تكوين ١٨:١٤
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ».
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: هذا سؤالٌ يطرحه الرب نفسه، لا على أبراهيم بل موجَّهًا في الحقيقة نحو سارة، التي كانت تضحك من وراء ستارة الخيمة قبل آيتين فقط (تكوين ١٨:١٢). ضحكت لأنها سمعت وعدًا يبدو مستحيلًا: امرأةٌ عجوز، تجاوزت سنّ الإنجاب منذ زمن، سيكون لها ابن. فيأتي هذا السؤال كصفعةٍ لطيفة: «هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟». هو سؤالٌ بلاغيّ، أي أن جوابه معروفٌ سلفًا ولا يحتاج إجابة: لا، لا شيء Tyndale. لاحظ ما يسهل تفويته: الرب لا يوبّخ سارة بقسوة، بل يعيد صياغة الوعد بتفاصيل دقيقة — «في الميعاد»، «نحو زمان الحياة» — كأنه يقول لها: هذا ليس كلامًا عامًّا، بل موعدٌ محدَّد سأفي به. هذه الآية تقع في قلب قصة أبراهيم الكبرى: الله وعده منذ سنين بنسلٍ يفوق عدد النجوم (تكوين ١٥:٥)، ومرّت السنون، وشاخ أبراهيم وسارة، وبدا الوعد وكأنه نسيَ نفسه. هنا، عند بلوطات ممرا، يأتي الرب بنفسه — لا رسولًا فقط — ليؤكد أن الوعد حيّ، وأن تحقيقه على الأبواب Jamieson-Fausset-Brown. لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية حول معنى هذه الآية؛ الجميع يقرؤها كإعلانٍ صريح عن قدرة الله المطلقة. لكن يلاحظ بعض الشرّاح أن العبارة الأصلية تحمل ظلالًا أعمق من «صعوبة»، فهي تقترب من معنى «العجيب» و«الخارق»، لا مجرد ما يتطلب جهدًا أكبر John Gill.
السياق التاريخي
نحن في زمنٍ يصعب تأريخه بدقة، لكن التقليد يضعه في حدود ٢٠٠٠–١٨٥٠ ق.م تقريبًا، في عالم الرحّل وأصحاب الخيام والقطعان في أرض كنعان. لم يُكتب سفر التكوين في تلك اللحظة نفسها؛ بل جُمعت هذه الروايات وكُتبت لاحقًا — التقليد اليهودي والمسيحي القديم ينسبها إلى موسى، في زمن خروج بني إسرائيل من مصر، أي بعد أحداث أبراهيم بقرونٍ عدة. الهدف لم يكن كتابة سجلٍّ تاريخيٍّ جافّ، بل تذكير شعبٍ خارجٍ لتوّه من العبودية بأن إلههم هو نفسه الذي وعد جدّهم الأكبر أبراهيم، وأنه إله يفي بوعوده مهما بدت مستحيلة. تخيّل المشهد: ظهيرة حارّة، أبراهيم جالسٌ عند باب خيمته هربًا من القيظ، وإذا بثلاثة رجالٍ يقفون أمامه فجأة Jamieson-Fausset-Brown. هو لا يعرف بعد أن أحدهم هو الرب نفسه ظاهرًا في هيئة إنسان، والآخران ملاكان. يستقبلهم بكرم الضيافة البدوي المعروف: يغسل أرجلهم، يذبح عجلاً، يُعِدّ خبزًا. هذا العالم يعيش بلا هواتف ولا رسائل؛ الضيف الغريب قد يكون أي أحد، وكرم الاستقبال واجبٌ مقدَّس. في هذا العالم، الإنجاب ليس مجرد رغبةٍ عاطفية؛ إنه كل شيء. الاسم، الأرض، الميراث، استمرار الذرية — كل هذا معلَّق على وجود ابن. سارة، وقد جاوزت التسعين، تعرف جيدًا حكم الطبيعة على جسدها. لهذا ضحكت؛ ليس استهزاءً بالله بالضرورة، بل ضحكة من عرف حدود الممكن في عالمها. وسط هذا العالم القبَلي الذي يؤمن بآلهةٍ محلية محدودة القدرة، مرتبطة بأرضٍ أو قبيلة، يقف الرب معلنًا نفسه إلهًا مختلفًا تمامًا: إلهٌ لا تحدّه الطبيعة ولا الزمن ولا رحم عجوز.
اللغة الأصلية
العبارة العبرية للسؤال هي: הֲיִפָּלֵא מֵיהוָה דָּבָר (hayippâlê mêYᵉhôvâh dâbâr). الكلمة المحورية هنا هي פָּלָא (pâlâʼ)، H6381، وهي لا تعني فقط «صعب» كما نترجمها غالبًا، بل بمعناها الأصلي «أن يكون خارقًا، عجيبًا، فائقًا للطبيعة» Adam Clarke. فالسؤال ليس «هل يُتعب هذا الله؟» بل «هل يوجد أمرٌ عجيبٌ إلى درجة أن يفلت من قدرة يهوه؟». هذا الفرق مهم: الله لا يُقارَن هنا بإنسانٍ يبذل مجهودًا أكبر لأمرٍ صعب، بل يُعلَن كمن لا يعرف أصلاً فئة «المستحيل». ولاحظ اسم الله المستخدم: יְהֹוָה (Yᵉhôvâh)، H3068، الاسم الشخصي العهدي، المرتبط بجذر «هيه» أي «الكائن، الأزليّ». هذا ليس إلهًا عامًّا بل هو الإله الذي قطع عهدًا مع أبراهيم بالاسم، وها هو يذكّره بهذا الاسم عينه وهو يفي بالوعد. كلمة מוֹעֵד (môwʻêd)، H4150، تعني موعدًا محدَّدًا مسبقًا، كموعد عيدٍ أو اجتماع؛ ليست كلمة عامة عن «وقتٍ ما في المستقبل»، بل موعدٌ مضبوطٌ في تقويم الله. وكلمة שׁוּב (shûwb)، H7725، «أرجع»، تحمل فكرة العودة الفعلية، كأن الله يقول: سأحضر بنفسي لأرى تحقيق هذا الوعد. أما עֵת חַי (ʻêth chay)، «زمان الحياة»، فتعني موسم اكتمال الحمل الطبيعي — إشارة إلى أن المعجزة لن تكون سحرًا خارج الجسد، بل عملاً إلهيًّا يعمل من خلال الطبيعة، لا خارجها فقط.
كيف تشير إلى المسيح
هذا السؤال — «هل يستحيل على الرب شيء؟» — يتردد صداه بوضوحٍ مذهل بعد آلاف السنين، في لحظةٍ أخرى تحمل نفس الطابع: امرأةٌ تسمع وعدًا يبدو مستحيلًا بيولوجيًّا، لكن هذه المرة ليست عجوزًا عاقرًا، بل عذراء لم تعرف رجلاً. الملاك جبرائيل يقول لمريم كلماتٍ تكاد تكون ترجمةً حرفية لكلام الرب لسارة: «لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ» (لوقا ١:٣٧). الترجمة السبعينية لتكوين ١٨:١٤ استخدمت فعلًا يونانيًّا يكاد يطابق ما استعمله لوقا حرفيًّا Adam Clarke. هذا ليس تشابهًا عابرًا؛ إنجيل لوقا يريدك أن تسمع صدى إسحق في ميلاد يسوع: كلا الميلادين معجزة تكسر قوانين الطبيعة لتُظهر أن وعد الله لا يعتمد على قدرة الإنسان أو الجسد، بل على قدرة الله وحده. إسحق نفسه، الابن الموعود «في الميعاد»، هو صورة مسبقة (نموذج) للابن الموعود الحقيقي. فكما أن ولادة إسحق كانت بداية تحقيق وعد النسل الذي سيبارك به جميع أمم الأرض (تكوين ٢٢:١٨)، فإن هذا الوعد نفسه يجد كماله في المسيح، «نسل» أبراهيم الحقيقي الذي تتحدث عنه رسالة غلاطية ٣:١٦. فالسؤال الذي طُرح عند بلوطات ممرا يظل معلَّقًا فوق كل الكتاب المقدس حتى يصرخ يسوع نفسه، أمام تلاميذ مندهشين من صعوبة الخلاص: «عِنْدَ اللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ» (متى ١٩:٢٦). القيامة نفسها هي الجواب النهائي على سؤال سارة: رحمٌ ميت أنجب، وقبرٌ ميت فُتح.
التطبيق
اسألك بصراحة: ما هو الوعد الذي توقفتَ عن انتظاره لأنك حسبتَ حسابك بدقة وخرجتَ بالنتيجة: مستحيل؟ ربما زواجٌ لن يُشفى، أو مرضٌ لن يُرفع، أو خطيةٌ تكرّرت حتى ظننتَ أن التحرر منها ضربٌ من الخيال، أو حلمٌ دفنته منذ سنين لأن "الوقت فات" و"العمر تجاوز الحدّ". سارة ضحكت لأنها حسبت حسابًا صحيحًا تمامًا — من ناحية الطبيعة. المشكلة لم تكن في حسابها، بل في أنها حصرت الله داخل معادلتها. هذه الآية لا تعدك بأن كل رغبةٍ لك ستتحقق كما تريد؛ هي أخطر من ذلك وأجمل: تعدك بأن لا شيء يقف عصيًّا أمام قدرة من وعد. لكن لاحظ الثمن الذي تطلبه منك: أن تتوقف عن الضحك الساخر الخفيّ الذي يخرج من قلبك حين تسمع وعود الله وتقيسها بمسطرة الواقع الظاهر. الثمن هو أن تُخرج يقينك من يد ظروفك وتضعه في يد اسم الرب نفسه — يهوه، الكائن الأزلي الذي لا يتغيّر ولا يتعب ولا يُفاجَأ. هذا يكلّفك شيئًا محددًا: الاعتراف بالضحكة الخفية. مثل سارة التي حاولت الإنكار (تكوين ١٨:١٥)، كثيرون منا ينكرون شكّهم أمام الله بابتسامةٍ متدينة بينما القلب يقول في سرّه: هذا لن يحدث معي. الأمانة تبدأ من الاعتراف: نعم يا رب، لقد ضحكت في داخلي من وعدك. والإيمان الحقيقي لا يبدأ من عدم الشك، بل من مواجهة الشك بهذا السؤال بالذات: هل يستحيل عليك شيء؟ إن كان جوابك الصادق "لا"، فتصرّف كأنك تصدّق ذلك فعلًا.
نقاط للصلاة
- يا رب، أعترف أمامك بالضحكة الخفية في قلبي حين أسمع وعودك وأقيسها بضعف ظروفي.
- أطلب منك أن تعلّمني أن أثق باسمك الأزلي، لا بحساباتي التي أراها منطقية لكنها ضيقة.
- ساعدني أن أتذكّر مواعيدك المحدَّدة في حياتي، وأن أنتظرها بصبرٍ لا بيأس.
- اجعل إيماني يشبه إيمان أبراهيم لا شكّ سارة، حتى حين يبدو الوعد بعيد المنال.
- شكرًا لأنك أثبتّ في المسيح أن لا شيء مستحيل عليك؛ ثبّت رجائي على قيامته لا على قدرتي.
تأمّلات
- ما هو الوعد الإلهي الذي توقفتُ عن الصلاة من أجله لأنني حسبته "منتهي الصلاحية" بحكم الزمن أو الظروف؟
- هل أخفي شكوكي وضحكاتي الداخلية خلف تديّنٍ ظاهري، كما فعلت سارة حين أنكرت أنها ضحكت؟
- لو سألني الله اليوم: "هل يستحيل عليّ شيء؟"، بأي منطقة من حياتي سيكون جوابي الصادق مختلفًا عن جوابي المعلن؟
- كيف يتغيّر شكل صلاتي إن أخذت اسم "يهوه" بجدّية — إلهًا لا تحدّه طبيعة ولا زمن ولا عمر؟
- أين أحتاج أن أثق بموعد الله المحدَّد بدل أن أضع له موعدًا خاصًا بي؟