابتة، أم على تحسّن ظروفك؟ كيف تفرّق بينهما في حياتك اليومية؟
- متى كانت آخر مرة اعترفتَ لله صراحةً: "أنت وحدك القادر، لا غيرك"؟
- إرميا استمرّ يصلّي رغم أن الله طلب منه التوقف. هل هناك من تخلّيتَ عن الصلاة لأجله بسبب يأسك؟
- إذا كان الله هو الذي "صنع كل هذه"، فما الذي يمنعك اليوم من الثقة به في المساحة التي تشعر فيها بالعجز؟