المزامير ٧١:١٩
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
وَبِرُّكَ إِلَى الْعَلْيَاءِ يَا اَللهُ، الَّذِي صَنَعْتَ الْعَظَائِمَ. يَا اَللهُ، مَنْ مِثْلُكَ؟
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "وَبِرُّكَ إِلَى الْعَلْيَاءِ يَا اَللهُ، الَّذِي صَنَعْتَ الْعَظَائِمَ. يَا اَللهُ، مَنْ مِثْلُكَ؟" هذا ليس كلامًا باردًا عن صفةٍ إلهية، بل صرخة إعجابٍ من رجلٍ خرج للتوّ من ضيقٍ حقيقي. لاحظ كيف تبدأ الآية بـ"برّك" — أي عدلك واستقامتك — وتقول إنه "إلى العلياء"، أي لا حدّ له، يتجاوز السماوات نفسها Keil-Delitzsch Old Testament. ثم فجأة ينتقل الكلام من صفةٍ مجرّدة إلى فعلٍ ملموس: "الذي صنعت العظائم". برّ الله ليس فكرة، بل تاريخ من الأعمال العظيمة التي رآها المرنم بعينيه.
ثم يأتي السؤال الذي هو في الحقيقة تسبيح: "من مثلك؟" هذا ليس سؤال جهلٍ يبحث عن جواب، بل صرخة قلبٍ يعرف الجواب مسبقًا: لا أحد. هذا التعبير له جذور عميقة في تاريخ إسرائيل؛ نفس الصرخة قالها موسى عند البحر الأحمر حين رأى يد الله تشقّ المياه (خروج ١٥:١١)، وكرّرها داود في مزامير أخرى وهو يهرب من أعدائه (مزمور ٣٥:١٠، ٨٦:٨). فالمرنم هنا لا يخترع كلامًا جديدًا، بل ينضمّ إلى جوقة طويلة من المؤمنين الذين وقفوا مذهولين أمام الله نفسه.
هذه الآية تقع في نهاية مزمورٍ كتبه رجلٌ مسنّ يستعيد شريط حياته كله أمام الله (انظر مزمور ٧١:٩، ١٨) — الشيخوخة، الأعداء، الأزمات — ثم يصل إلى هذه اللحظة التي لا يعود فيها يتكلم عن مشكلته، بل عن الله نفسه. لا خلاف مذهبيّ كبير حول معنى الآية؛ كل التقاليد المسيحية تتفق أن هذا تسبيحٌ عفويّ لا سؤالٌ فلسفي، لكن بعض الشرّاح القدامى رأوا في "برّك" إشارة رمزية إلى برّ المسيح الذي يُقبل عند الله John Gill، بينما يميل آخرون لقراءتها ببساطة كصفة لله ذاته دون إسقاط مسيحاني مباشر.
السياق التاريخي
مزمور ٧١ لا يحمل اسم كاتبٍ في عنوانه العبري، لكن محتواه يشي بأنه كُتب على لسان رجلٍ متقدّم في السن، ربما داود نفسه في أواخر أيامه، حين كانت الشيخوخة تُثقل جسده والأعداء ما زالوا يتربّصون به Matthew Henry. البعض ربطه بفترة تمرّد أبشالوم، حين هرب داود من ابنه وشعر أن كل ما بناه قد ينهار في لحظة. آخرون ربطوه بثورة شبع بن بكري، أو بأي أزمةٍ من أزمات "لا يفارق السيف بيتك" التي تنبأ بها ناثان.
مهما كان الحدث بالضبط، فالصورة العامة واضحة: رجلٌ عاش حياةً طويلة مليئة بالمعارك، الخيانات، والانتصارات، وهو الآن في خريف عمره يخاف أن يُترك وحيدًا حين يعجز جسده، وأن يشمت به أعداؤه القدامى وهو ضعيف (مزمور ٧١:٩). في ذلك العالم القديم، الشيخوخة بلا نسلٍ يحميك أو ملكٍ يذكر فضلك كانت تعني الهلاك الاجتماعي الكامل — لا معاشات تقاعد، لا ضمانات، فقط ذاكرة الشعب ورحمة الله.
هذا المزمور يُصنَّف ضمن مزامير "الاستغاثة الفردية"، لكنه ينتهي — كما تفعل كثير من هذه المزامير — بانفجار تسبيح. الآية ١٩ تقف في هذه اللحظة بالذات: بعد أن طلب المرنم النجاة (آيات ١-١٣)، وبعد أن وعد بأن يخبر جيلًا آخر بأعمال الله (آية ١٨)، ينفجر فجأة في هذا التعجب الذي يستعير لغة موسى عند البحر الأحمر وداود في مزامير أخرى من مطاردته. هذا يخبرنا أن شعب إسرائيل لم يكن يخترع تسبيحًا جديدًا كل مرة، بل كان يعيش داخل تقليدٍ حيّ من العبادة يتوارثه جيلًا بعد جيل، حيث كل جيلٍ يستعير كلمات الأجيال السابقة ليصف بها ما فعله الله معه هو شخصيًّا.
اللغة الأصلية
الكلمة الأولى المهمة هي צְדָקָה (tsᵉdâqâh)، H6666، وتعني الاستقامة، العدل، وأحيانًا حتى "الرخاء" أو "الخير" بمعناه الأوسع Strong's. حين يقول المرنم "برّك"، فهو لا يتكلم عن قاعدة أخلاقية باردة، بل عن طبيعة الله التي تصنع الخير والعدل في كل ما تلمسه.
ثم كلمة מָרוֹם (mârôwm)، H4791، وتعني "الارتفاع" أو "المكان العالي" Strong's. الأصل من الفعل "رام" (يرتفع، H7311). هذه الكلمة تُستخدم أحيانًا للسماء نفسها، وأحيانًا بمعنى مجازي للسموّ والعظمة التي لا تُدرَك. حين يقول المرنم إن برّ الله "إلى العلياء"، فهو يقصد حرفيًّا: برّك يبلغ إلى أقصى ارتفاعٍ يمكن تخيّله — لا حدّ له من الأسفل ولا من الأعلى.
الاسم אֱלֹהִים (ʼĕlôhîym)، H430، يتكرر مرتين في هذه الآية القصيرة — مرة في البداية ومرة في النداء الأخير. هذا الاسم يُستعمل في العبرية القديمة للإله الحقيقي الأعظم فوق كل ما يُسمّى إلهًا Strong's. تكراره هنا ليس صدفة أسلوبية؛ إنه يضع اسم الله في قلب الجملتين، وكأن المرنم لا يستطيع أن يتكلم جملة واحدة دون أن يذكر اسمه.
أما الفعل עָשָׂה (ʻâsâh)، H6213، فيعني ببساطة "فعل" أو "صنع"، لكنه هنا مقترنٌ بصفة גָּדוֹל (gâdôwl)، H1419، أي "عظيم" — فتصبح العبارة "صنعتَ العظائم"، أي الأمور الكبيرة الفائقة Strong's. هذا الفعل نفسه هو الذي استُخدم في سفر التكوين لخلق العالم؛ فالمرنم يربط ضمنًا بين خلق الله للكون وبين تدخلاته الشخصية في حياته هو.
كيف تشير إلى المسيح
حين تقرأ "من مثلك؟" لا يمكنك ألا تتذكر أن العهد الجديد يجيب على هذا السؤال بطريقةٍ لم يتوقعها أحد: لا أحد مثل الله، إلا الله نفسه حين يصير إنسانًا. مريم، وهي شابة فقيرة من الناصرة، تردّد صدى هذه الآية بالضبط حين تُسبّح قائلة: "لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ" (لوقا ١:٤٩). هي تستعمل نفس اللغة، نفس الدهشة، لكنها تراها الآن تتجسّد في طفلٍ في أحشائها. الله الذي "صنع العظائم" عبر التاريخ صار هو نفسه العظيمة التي تُصنع في التاريخ.
أما "برّك إلى العلياء"، فهذا يجد صداه الأعمق في الصليب. برّ الله ليس فقط صفة سامية بعيدة، بل هو ما احتاج البشر أن يُعطَوه ليقفوا أمام الله بلا خزي. بولس الرسول يقول إن برّ الله أُظهر في المسيح (رومية ٣:٢١-٢٢)، وأن هذا البرّ الذي "إلى العلياء" — أي فوق طاقة أي إنسانٍ أن يبلغه بجهده — نزل إلينا في يسوع، فصار لنا مجانًا بالإيمان. فالمرنم يتعجب من برٍّ يراه من بعيد يعمل لصالحه؛ والمؤمن في العهد الجديد يفرح ببرٍّ صار له هو نفسه، لُبِسه كثوب.
السؤال "من مثلك؟" يجد جوابه الكامل في يسوع أيضًا حين يقول عنه بولس إنه "صورة الله غير المنظور" (كولوسي ١:١٥)، وحين يسجد له كل خليقة معترفةً أنه الرب (فيلبي ٢:١٠-١١). لا أحد مثل الله — وهذا بالضبط ما أثبته المسيح حين فعل ما لا يقدر عليه إلا الله: غفر الخطايا، وأقام الموتى، وقام هو نفسه من الموت. الدهشة التي عاشها المرنم أمام أعمال الله في التاريخ، يعيشها كل مؤمنٍ اليوم أمام عملٍ واحدٍ أعظم: الصليب والقيامة.
التطبيق
هل لاحظت آخر مرة وقفتَ فيها مذهولًا أمام الله، لا لأنك تحتاج شيئًا منه، بل لأنك ببساطة رأيت من هو؟ هذه الآية لا تأتي من رجلٍ مرتاح البال يتأمل في الطبيعة؛ تأتي من رجلٍ عجوز خائف، يعرف أن الموت قريب، وأن أعداءه ينتظرون سقوطه. ومع ذلك، بدل أن يغرق في الشكوى، يرفع عينيه ويقول: "من مثلك؟"
هذا يكشف لنا شيئًا مؤلمًا وجميلًا معًا: أعمق تسبيحٍ لا يولد من راحةٍ تامة، بل من إيمانٍ يرفض أن يُختزل بحجم الألم الحاضر. الثمن هنا واضح: أن تنظر إلى تاريخك — بكل ما فيه من جراح وخيبات — وتقول لله بصدق: "أنت صنعت عظائم"، حتى لو لم تنتهِ القصة بعد كما تريد. هذا ليس تفاؤلًا سطحيًّا؛ هو قرارٌ إيمانيّ يكلّف شيئًا: أن تتوقف عن مقارنة الله بحجم مشكلتك، وتبدأ بمقارنة مشكلتك بحجم الله.
اسأل نفسك: هل ترى برّ الله كصفةٍ بعيدة تسمع عنها في العظات، أم كقوةٍ حقيقية عملت في تفاصيل حياتك أنت؟ هل تستطيع، وأنت في منتصف أزمتك الحالية، أن تتوقف لحظة وتقول بصدقٍ لا بعادة: "من مثلك يا الله؟" ليس بعد أن تُحلّ المشكلة، بل الآن، في وسط الضباب؟
هذا هو التحدي: أن تصنع من ذاكرتك مذبحًا. أن تسترجع كل مرة صنع فيها الله "عظائم" في حياتك — نجاةً لم تتوقعها، غفرانًا لم تستحقه، بابًا فُتح حين ظننت أن كل الأبواب أُغلقت — وتضعها أمامك كدليلٍ حيّ، لا كذكرى باهتة. الشيخوخة، الخوف، الأعداء لن تختفي بمجرد أن تسبّح؛ لكنك ستقف فيها كمن يعرف من هو الله، لا كمن نسي.
نقاط للصلاة
- يا الله، ذكّرني ببرّك الذي لا حدّ له حين أشعر أن العالم من حولي كله ظلم وعوج.
- افتح عينيّ لأرى "العظائم" التي صنعتها في تاريخي الشخصي، ولا تدعني أنساها في وسط الضيق.
- علّمني أن أسبّحك في وسط الخوف، لا بعد أن يزول، كما فعل المرنم وهو لم يزل في أزمته.
- ثبّتني في إيماني حين أتقدّم في السن، وأخاف أن يُترك ضعفي دون حماية.
- اجعل قلبي يقول بصدقٍ لا بعادة: "من مثلك يا الله؟" في كل ظرفٍ أمرّ به.
تأمّلات
- متى كانت آخر مرة قلتَ فيها لله "من مثلك؟" ليس كعبارة دينية، بل كصرخة قلبٍ حقيقية؟
- هل تنظر إلى برّ الله كحقيقةٍ بعيدة تسمع عنها، أم كقوةٍ عملت فعلًا في تفاصيل قصتك؟
- ما هي "العظائم" التي صنعها الله في حياتك، والتي نسيتها أو توقفت عن ذكرها؟
- هل تستطيع أن تسبّح الله الآن، في وسط مشكلتك الحالية، دون أن تنتظر حلًّا أولًا؟
- ما الذي يمنعك اليوم من أن تثق ببرّ الله حين لا ترى النتيجة النهائية بعد؟