تكوين ١:١
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
هذه الآية أول جملة في الكتاب كله، وهي أشبه بلافتة كبيرة معلّقة على باب الكتاب المقدس، تخبرك من أين تبدأ كل قصة الإيمان: من الله نفسه، لا من الإنسان، ولا من مادةٍ أزلية، ولا من صراع آلهة كما تخيّلت كل الحضارات القديمة. «في البدء خلق الله السماوات والأرض» جملة قصيرة، لكنها تحسم سؤالًا كان الإنسان يتخبّط فيه منذ فجر التاريخ: من صنع كل هذا؟ الجواب هنا واضح لا لبس فيه: الله، وحده، بلا شريك ولا مادة سابقة يعمل عليها.
ما يسهل تفويته هو أن هذه الآية ليست مجرد حدثٍ تاريخي بعيد، بل هي إعلانٌ عن هوية الله وعلاقته بكل شيء موجود. «السماوات والأرض» تعبيرٌ عبري يعني ببساطة «كل شيء»، الكون بأكمله، المنظور وغير المنظورTyndale. فحين تقرأ الآية تفهم أن لا شيء في هذا الوجود له وجودٌ ذاتي أو أزلي غير الله؛ كل شيء آخر - النجوم، الجبال، أنت - له بداية، وهذه البداية كانت بيد الله وحده.
موضع هذه الآية في سفر التكوين هو موضع الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء: قبل أن تقرأ عن آدم وحواء، عن السقوط، عن الوعد بالخلاص، عليك أن تعرف أولًا من هو الإله الذي تتحدث عنه كل هذه القصص. لهذا قال أحد الشرّاح إن هذه الآية «خلاصة» لكل أصحاح الخليقة الأولMatthew Henry.
هنا يختلف المسيحيون قليلًا في تفصيل واحد: هل تصف هذه الآية فعل الخلق الأول من العدم مباشرة، أم أنها عنوانٌ عام يُفصَّل فيما بعد؟ الأغلبية العظمى من المفسرين، قديمًا وحديثًا، يرون أنها فعلٌ حقيقي مستقل يسبق كل ما يأتي بعده - خلقٌ من لا شيء، لا من مادة موجودة سلفًاJamieson-Fausset-Brown. وهذا هو الفهم الذي حافظت عليه الكنيسة عبر تاريخها كله.
السياق التاريخي
تخيّل نفسك شعبًا خرج للتوّ من عبودية أربعمائة سنة في مصر، بلدٍ مليء بآلهة الشمس والنيل والتماسيح، ثم دخل صحراء لا يعرف فيها شيئًا سوى غيمةٍ ونارٍ تقودانه. هذا هو الشعب الذي كُتب له سفر التكوين، على الأرجح على يد موسى، في زمنٍ يقارب القرن الخامس عشر قبل الميلاد. لم يكن هذا الشعب بحاجة إلى محاضرة فلكية، بل إلى إجابة تحرّر عقله من كل الأصنام التي عرفها في مصر وسيواجهها في كنعان.
في كل الحضارات المحيطة - البابلية والمصرية والكنعانية - كانت أساطير الخلق تحكي عن صراعٍ بين آلهة متعددة، وعن خلق العالم من جثة إلهٍ مهزوم، أو من فوضى أزلية قاومتها الآلهة بالقوة. كان العالم القديم يرى الكون مسرحًا لصراع قوى متعادلة، والإنسان مجرد لعبة في يد آلهة متقلّبة المزاج. جاءت هذه الآية لتهدم كل هذا البناء بجملة واحدة: لا صراع، لا فوضى أزلية تقاوم، لا شركاء. إله واحد، فِعلٌ واحد، سلطانٌ مطلقTyndale.
هذا كان مهمًّا جدًّا لشعبٍ سيدخل أرضًا مليئة بمعابد البعل وعشتاروت، حيث تُعبد الشمس والقمر والنجوم كآلهة. سفر التكوين يعلّم إسرائيل: تلك الأشياء التي يعبدها جيرانكم - الشمس، القمر، البحر، الأرض - كلها مخلوقات، لا آلهة. صانعها واحد، وهو مَن دعاكم للخروج من مصر.
كانت هذه الكلمات أيضًا رسالة رجاء لشعبٍ عاش تحت اضطهاد فرعون: الإله الذي أنقذكم ليس إلهًا محليًّا صغيرًا، بل هو خالق كل شيء، صاحب السلطان المطلق على كل مملكة وكل فرعون سيقف في طريقكم. حين تسمع هذه الآية بأذن إسرائيلي خارج من العبودية لتوّه، تدرك أنها ليست فلسفة مجردة، بل إعلان حرية.
اللغة الأصلية
الكلمة الأولى في النص العبري هي רֵאשִׁית (rêʼshîyth، H7225)، وتعني «البداية» أو «الأول»، وهي مأخوذة من جذرٍ يعني «الرأس»، أي الموضع الأول في ترتيب أو زمن. حين تُستخدم هنا بلا أداة تعريف مسبوقة بحرف الجر، فهي تشير إلى بداية مطلقة، بداية الزمن نفسه، لا بداية نسبية داخل سلسلة أحداثKeil-Delitzsch Old Testament.
ثم تأتي الكلمة الأهم في الآية كلها: בָּרָא (bârâʼ، H1254)، «خلق». هذه الكلمة في العهد القديم لها خاصية فريدة: فاعلها دائمًا هو الله وحده، لا يُستخدم أبدًا مع إنسانٍ فاعل. هي تصف صنع شيءٍ جديد كليًّا، لم يكن له مثيل من قبلTyndale. حين تقرأ «خلق» في هذه الآية، أنت لا تقرأ عن نجّار يشكّل خشبًا موجودًا، بل عن فعلٍ لا يقدر عليه إلا الله وحده.
أما اسم الله المستخدم هنا فهو אֱלֹהִים (ʼĕlôhîym، H430)، وهي كلمة عجيبة في صيغتها: جمع في الشكل، لكنها تأتي دائمًا مع أفعال مفردة، مما يدل على أن الكتاب يتحدث عن إلهٍ واحد بقوةٍ وعظمةٍ تفوق كل تصوّر - وقد رأى بعض المفسرين في هذا الجمع تلميحًا أوليًّا إلى غنى الحياة داخل الذات الإلهية نفسهاJamieson-Fausset-Brown.
وأخيرًا שָׁמַיִם (shâmayim، H8064) و אֶרֶץ (ʼerets، H776)، «السماوات» و«الأرض» - تعبيرٌ عبري مزدوج يعني معًا «كل شيء»، الكون بكل ما فيه، المنظور والخفي. حين تجمعهما الآية معًا، فهي لا تترك ركنًا واحدًا من الوجود خارج سلطان الخالق.
كيف تشير إلى المسيح
حين تصل إلى إنجيل يوحنا، تسمع صدًى متعمَّدًا لهذه الآية بالذات: «في البدء كان الكلمة» (يوحنا ١:١). يوحنا لا يكرر عبارة موسى مصادفة؛ هو يعلن أن ذاك «الكلمة» - الذي هو المسيح - كان حاضرًا في تلك «البداية» نفسها، بل هو مَن «به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان» (يوحنا ١:٣). أي أن الفعل الذي وصفته الآية «خلق الله» لم يكن فعل الآب وحده منعزلًا، بل عمل الثالوث: الآب يخلق بالكلمة (الابن) وبالروح الذي كان «يرفّ على وجه المياه» في الآية التالية مباشرة.
رسالة العبرانيين تربط هذا الخيط بوضوح أكبر حين تقول عن الابن: «أنت يا رب في البدء أسّست الأرض، والسماوات هي عمل يديك» (العبرانيين ١:١٠)، ناسبةً فعل الخلق نفسه للمسيح. وكذلك يعلن سفر الرؤيا أن المسيح المُمجَّد يستحق العبادة «لأنك أنت خلقت كل الأشياء» (الرؤيا ٤:١١). فالذي وُلد في مذود بيت لحم هو نفسه الذي نطق فكانت السماوات والأرض.
ثمة أيضًا صدى أعمق: كما أن الله خلق كل شيء من العدم بكلمة قدرته، هكذا يعمل في الخلاص. بولس يصف اهتداء الإنسان بأنه «خليقة جديدة» (٢كورنثوس ٥:١٧)، وكأن نفس القدرة التي قالت «ليكن نور» في وجه الظلمة الأولى، هي التي تقول اليوم للقلب المظلم: لتُشرق فيك معرفة مجد الله. الخلق الأول في تكوين ١:١ هو نبوءة صامتة عن خلقٍ جديد يتمّه المسيح في كل من يؤمن به. هذا ليس نصًّا نبويًّا مباشرًا عن المسيح، لكنه يكشف الإله الذي سيتجسّد لاحقًا، ويمهّد لفهم كيف أن كل الخلاص هو أيضًا فعل خلقٍ إلهي.
التطبيق
اقرأ هذه الآية ببطء، وستشعر أنها تضعك في مكانك الصحيح. أنت لست الفاعل الأول في هذه القصة. أنت لست مركز الكون. قبل أن يكون هناك أنت، أو أي إنسان، أو أي شيء على الإطلاق، كان الله. هذا يريحك من عبءٍ ثقيل: عبء أن تكون أنت من يمسك بكل شيء، أن تكون أنت مصدر معناك وقيمتك ووجودك. لست أنت من صنع نفسك، فلماذا تحمّل نفسك عبء أن تُبقيها قائمة؟
لكن هذه الآية تطلب منك أيضًا شيئًا يكلّفك: أن تعترف أنك مخلوق، لا خالق. في عالمنا اليوم، الرسالة السائدة هي: أنت تصنع نفسك، أنت تحدد حقيقتك، أنت مصدر معناك. لكن الآية الأولى في الكتاب المقدس تصفعك بلطفٍ وحزم: لا، أنت لست البداية. هناك من هو قبلك، ومنه أنت، وله أنت. هذا يعني أن حياتك ليست ملكك المطلق لتفعل بها ما تشاء، بل هي عطيةٌ من يدٍ خلقتك بقصد.
فكّر أيضًا في مقدار السلطان الذي تخبرك به هذه الآية. الإله الذي خلق السماوات والأرض من العدم بكلمة، هو نفسه الإله الذي يعرف اسمك، ويعرف قلقك الذي تحمله اليوم. أليس غريبًا أن من له هذه القدرة المطلقة يهتم بتفاصيل يومك الصغيرة؟ هذا ليس تناقضًا، بل هو جوهر الإيمان: القدرة اللامتناهية والمحبة الشخصية معًا في إلهٍ واحد.
فالثمن الذي تطلبه هذه الآية اليوم هو: أن تخفض عرشك الصغير، وتعترف أن الكون لا يدور حولك، وأن تثق بمن يملك القدرة على أن يخلق من العدم - يمكنه أن يخلق شيئًا جديدًا في فوضى حياتك أيضًا.
نقاط للصلاة
- يا رب، أشكرك لأنك أنت البداية، وأنا لست مصدر وجودي، بل عطية من يدك.
- أطلب منك أن تعلّمني أن أثق بقدرتك على الخلق من العدم، خاصة في المواضع المظلمة والفارغة من حياتي.
- ساعدني أن أخفض كبريائي، وأتوقف عن التصرف كأنني إله صغير يدير كونه الخاص.
- امنحني دهشة جديدة أمام السماوات والأرض، فلا أعتاد على عجائب صنعك حتى تفقد بريقها في عيني.
- أصلّي أن تصنع فيّ خليقة جديدة، كما صنعت الكون كله من كلمة فمك.
تأمّلات
- هل أعيش حياتي كأنني الخالق لنفسي، أم كمخلوقٍ يعترف بيدٍ صنعته؟
- ما هي "الآلهة الصغيرة" في حياتي اليوم - أشياء أعطيها مكانة الخالق وهي مجرد مخلوقات؟
- حين أرى السماء أو الطبيعة، هل ما زلت أتعجّب، أم أنني تبلّدت عن رؤية يد الله فيها؟
- إن كان الله قادرًا أن يخلق كونًا من عدم، فأي جزء من حياتي أخاف أن أسلّمه له لأنه يبدو "خرابًا بلا شكل" لا أمل فيه؟
- ما الذي يتغيّر فعليًّا في كيفية عيشي هذا الأسبوع إن آمنت حقًّا أن كل شيء - وقتي، جسدي، مالي - ملكٌ لخالقٍ لا لي؟