إشعياء ١٩:٢٥
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
بِهَا يُبَارِكُ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلاً: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية مرّتين، وستشعر بغرابتها. الله يبارك ثلاث أمم بنفس الكلمات الحانية: "شعبي"، "عمل يديّ"، "ميراثي". المشكلة أن هذه الألقاب الثلاثة كانت محجوزة، في كل صفحات العهد القديم، لإسرائيل وحده. "شعبي" هذا ما كان الله يقوله عن بني إسرائيل الذين أخرجهم من عبودية مصر. و"ميراثي" هذا لقبٌ لإسرائيل تحديدًا، كما ترى في تثنية ٣٢:٩ "إنّ قسم الرب هو شعبه، يعقوب حبل نصيبه". لكن هنا، فجأة، مصر تُدعى "شعبي"! وأشور تُدعى "عمل يديّ"! وإسرائيل يأتي أخيرًا، ثالثًا في الترتيب، بعدما جاءتا هي قبله.
هذا ليس سهوًا من إشعياء. هذا هو بيت القصيد. مصر وأشور كانتا ألدّ أعداء إسرائيل التاريخيين — مصر أرض العبودية، وأشور القوة الوحشية التي ستسحق مملكة إسرائيل الشمالية. ومع ذلك، في هذه الآية الواحدة، يذوب العداء، وتصير الأمم الثلاث "مباركة" معًا، بلا تراتبية حقيقية في القيمة، وإن بقي ترتيب الذكر. لاحظ أيضًا ما قبل هذه الآية مباشرة (إشعياء ١٩:٢٣-٢٤): طريقٌ سِيّارة تصل مصر بأشور، وإسرائيل "ثالثة" معهما، لا فوقهما ولا تحتهما، بل شريكة في بركةٍ واحدة.
الاختلاف بين المفسرين هنا بسيط لكنه مهم: البعض يقرأ الآية على أنها تتحدث عن مصريين وأشوريين حرفيين سيؤمنون بإله إسرائيل في آخر الأزمنة John Gill. وآخرون، كما في الترجوم الآرامي القديم، يفسّرونها وكأنها لا تزال عن إسرائيل نفسه، حتى وهو مشتّت بين مصر وأشور في السبي John Gill. لكن القراءة الأقرب لظاهر النص، والتي اعتمدها أغلب الشرّاح، هي الأولى: بابٌ ينفتح أمام الأمم الغريبة لتدخل في اسم الله نفسه الذي كان محفوظًا لإسرائيل وحده.
السياق التاريخي
كتب إشعياء هذا النص في القرن الثامن قبل الميلاد، على الأرجح في العقود التي سبقت سقوط السامرة سنة ٧٢٢ ق.م. تخيّل المشهد: إسرائيل مملكتان صغيرتان محاصرتان بين عملاقين. في الجنوب، مصر، القوة القديمة العريقة، أرض الأهرامات والفيضان السنوي، التي كانت يومًا بيت عبودية لبني إسرائيل، ولا تزال في أذهانهم رمزًا للقمع والاتكال الباطل — كثيرًا ما حذّر الأنبياء يهوذا من الاستعانة بمصر بدل الاتكال على الرب. وفي الشمال والشرق، أشور، الإمبراطورية الصاعدة المرعبة، التي كانت تُعرف بقسوتها العسكرية غير المسبوقة، والتي ستسبي عشرة أسباط إسرائيل وتُذيبهم في التاريخ.
بين هذين الفكّين، أُمة إسرائيل الصغيرة، تحاول أن تناور سياسيًّا، تارة تستعطف مصر لتحالفها، وتارة ترتجف من زحف أشور. هذا هو "أصحاح مصر" (إشعياء ١٩) بأكمله: نبوءة قاسية عن دينونة مصر أولًا — نيلها يجفّ، حكماؤها يتحيّرون، أوثانها ترتجف (إشعياء ١٩:١-١٥). ثم، بشكل مفاجئ تمامًا، ينقلب النغم في الآيات الأخيرة (١٨-٢٥) إلى نبوءة رجاءٍ: مذبحٌ للرب في وسط مصر، وأشور ومصر يعبدان الله معًا مع إسرائيل.
لسامعي إشعياء الأصليين، هذا كان أشبه بالجنون. أن يقول نبيٌّ عبريّ إن فرعون العدو القديم، وإن ملك أشور الوحش الغازي، سيصبحان يومًا "شعب الله" و"عمل يديه" بنفس القدر الذي هو عليه إسرائيل — هذا كسرٌ لكل افتراضٍ قوميّ كانوا يحيَون به. لم يكن اليهود ينتظرون خلاصًا للأمم؛ كانوا ينتظرون خلاصًا من الأمم. وهذا ما يجعل هذه الآية علامةً استفهامٍ ضخمة تنتظر جوابها عبر قرونٍ طويلة.
اللغة الأصلية
ثلاث كلمات هنا تحمل كل ثقل الآية، وهي بالذات الألقاب الثلاثة الموزّعة على الأمم الثلاث.
الأولى: עַם (ʻam)، H5971، وتعني "شعب"، بالأخصّ شعبٌ مجتمعٌ ككيانٍ واحد، كقبيلة أو كسِرب Strong's. هذه الكلمة، حين تُستعمل بصيغة "شعبي"، لم تكن مجرد وصفٍ ديموغرافي؛ كانت إعلان ملكيةٍ وعهد. أن يقول الله "مصر شعبي" يعني أنه يضمّها إلى دائرة العهد التي كانت مغلقة على إسرائيل وحده.
الثانية: מַעֲשֶׂה יָד (maʻăseh yâd)، "عمل اليد"، H4639 وH3027. "معسيه" تعني عملًا أو منتجًا أو صنعةً، ومشتقّة من الفعل "عَسَه" أي صنع وفعل Strong's. و"يد" هنا (يّد) ليست مجرد عضوٍ جسدي، بل رمزٌ للقدرة والقصد الإلهي الفاعل. حين يُدعى الشعب الأشوري "عمل يديّ"، فهذا يتجاوز كونهم مخلوقاتٍ من تراب؛ إنه يعني أنهم صاروا موضع صنعةٍ خاصة، عملًا جديدًا يشكّله الله بيده كما يشكّل الفخّاري الطين — وهذا صدى واضح لما سيقوله بولس لاحقًا عن المؤمنين أنهم "عمله" Matthew Henry.
الثالثة، والأثقل: נַחֲלָה (nachălâh)، H5159، "ميراث" أو "نصيب موروث"، أي ما يُحفظ كإرثٍ خاصّ وعزيزٍ، لا يُشترى ولا يُستبدل Strong's. هذا اللقب بالتحديد كان الأقدس بين الألقاب الثلاثة، لأنه يصف إسرائيل في تثنية ٣٢:٩ بشكلٍ حصري تقريبًا. أن يظهر إسرائيل هنا مجرد "الثالث" في قائمة، لا الأول ولا الوحيد، هو الصدمة اللاهوتية الحقيقية في الآية.
ولا ننسَ اسم الله نفسه هنا: יְהֹוָה צָבָא (Yᵉhôvâh tsᵉvâʼôth)، "رب الجنود"، H3068 وH6635 — اسمٌ يصوّر الله قائدًا لجيوشٍ سماوية لا تُقهر Strong's. هذا القائد العسكري المهيب هو نفسه الذي يفتح فمه لا ليُعلن حربًا، بل ليبارك أعداءه السابقين.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الآية هي واحدة من أبعد النبوءات مدًى في كل العهد القديم من جهة اتساع دائرة الخلاص، وهي تجد صداها الصريح في كلام بولس الرسول في رومية ٩:٢٤-٢٦، حيث يقتبس بولس بالذات من هوشع ليقول إن الله يدعو "غير شعبي" ليصيروا "شعبي" — وهذا بالضبط ما يحدث هنا مع مصر. اللقب الذي كان محفوظًا لإسرائيل وحده ينفتح، وهذا لا يتحقق تمامًا إلا في المسيح، الذي هدم "حائط السياج المتوسط" بين اليهود والأمم (أفسس ٢:١٤)، وجعل من كان بعيدًا قريبًا بدمه.
لاحظ أيضًا كلمة "عمل يديّ" التي وُصفت بها أشور؛ هذه نفس اللغة التي يستعملها بولس في أفسس ٢:١٠ ليصف المؤمنين: "لأننا عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة" Matthew Henry. الأمة التي كانت أداة دمارٍ في يد الله (كما وصفها إشعياء نفسه في مواضع أخرى، أداة غضبه على إسرائيل) تصبح، حين تتوب، عمل نعمته الخلّاق. هذا بالضبط ما يفعله الصليب: يأخذ الأعداء ويجعلهم صنعة يدٍ جديدة.
والمذبح المذكور قبل آيتنا مباشرة، في مصر ذاتها (إشعياء ١٩:١٩)، يتحقق رمزيًّا حين تنتشر الكنيسة الأولى في مصر والإسكندرية بعد القيامة، وحين يهرب يسوع الطفل نفسه إلى مصر (متى ٢:١٣-١٥)، فيدخل "أرض العبودية" ليصير هو نفسه الحاضر فيها، قبل أن يخرج منها كما خرج إسرائيل، ليكون هو "الإسرائيل الحقيقي" الذي يحمل البركة إلى كل الأمم.
المسيح هو نقطة الالتقاء التي بها فقط يمكن لمصر وأشور وإسرائيل أن يقفوا معًا تحت اسمٍ واحد: ليس لأن حدودهم زالت، بل لأن الابن الذي مات عن الجميع كسر العداوة القديمة وجعل من الاثنين واحدًا (أفسس ٢:١٥-١٦).
التطبيق
اسأل نفسك: مَن هي "مصر" ومَن هي "أشور" في حياتك؟ من هو ذلك الشخص أو تلك الفئة من الناس التي تراها بعيدة تمامًا عن نعمة الله، بل ربما تراها عدوًّا لكل ما تؤمن به؟ زميلٌ في العمل يسخر من إيمانك. جماعةٌ سياسية تناقض كل قيمك. شخصٌ آذاك بعمق، وتصنّفه في عقلك "خارج دائرة الرحمة" إلى الأبد.
هذه الآية تضع إصبعها بالضبط على هذا المكان المظلم في قلبك، وتقول لك: الله لا يعمل بحدودك. النبيّ الذي كتب عن دينونة مصر القاسية بضع آياتٍ فقط قبل هذا، هو نفسه من كتب عن بركتها. الله لا يتناقض مع نفسه؛ هو ببساطة أوسع من غيرتنا القومية وأحكامنا المسبقة.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ليس بسيطًا: أن تتوقف عن رسم خرائط النعمة بحسب مقاييسك. أن تصلّي من أجل من تكرهه، لا فقط من أجل خلاصه بل من أجل أن تراه يومًا "شعب الله" بجانبك على مائدة واحدة. أن تتنازل عن شعورٍ خفيّ بالتفوّق الروحي — "أنا مِن الشعب المختار، وهم لا" — لأن الله بنفسه أعاد ترتيب القائمة هنا وجعل إسرائيل ثالثًا لا أوّلًا.
هل تصدّق حقًّا أن نعمة الله تصل إلى ذلك العدوّ الذي في قلبك أبعد ممّا تتخيّل؟ إن كنت لا تصدّق ذلك، فأنت لم تفهم هذه الآية بعد. وإن صدّقت، فابدأ اليوم بصلاةٍ من أجله، لا صلاة إدانةٍ عليه.
نقاط للصلاة
- يا رب الجنود، اغفر لي غيرتي القومية أو الطائفية التي ترسم حدودًا لنعمتك لم ترسمها أنت.
- أطلب منك أن تفتح قلبي لأرى الذي أعتبره "عدوًّا" كما تراه أنت — عملًا محتملًا ليدك، لا مجرد خصمٍ.
- بارك يا رب في كل أمةٍ وشعبٍ بعيدٍ عنك اليوم، وافتح لهم بابًا كما فتحت لمصر وأشور.
- علّمني أن أفرح حين تتّسع دائرة نعمتك لتشمل من لا أتوقعهم، لا أن أحزن أو أغار.
- اجعلني اليوم عمل يديك حقًّا، لا مجرد اسمٍ أحمله، بل حياةً تشهد بأنك صنعتني من جديد.
تأمّلات
- من هي "مصر" أو "أشور" في حياتك — الشخص أو الفئة التي يصعب عليك تصديق أن الله يحبها بقدر حبه لك؟
- هل تتعامل مع هويتك المسيحية أو الكنسية كامتيازٍ يفصلك عن الآخرين، أم كأمانةٍ تدعوك لتوصيل البركة إليهم؟
- حين تقرأ أن إسرائيل صار "ثالثًا" في هذه القائمة، ماذا يقول ذلك عن فكرة "الاستحقاق" في علاقتك بالله؟
- ما الثمن الفعلي، هذا الأسبوع، الذي عليك دفعه لتصلّي بصدقٍ من أجل من تراه بعيدًا عن الله أو معاديًا لك؟
- لو كتب الله اسمك بجانب اسم عدوّك في آيةٍ كهذه، كيف كنت لتشعر — بالانزعاج أم بالدهشة الممتلئة شكرًا؟