إشعياء ٣٥:٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
حِينَئِذٍ تَتَفَقَّعُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببساطة أولًا: "حينئذٍ تتفقّع عيون العمي، وآذان الصمّ تتفتّح." كلمة "حينئذٍ" هي المفتاح هنا — إنها لا تصف حالةً دائمة، بل لحظةً قادمة، حدثًا سيأتي. والسؤال الطبيعي: متى؟ الجواب في الآيات التي قبلها مباشرة: حين "يأتي إلهكم... هو يأتي ويخلّصكم" (إشعياء ٣٥:٤). فهذه الآية ليست وعدًا طبّيًّا عامًّا، بل نتيجةٌ مباشرة لمجيء الله نفسه إلى شعبه.
الظاهر الجليّ: الله سيشفي العمي والصمّ حرفيًّا. هذا وعدٌ بمعجزاتٍ جسدية حقيقية، وقد رآه القرّاء الأوائل كصورةٍ لعودة إسرائيل من السبي، حين ينفتح كل ما كان مغلقًا ويُرمَّم كل ما كان مكسورًا Jamieson-Fausset-Brown.
لكن ما يسهل تفويته هو أن هذا العمى والصمم ليسا فقط في العين والأذن. في كل الكتاب — وخصوصًا في إشعياء نفسه (٦:١٠، ٤٢:١٨-٢٠، ٤٣:٨) — العمى والصمم صورتان لقلبٍ لا يرى الله ولا يسمع صوته. فحين يقول إشعياء "تتفتّح آذان الصمّ"، هو يتكلم عن شفاءٍ جسديٍّ يحمل في طيّاته شفاءً أعمق: انفتاح البصيرة والفهم Tyndale.
موضع الآية في القصة الأكبر: الأصحاح ٣٥ هو "استراحة الأمل" وسط أصحاحاتٍ مظلمة عن الدينونة (٣٤) قبل أن يبدأ سفر الملك حزقيا وسبي بابل. إنه يقفز فوق الظلمة القريبة إلى فجرٍ بعيد.
وهنا يختلف القراء المسيحيون قليلًا في التركيز: بعضهم يرى تحقيقًا كاملًا في عودة اليهود من السبي وترميم إسرائيل، وبعضهم يرى تحقيقًا حرفيًّا في معجزات المسيح، وآخرون يرون فيها أيضًا تحقيقًا روحيًّا مستمرًّا حتى اليوم في كل من تفتح عيناه على الإنجيل. الحقيقة أن هذه القراءات لا تتعارض، بل تتكامل — كطبقاتٍ من وعدٍ واحد.
السياق التاريخي
كتب إشعياء هذا النص على الأرجح في القرن الثامن قبل الميلاد، ربما حوالي سنة ٧٠٠ ق.م، حين كانت مملكة يهوذا محاصرةً بين قوتين عظميين: أشور من الشمال، وبقايا مصر من الجنوب. الشعب كان يعيش في قلق دائم — جيوش تتحرك، ملوك يتحالفون ويخونون، وتهديدٌ بالسبي يلوح في الأفق. هذا هو المزاج العام الذي كتب فيه إشعياء أصحاحاته الأولى.
لكن أصحاح ٣٥ يبدو وكأنه يقفز فوق الزمن. فبعده مباشرة يأتي سردٌ تاريخيّ (أصحاح ٣٦-٣٩) عن غزو سنحاريب الأشوري لأورشليم، ثم تبدأ الأصحاحات اللاحقة (٤٠ فصاعدًا) بالحديث عن العودة من سبي بابل الذي سيحدث بعد قرنٍ ونصف تقريبًا. فإشعياء هنا يقف في نقطة مظلمة من التاريخ، وينظر عبرها إلى فرحٍ لم يأتِ بعد.
تخيّل الحال: أناسٌ سيُقتلَعون من أرضهم، يُساقون إلى بلادٍ غريبة، يفقدون هيكلهم ومدينتهم. في هذا السياق، الحديث عن "عيون تتفقّع" و"آذان تتفتّح" لم يكن مجرد كلامٍ عن معجزاتٍ طبية فردية، بل عن أمةٍ بأكملها كانت كالعمي والصمّ روحيًّا — لا ترى يد الله، ولا تسمع كلمته وسط الكوارث. الوعد كان: يومًا ما، سيأتي الله نفسه ويفتح كل هذا.
النص ينتمي إلى ما يسمّيه الدارسون "سفر العزاء" في إشعياء (الأصحاحات ٤٠-٦٦ خصوصًا، لكن ٣٥ يمهّد لها)، حيث تتحول النبرة من التحذير إلى الرجاء. وقد لاحظ مفسّرون قدامى أن هذه الصور — الصحراء تتحول إلى جنّة، والعمي يبصرون — هي بالضبط اللغة التي استُخدمت لاحقًا لوصف "الأيام الأخيرة"، زمن الخلاص الشامل Keil-Delitzsch Old Testament.
اللغة الأصلية
في العبرية، الآية تستخدم أفعالًا حسّية دقيقة تستحق التوقف عندها.
كلمة "تتفقّع" تترجم الفعل العبري פָּקַח (pâqach)، رقم سترونغ H6491، ومعناه فتح الحواسّ، وخصوصًا العينين، بل يحمل أيضًا معنى أن تصير متيقّظًا ومنتبهًا Strong's. هذا ليس مجرد "فتح" عاديّ كفتح باب — إنه فعلٌ يصف انتقالًا من غفلةٍ تامة إلى إدراكٍ كامل. العين نفسها هي עַיִן (ʻayin)، H5869، وهي كلمة تعني العين حرفيًّا، لكنها تُستعمل مجازيًّا أيضًا للدلالة على "ينبوع" — كأن العين هي نبع النور في الوجه Strong's. أما "الأعمى" فهو עִוֵּר (ʻivvêr)، H5787، وجذره يحمل معنى التكثيف — أي عمًى شديدًا لا مجرد ضعف بصر Strong's.
وفي الشطر الثاني، "الصمّ" هو חֵרֵשׁ (chêrêsh)، H2795، وقد لاحظ أحد الدارسين القدامى أن الكلمة تُستعمل في العبرية "سواء حرفيًّا أو روحيًّا" — أي أن اللغة نفسها تفتح الباب لفهمٍ أعمق من مجرد ضعف السمع الجسديّ Strong's. والأذن هي אֹזֶן (ʼôzen)، H241. أما الفعل "تتفتّح" فهو פָּתַח (pâthach)، H6605، ومعناه فتحًا واسعًا، وله ظلالٌ من معاني "البدء" و"التحرير" Strong's — كأن ما كان مغلقًا ومحبوسًا يُطلَق سراحه.
اللافت أن الفعلين "تتفقّع" و"تتفتّح" مختلفان في العبرية، لكن كليهما يحملان معنى الانفتاح المفاجئ الكامل، لا التدريجي البطيء. هذا ليس شفاءً يأتي بالتمرين أو العلاج، بل حدثًا يحدث في لحظة — لأن الله نفسه هو الفاعل.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية من أوضح النبوءات التي وجدت تحقيقًا حرفيًّا مباشرًا في حياة يسوع، وهو نفسه أشار إلى ذلك. حين أرسل يوحنا المعمدان تلاميذه ليسألوا يسوع: "أأنت الآتي أم ننتظر آخر؟"، لم يجب يسوع بكلامٍ نظريّ، بل أشار إلى أفعاله: "العمي يبصرون، والعرج يمشون... والصمّ يسمعون" (متى ١١:٥؛ لوقا ٧:٢٢) — وهي عبارات مأخوذة حرفيًّا من هذا الأصحاح. بهذا كان يسوع يقول بوضوح: أنا هو الذي ينتظره إشعياء، وهذا اليوم الذي وعد به الله قد أتى فيّ.
وقد تكرر هذا في وقائع محددة: شفاء الأعمى المولود أعمى في يوحنا ٩، وفتح أذن وفم الأخرس في متى ١٢:٢٢، وشفاء العمي والعرج في الهيكل في متى ٢١:١٤. هذه ليست مصادفات، بل إعلانات متعمّدة: الله الذي وعد أنه "يأتي ويخلّصكم" في إشعياء ٣٥:٤، أتى فعلًا في شخص المسيح، والدليل على هويته هو بالضبط هذه المعجزات Matthew Henry.
لكن الأعمق من الشفاء الجسدي هو ما أشار إليه يسوع نفسه في يوحنا ٩:٣٩: أنه أتى ليفتح عيونًا لا ترى، ويكشف عمى من يظنون أنهم يبصرون. فالمسيح لا يشفي فقط أعينًا جسدية، بل يفتح "عيني القلب" — كما يقول بولس لاحقًا (أفسس ١:١٨) — ليرى الإنسان الله وحقيقة نفسه ومجد الخلاص. هذا هو الشفاء الأعمق الذي تشير إليه نبوءة إشعياء: ليس فقط استعادة حاسة، بل ولادة إدراكٍ جديد لم يكن موجودًا من قبل John Gill.
وحين يعود المسيح ثانيةً، يكتمل هذا الوعد كليًّا: لا مرضى بعد، لا عمى ولا صمم، جسديًّا ولا روحيًّا — هذا هو أفق الرجاء الذي تفتحه هذه الآية نحو المستقبل الأبديّ.
التطبيق
دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: هل أنت أعمى؟ لا أقصد عينيك، بل قلبك. هل هناك حقيقة عن الله واضحة كالشمس، ومع ذلك أنت لا تراها؟ هل هناك كلام يقوله لك بوضوح في كتابه، وأذناك مغلقتان عنه رغم أنك تسمع الكلمات؟
هذا ما يخبرنا به هذا النص: العمى الحقيقي ليس دائمًا في العين. أحيانًا نرى بعيوننا كل شيء إلا الله. نسمع بآذاننا كل صوتٍ إلا صوته. وهذا ليس عيبًا نولد به فقط، بل حالة نحميها أحيانًا لأننا نخاف مما سنراه لو انفتحت أعيننا حقًّا — ضعفنا، خطيتنا، حاجتنا الحقيقية له.
الخبر المفرح هنا أن الله لا يترك هذا العمى دائمًا. هو يأتي بنفسه. لاحظ أن النص لا يقول "افتحوا أعينكم" كأمرٍ للناس، بل "تتفقّع عيون العمي" — الله هو الفاعل. أنت لا تستطيع أن تفتح عين قلبك بجهدك، كما لا يستطيع الأعمى أن يعالج نفسه. هذا يحتاج لمسة إلهية.
لكن هذا لا يعني أن لا شيء يُطلب منك. الثمن هنا هو الاعتراف — أن تقول بصدق: "أنا لا أرى. أنا لا أسمع كما يجب." هذا صعب لأننا نحب أن نظن أننا مبصرون بالفعل. تذكّر ما قاله يسوع للفريسيين الذين ادّعوا البصر: "لو كنتم عميانًا لما كانت لكم خطية، ولكن الآن تقولون إننا نبصر، فخطيتكم باقية" (يوحنا ٩:٤١، بتصرف).
فاسأل نفسك اليوم بصدق: أين أنا أعمى ولا أعترف؟ وهل أنا مستعدّ أن أطلب من الله أن يفتح عينيّ، حتى لو كشف لي ما لا أريد أن أراه؟
نقاط للصلاة
- يا رب، افتح عينَيّ لأرى مجدك وحضورك في وسط ظروفي المظلمة اليوم، كما فتحت عيون العمي في زمن إشعياء.
- أعترف أن هناك مناطق في قلبي أرفض أن أراها بوضوح — أعطني الشجاعة أن أطلب منك كشفها.
- افتح أذنيّ لكلمتك، حتى لا أسمعها فقط بأذنيّ بل يتغيّر بها قلبي.
- أشكرك لأنك أنت الذي أتيت في المسيح لتشفي كل عمى وصمم، جسديًّا وروحيًّا، وليس أنا من يشفي نفسي.
- علّمني أن أنتظر يومك الأخير الذي فيه يكتمل هذا الشفاء كاملًا، فأثبت في الرجاء وسط ضعفي الحاضر.
تأمّلات
- ما هي الحقيقة عن الله أو عن نفسي التي أشعر أنني "أراها" لكنني في الحقيقة أتهرب من رؤيتها بوضوح؟
- متى كانت آخر مرة سمعتُ فيها كلمة الله فعلًا — لا فقط قرأتها بعيني مرورًا، بل تركتها تفتح شيئًا مغلقًا في داخلي؟
- هل أثق أن الله وحده قادر أن يفتح ما هو مغلق فيّ، أم أحاول أن "أشفي نفسي" بجهدي الخاص؟
- حين أفكر في معجزات يسوع لفتح أعين العمي، هل أومن حقًّا أنه قادر أن يفعل الأمر نفسه بقلبي اليوم؟
- ما الثمن الذي أخاف أن أدفعه لو انفتحت عيناي تمامًا على حقيقة حالي أمام الله؟