إشعياء ٥٥:٦
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ." كلمتان فعليتان فقط: اطلبوا، ادعوه. لكن انظر إلى الشرطين المرتبطين بهما: "ما دام يوجد" و"وهو قريب". هذه ليست دعوةً مفتوحةً بلا حدود، بل دعوةٌ لها نافذة زمنية. الله هنا لا يقول "اطلبوني متى شئتم"، بل يشير إلى لحظةٍ خاصة، فرصةٍ قائمة الآن، لن تبقى مفتوحةً إلى الأبد Tyndale.
الآية تقع في ختام إشعياء ٥٥، وهو أشبه بدعوة عشاءٍ مفتوحة: "يا كل عطشان هلمّوا إلى المياه" (إشعياء ٥٥:١). كل الأصحاح نداءٌ حارٌّ ليعود الشعب المسبيّ في بابل إلى الرب، بعد أن قضى عمرًا يشتري "بغير فضةٍ ما ليس خبزًا" (إشعياء ٥٥:٢). فآيتنا هي القمة العملية لهذا النداء: توقّف عن الجري وراء ما لا يُشبع، واطلب مَن يُشبع، الآن.
ما يسهل تفويته هو الفعل "دَرَش" وراء كلمة "اطلبوا". هذا ليس مجرد تفكيرٍ عابرٍ في الله، بل هو سعيٌ جاديٌّ متعطّشٌ، كمن يبحث عن كنزٍ ضائع أو يقتفي أثرًا Strong's. والقُرب المذكور ليس قربًا مكانيًّا فقط، بل قربٌ يتيح اللقاء الآن، في هذه اللحظة بالذات. الربّانيون القدامى فهموا هذا بوضوح: هي دعوةٌ للتوبة قبل فوات الأوان، إذ "بعد الموت لا توبة للنفس" Adam Clarke.
هنا يختلف القراء قليلًا في التطبيق: بعض المسيحيين يشدّدون على الجانب الفردي الحادّ - أن لكل إنسانٍ لحظته الخاصة التي قد تنغلق (كما في وعظ الإنجيل عن "اليوم إن سمعتم صوته"). وآخرون يشدّدون على أن الله، بحسب هذا النص، أمينٌ في إبقاء الباب مفتوحًا طوال هذه الحياة الأرضية، وأن التحذير يخصّ الإهمال لا القنوط. كلا القراءتين تتفقان على شيءٍ واحد: التأجيل خطر.
السياق التاريخي
هذا الكلام موجَّهٌ لشعبٍ يعيش في أرضٍ ليست أرضه. الإصحاحات ٤٠-٥٥ من إشعياء تخاطب اليهود المسبيّين في بابل، في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، بعدما هُدم الهيكل وسُبي الشعب سنة ٥٨٦ ق.م. تخيّل جيلًا كاملًا وُلد بعيدًا عن أورشليم، لا يعرف الهيكل إلا من حكايات الأجداد، محاطًا بآلهةٍ بابلية ضخمة من ذهبٍ وفضة، وسط حضارةٍ قويةٍ ساحقة تجعل إيمانهم بإلهٍ لا يُرى يبدو ضعيفًا وغير منطقي.
في هذا السياق، جاء إشعياء (سواء كان النبي نفسه في القرن الثامن يتنبأ مسبقًا، أو - كما يرى كثير من الباحثين - كتابةً لاحقة تخاطب جيل السبي مباشرة) بكلامٍ يبدو غريبًا وسط اليأس: خبرٌ سارٌّ عن عودةٍ قادمة، عن كورش الفارسي الذي سيُطلق سراحهم (إشعياء ٤٥)، وعن الله الذي لم يتخلَّ عنهم رغم كل شيء.
لكن الخطر الحقيقي لم يكن في بقاء الشعب في السبي، بل في أن يستسلموا لآلهة بابل، يذوبوا في ثقافتها، وينسوا الرب تمامًا. فالنداء "اطلبوا الرب ما دام يوجد" له وقعٌ عمليٌّ ملموس: كانت هناك لحظة تاريخية - الإذن بالعودة - ستأتي وتمضي. من يتقاعس عن السعي، من يستريح في راحة بابل الزائفة، قد يفوته القطار. هذا صدى واضح لدعوة عاموس قبل قرنين: "اطلبوا الرب فتحيوا" (عاموس ٥:٦)، حيث كان التأخير في طلب الله يعني السقوط تحت دينونةٍ لا مفرّ منها.
والجميل أن هذا النداء لا يقتصر على شعبٍ بعينه أو زمنٍ بعينه. فالأصحاح كله يفتح الباب واسعًا: "كل عطشان"، بلا شرط جنسٍ أو نسب. هذا امتدادٌ لروح الأصحاحات الأخيرة من إشعياء التي تتطلع إلى يومٍ تُدعى فيه الأمم كلها لتعرف الرب، لا إسرائيل وحدها.
اللغة الأصلية
الفعل الأول "اطلبوا" هو דָּרַשׁ (dârash، H1875)، وأصله يعني السير وراء أثرٍ أو تكرار الذهاب إلى مكانٍ بحثًا عن شيء. هو فعلٌ يحمل رائحة العرق، لا مجرد تفكيرٍ خاطف. يُستخدم أيضًا للعبادة والاستشارة، وكأن طلب الله هو ممارسةٌ متكررة، لا لحظة عابرة Strong's. كيل وديليتش يلاحظان أن معناه الجذري "أن يُحتَكّ به" أو "يُعرَف معرفةً اختباريةً وثيقة" - أي أن السعي المطلوب هنا هو سعيٌ نحو معرفةٍ حميمة بالله، لا مجرد معرفةٍ نظرية عنه Keil-Delitzsch Old Testament.
ثم يأتي מָצָא (mâtsâʼ، H4672)، "يُوجَد"، من جذرٍ يعني الظهور أو الحضور الفعلي. الله ليس مختبئًا بطبيعته، بل هو الذي "يظهر" و"يُدرَك" لمن يطلبه بجدّ - لكن هذا الظهور مرتبطٌ بزمن.
الفعل الثاني "ادعوه" هو קָרָא (qârâʼ، H7121)، وهو فعل النداء والمناداة باسم، كأنك تصرخ لصديقٍ تعرفه. وليس مجرد "طلب" عام، بل نداءٌ شخصيٌّ مباشر - جيمسون وفوست وبراون يلاحظان أنه أقوى من الفعل الأول، وكأن الآية تتصاعد من السعي إلى الصراخ المباشر Jamieson-Fausset-Brown.
وأخيرًا كلمة "قريب" قָרוֹב (qârôwb، H7138)، من جذرٍ يعني الاقتراب في المكان أو الزمان أو القرابة. الكلمة تحمل دفء العائلة، لا برود المسافة. الله هنا ليس بعيدًا يُنادى من وراء حجاب، بل قريبٌ كقريبٍ من العائلة يمكن الوصول إليه فورًا. هذا صدى مباشر لمزمور ١٤٥:١٨: "الرب قريبٌ لكل الذين يدعونه". اسم الرب المستخدم هنا هو יְהֹוָה (Yᵉhôvâh، H3068)، الاسم الشخصي الخاص لله، اسم العهد - فالدعوة ليست لطلب "إلهٍ" عام، بل لطلب هذا الإله بالذات، الذي التزم بعهدٍ مع شعبه.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية تفتح بابًا يظل مفتوحًا حتى يُغلق فعليًّا في المسيح. فكل هذا الأصحاح - العطشى المدعوون مجانًا، العهد الأبدي الموعود، مراحم داود الصادقة (إشعياء ٥٥:٣) - يجد تحقيقه في يسوع الذي هو "نعم" لكل وعود الله (٢كورنثوس ١:٢٠). عندما يقول يسوع: "إن عطش أحدٌ فليُقبل إليّ ويشرب" (يوحنا ٧:٣٧)، فهو يتكلم بلغة إشعياء ٥٥ نفسها، بل يقدّم نفسه بوصفه الجواب على تلك الدعوة.
لكن الأهم هنا هو فكرة "القرب" المحدود بزمن. كاتب الرسالة إلى العبرانيين يأخذ هذا المنطق بالذات - أن هناك "يومًا" يجب فيه سماع صوت الله قبل أن يقسو القلب (عبرانيين ٣:١٣،١٥) - ويربطه مباشرةً بخطر إهمال "خلاصٍ هذا مقداره" (عبرانيين ٢:٣). فالمسيح هو اللحظة التي فيها اقترب الله من البشر أقرب ما يكون: "الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا" (يوحنا ١:١٤). الله لم يعد قريبًا فقط بالمعنى المجازي، بل صار قريبًا بالجسد، يُلمَس ويُخاطَب وجهًا لوجه.
وهذا يمنح الآية ثقلًا مضاعفًا في ضوء العهد الجديد: إن كان القرب في أيام إشعياء كان مرتبطًا بلحظةٍ تاريخية (فرصة العودة من بابل)، فالقرب في المسيح مرتبطٌ بلحظةٍ نهائية - يوم الصليب والقيامة، ثم يوم مجيئه الثاني الذي سيُغلق فيه باب النعمة إلى الأبد. بولس يستعير هذه اللغة بالذات حين يكتب: "هوذا الآن وقتٌ مقبول، هوذا الآن يوم خلاص" (٢كورنثوس ٦:٢)، مقتبسًا روح إشعياء نفسه. فالدعوة التي وُجّهت لمسبيّي بابل هي بعينها الدعوة التي توجَّه اليوم لكل من يسمع الإنجيل: النافذة مفتوحة، والمسيح هو الباب، لكن لا أحد يضمن أن تبقى مفتوحةً غدًا.
التطبيق
اسمح لي أن أكون صريحًا معك: أخطر كلمةٍ في هذه الآية ليست "اطلبوا" بل "ما دام". نحن نحب أن نؤجّل. نقول لأنفسنا: "سأطلب الله حين تهدأ الأمور"، "حين أكبر قليلًا"، "حين تنتهي هذه المرحلة المزدحمة من حياتي". لكن الآية لا تعطيك هذا الوعد. هي تقول: اطلبه الآن، لأن "الآن" ليست ملكك دائمًا.
فكّر في آخر مرة شعرت فيها بأن الله قريب - في صلاةٍ صادقة، في لحظة ضعفٍ اعترفت فيها بحاجتك، في وعظٍ لامس شيئًا فيك. هل استجبت، أم قلت "لاحقًا"؟ الله لا يتغيّر، لكن قلبك يتغيّر. القرب الذي تشعر به اليوم قد يتحوّل غدًا إلى برودةٍ لا تفهم سببها، لا لأن الله ابتعد، بل لأنك أنت من اعتدت التجاهل حتى صار صوته خافتًا.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس معقدًا، لكنه مكلف: التوقف. توقف عن الجري وراء ما يُشبعك مؤقتًا - عملك، هاتفك، خططك - وابحث عن الله بالجدّية نفسها التي تبحث بها عن أي شيءٍ تريده حقًّا. الفعل العبري يعني أن تسعى كمن يقتفي أثرًا، لا كمن يُلقي نظرةً عابرة. هذا يعني وقتًا فعليًّا: دقائق تجلس فيها بلا هاتف، تفتح الكتاب المقدس وتصلّي بصوتٍ واضح، لا همسًا خجولًا.
والدعوة الثانية "ادعوه" أشدّ حرارة: لا تكتفِ بالبحث الفكري، بل اصرخ. قل لله بكلماتك أنت: أنا هنا، أنا محتاج، أنا آتٍ. لا تنتظر أن تكون كلماتك مثالية أو صلاتك فصيحة. القرب الذي وعد به الله ليس مكافأةً على الكمال، بل استجابةٌ لصدق النداء.
اليوم - لا غدًا - هو يومك المقبول.
نقاط للصلاة
- يا رب، اغفر لي كل مرةٍ أجّلت فيها طلبك ظنًّا مني أن الوقت سيبقى ملكي.
- أعطني قلبًا يسعى وراءك بجدٍّ، لا فتورًا يكتفي بالتفكير فيك من بعيد.
- علّمني أن أدعوك بصدقٍ الآن، دون انتظار كلماتٍ مثالية أو ظروفٍ مناسبة.
- ذكّرني كل يومٍ أن قربك ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، فامنحني حساسيةً لصوتك.
- اجذبني إليك أيها القريب، وأنقذني من برود القلب الذي يعتاد التأجيل.
تأمّلات
- ما هي الأمور التي أؤجّل بسببها طلب الله، وهل أستطيع أن أسميها بصدق الآن؟
- متى شعرت آخر مرة بأن الله قريبٌ فعلًا، وماذا فعلت بهذا الشعور؟
- هل صلاتي أشبه بسعيٍ جادٍّ يقتفي أثرًا، أم بنظرةٍ عابرة أرميها نحو السماء بين مشاغلي؟
- لو كان اليوم آخر فرصةٍ لي لأطلب الله وأدعوه، ماذا كنت سأفعل مختلفًا؟
- هل أعامل قرب الله كأمرٍ مضمونٍ دائمًا، أم كهبةٍ يجب أن أستجيب لها بجدّية الآن؟