المزامير ٧٥:٨
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
لأَنَّ فِي يَدِ الرَّبِّ كَأْسًا وَخَمْرُهَا مُخْتَمِرَةٌ. مَلآنةٌ شَرَابًا مَمْزُوجًا. وَهُوَ يَسْكُبُ مِنْهَا. لكِنْ عَكَرُهَا يَمَصُّهُ، يَشْرَبُهُ كُلُّ أَشْرَارِ الأَرْضِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية مرّتين، وستلاحظ صورةً غريبة: الله يمسك كأسًا في يده. ليست كأس فرحٍ وعُرس، بل كأس خمرٍ "مختمرة"، أي خمرٌ قوية غليظة القوام، "ممزوجة" بتوابل تزيد من حدّتها لا تخفّفها. هذه ليست كأسًا تُشرب بلذّة، بل كأس دينونة. الصورة الظاهرة: الله يسكب من هذه الكأس، أي أنه هو الفاعل، هو مصدر الحكم، لا صدفة ولا قوى عمياء تتحكم بمصائر البشر. لكن التفصيل الذي يسهل تفويته هو الفرق بين "يسكب منها" وبين "عكرها يمصّه، يشربه كل أشرار الأرض". الله لا يسكب الكأس كلها دفعة واحدة على الجميع بالتساوي؛ هو يوزّعها بحكمته، لكن الأشرار تحديدًا هم من يشربون حتى العكر، أي حتى آخر رشفة، الثقل المرّ الراسب في قاع الكأس الذي لا يُترك منه شيء John Gill. هذا يضع الآية في سياقها داخل المزمور كله: المزمور ٧٥ هو مزمور شكرٍ وثقة بأن الله هو الديّان الحقيقي وسيضع الأمور في نصابها في الوقت المعيّن (عدد ٢)، ويكسر قرون المتكبّرين ويرفع قرون الأبرار (عدد ١٠). فآيتنا هي قلب هذا اليقين: مهما بدا الأشرار متسلّطين الآن، فإن كأس العدل الإلهي محفوظة، ولن يُعفى منها أحد. لا يوجد خلافٌ لاهوتيّ كبير بين التقاليد المسيحية حول هذه الآية؛ الجميع يقرأها كصورة عن غضب الله العادل ضد الشر، لكن بعض القراءات القديمة ركّزت أكثر على السياق الملكي التاريخي (تنصيب مَلِك على إسرائيل)، بينما ركّزت قراءات أخرى على البعد الأخروي الشامل الذي يظهر لاحقًا في سفر الرؤيا.
السياق التاريخي
هذا المزمور منسوب لآساف، أحد رؤساء المغنّين الذين عيّنهم داود لخدمة الترنيم في خيمة الاجتماع، ثم في الهيكل لاحقًا. لكن كثيرًا من الدارسين يرون أن مضمونه يعكس بدقة ظروف داود نفسه عند توليه العرش بعد موت شاول، وربما كان آساف هو من صاغ خطابًا أو كلمات داود شعرًا وأنشدها للشعب Matthew Henry. فتخيّل المشهد: مملكة ممزّقة، بيت شاول ما زال له أنصار، وداود يقف أمام الشعب ليقول لهم: لا تخافوا، ولا تفتخروا، لأن الله هو من يرفع ويضع (عدد ٦-٧)، وهو من سيدين المتكبّرين في وقته. هناك رأيٌ آخر يربط المزمور بحادثة لاحقة أعظم: تهديد الملك الآشوري سنحاريب لأورشليم في أيام حزقيا، حين حاصر جيشٌ عظيم المدينة، وبدا أن لا مفرّ، ثم أهلك ملاك الرب ذلك الجيش في ليلة واحدة (٢ ملوك ١٩:٣٥) Jamieson-Fausset-Brown. في كلتا الحالتين، الخلفية واحدة: شعبٌ صغيرٌ محاصر، وقوى متكبّرة تسحقه، وصرخةٌ من القلب أن الله لن يترك الظلم بلا حساب. صورة "الكأس" نفسها ليست غريبة عن أذهان القرّاء الأصليين؛ فقد كانت مألوفة في الأدب النبوي كرمزٍ لغضب الله المحتوم على الأمم (كما نراها لاحقًا عند إرميا وإشعياء). الملوك القدماء كانوا يمزجون الخمر بالتوابل والأعشاب لزيادة ثقلها وسُكرها، فمن يُجبَر على شربها حتى الثمالة يُصاب بترنّحٍ وسقوط وعارٍ علنيّ — وهي صورة الدينونة العلنية الكاملة، لا مجرد عقابٍ خفيّ.
اللغة الأصلية
الكلمة المحورية هنا هي כּוֹס (kôwç), H3563، أي "كأس"، لكنها في العبرية القديمة صارت مجازًا ثابتًا لـ"النصيب" أو "القدر" الذي يُسكب على الإنسان، خيرًا كان أو شرًّا. حين تُذكر في يد الرب تحديدًا، فهي إشارة لا لبس فيها إلى ما هو آتٍ من قِبَله، لا مصادفة عابرة. ثم هناك חָמַר (châmar), H2560، الفعل الذي وُصفت به الخمر بأنها "مختمرة" — وجذره يحمل معنى الغليان والفوران، كأن الخمر تفور وتحتدم في داخل الكأس، تمامًا كما يفور الغضب الإلهي العادل قبل أن يُصبّ. وكلمة מֶסֶךְ (meçek), H4538، أي "الشراب الممزوج"، تشير إلى مزج الخمر بتوابل وأعشاب تزيد حدّتها وسُكرها، لا كما نظنّ اليوم أن المزج يخفّف الشراب. فهذه كأسٌ صُنعت لتُسكِر بشدّة، لا لتُلطَّف. والأدق إيلامًا هي كلمة שֶׁמֶר (shemer), H8105، أي "العكر" أو الرواسب الثقيلة في قاع الإناء، ما لا يُشرب عادة لمرارته وغلظته. والفعل מָצָה (mâtsâh), H4680، يعني "يمصّ" أو "يعصر ويستخرج حتى آخر قطرة" — فليس المقصود أن الأشرار يشربون قليلًا من العكر، بل أنهم يمصّونه مصًّا، يستنفدونه كله، لا يُترك لهم مهرب ولا تخفيف Strong's. وأخيرًا רָשָׁע (râshâʻ), H7563، "الشرير"، ليست وصفًا عابرًا بل هوية أخلاقية: من اختار الاعوجاج طريقًا ثابتًا. هؤلاء بالذات، لا كل إنسان أخطأ وتاب، هم من يشربون الكأس حتى قاعها.
كيف تشير إلى المسيح
هذه الصورة تمتدّ كخيطٍ عبر الكتاب كله حتى تبلغ ذروتها في موضعين متقابلين تمامًا. الأول: في بستان جثسيماني، حين صلّى يسوع "يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" (متى ٢٦:٣٩). أيّ كأس؟ هي بعينها هذه الكأس — كأس غضب الله العادل ضد الخطية، التي كان يجب أن يشربها كل الأشرار في الأرض حتى العكر. لكن يسوع، البار الوحيد الذي لم يستحقّ قطرة منها، اختار أن يشربها هو بدلًا منّا. لم يهرب منها ولم يمصّها فقط، بل شربها كاملة على الصليب، حتى صرخ "إلهي إلهي لماذا تركتني" — صرخة من كان في قاع الكأس فعلًا. والموضع الثاني هو النهاية الأخروية: في سفر الرؤيا ١٤:١٠ و١٦:١٩، تُذكر الكأس نفسها من جديد، كأس غضب الله "غير الممزوجة" (أو الممزوجة بلا رحمة، كما يفهمها البعض)، تُسكب أخيرًا على من رفض المسيح ورفض أن يُشرب عنه الكأس على الصليب. فالخيار أمام كل إنسان هو هذا بالضبط: إما أن تقبل أن المسيح شرب كأسك، أو تصرّ على أن تشربها أنت بنفسك حتى القاع. هذا هو جوهر الإنجيل مخبوءًا في مزمورٍ عتيق: الله عادل، والكأس محفوظة، لكنه أيضًا رحيم، فأرسل ابنه ليشرب مكاننا ما كنا سنشربه لا محالة. المزمور لا يتحدث صراحةً عن المسيح، لكنه يرسم الخلفية التي بدونها لا يُفهم عمق ما فعله يسوع في تلك الليلة المظلمة.
التطبيق
ربما تعيش هذه الأيام وأنت ترى الظلم منتصرًا، والأشرار يتصدّرون، والصادقين يُدفَعون إلى الوراء، وتتساءل: هل يرى الله؟ هل يهتمّ؟ هذه الآية تجيبك بصورةٍ لا تُنسى: الكأس في يده، لا في يد أحد سواه. لن يفلت أحدٌ من عدله، ولو طال الزمن. هذا يجب أن يريحك من الرغبة في الانتقام لنفسك؛ فالديّان يقظ، والحساب محفوظ. لكن قبل أن تشعر بالراحة تجاه "الأشرار الآخرين"، اسأل نفسك سؤالًا أصعب: هل أنا واثقٌ أن كأسي شربها المسيح، أم ما زلت أحمل كأسي بنفسي، أحاول أن أتصرف بشكل جيد كفاية لأتجنّبها؟ لأن الآية لا ترحم أحدًا بذاته؛ العدل الإلهي حقيقي وثقيل، ولا خلاص منه إلا بالاختباء في مَن شربه عنك. الثمن الذي تطلبه هذه الآية اليوم هو ترك القضاء لله فعلًا، لا شفهيًّا فقط. أن تتوقف عن حساب من يستحق العقاب وتترك ذلك ليد الرب وحدها، وأن تنظر إلى صليب المسيح كل مرة تشعر فيها بالغضب من ظلمٍ حولك، وتقول: هو يعرف، وهو سيفي بالعدل، وقد وفى به فعلًا في جثسيماني والجلجثة. هذا يكلّفك التخلي عن مرارة الانتقام، والراحة في يد من يمسك الكأس.
نقاط للصلاة
- يا رب، أشكرك لأنك تمسك كأس العدل بيدك، ولست أنا من يجب أن يحاسب العالم.
- أطلب أن تُريحني من مرارة الغضب على الظلم الذي أراه، وأن أثق أن حسابك آتٍ في وقته.
- أشكرك يا يسوع لأنك شربت الكأس التي كانت لي، حتى العكر، على الصليب.
- افحصني يا رب: هل ما زلت أحاول أن أحمل كأس دينونتي بنفسي بدل أن أستريح فيك؟
- امنحني قلبًا يخاف عدلك بجدّية، ولا يستهين بخطيتي ولا بخطية أحد.
تأمّلات
- متى كانت آخر مرة شعرت فيها برغبة في "الانتقام" من ظلمٍ رأيته، وكيف تغيّر هذا الشعور لو تذكّرت أن الكأس في يد الرب لا في يدك؟
- هل تعيش وكأن الله لا يرى الشر المنتشر حولك، أم تثق فعلًا أنه محفوظ في حسابه؟
- هل تقبّلتَ حقًّا أن المسيح شرب كأسك على الصليب، أم ما زلت تحاول إثبات استحقاقك أمام الله بأعمالك؟
- أيّ جزءٍ من حياتك تخاف أن يكشفه عدل الله لو "شربتَ" منه اليوم؟
- كيف تتغيّر نظرتك لصلاة المسيح في جثسيماني حين تفهم أيّ كأسٍ بالتحديد كان يطلب أن تعبر عنه؟