المزامير ١٣٥:٦
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
كُلَّ مَا شَاءَ الرَّبُّ صَنَعَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فِي الْبِحَارِ وَفِي كُلِّ اللُّجَجِ.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: "كلَّ ما شاء الربّ صنَع". هذه الجملة صغيرة، لكنها تحمل ثقلًا لا يُقاس. لاحظ أولًا أن النص لا يقول "الله يستطيع أن يفعل كل شيء" — بل يقول شيئًا أدقّ: كلّ ما شاءه بالفعل، فعله بالفعل. لا فجوة بين إرادته وفعله. لا شيء يعطّل مشيئته، ولا شيء يُبطئها، ولا شيء يُجبره على التراجع عنها.
ثم انظر إلى الاتساع الذي يرسمه المزمور: "في السماوات وفي الأرض، في البحار وفي كل اللجج". هذه أربع دوائر تُغطّي كل الوجود المعروف عند الإسرائيلي القديم: العلوّ البعيد الذي لا يُلمس (السماء)، الأرض التي نمشي عليها، البحر المفتوح، وأخيرًا "اللجج" — أي القيعان الغامضة العميقة التي لا يراها أحد ولا يسبر غورها إنسان. بعبارة أخرى: من أعلى نقطة يمكن تخيّلها إلى أعمق نقطة يمكن تخيّلها، ليس هناك مكان واحد خارج سلطان الربّ Tyndale.
هذه الآية ليست فكرة معزولة، بل هي جزء من مزمور تسبيح كامل (المزمور ١٣٥) يبدأ بدعوة "عبيد الربّ" ليُسبّحوه، ثم يذكّرهم بمن هو هذا الإله الذي يستحق التسبيح: إله يعقوب، إله فوق كل الآلهة، وإله الكون كله Matthew Henry. الآية ٦ هي القلب اللاهوتي لهذا التسبيح: نحن لا نُسبّح إلهًا محتملًا أو محدودًا، بل إلهًا فعل كل ما أراد.
لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية على المعنى الحرفي هنا؛ الجميع يتفقون على أن الآية تُعلن سيادة الله المطلقة على الخليقة. الاختلاف يظهر لاحقًا حين يُطبَّق هذا المبدأ على أمور مثل الخلاص والإرادة البشرية — لكن هذا نقاش لاحق، لا نقاش في نصّ هذه الآية نفسها.
السياق التاريخي
المزمور ١٣٥ من المزامير التي تُسمّى "مزامير الهللويا" لأنها تبدأ وتنتهي بكلمة "هللويا" — أي "سبّحوا الربّ". لا نعرف اسم كاتبه بالتحديد، لكن كثيرًا من الدارسين يضعونه في فترة ما بعد السبي البابلي، حين عاد جزءٌ من الشعب إلى أورشليم وأعاد بناء الهيكل، تقريبًا بين القرن السادس والخامس قبل الميلاد. لاحظ كيف يتكرر فيه الحديث عن "بيت الربّ" و"دياره" (الآيات ١-٢)، وكأن المصلّين يقفون فعليًا في ساحات الهيكل يُنشدون.
هذا السياق يُضيء الآية إضاءة قوية. الشعب الذي يُنشد هذا المزمور كان قد عاش أسرًا مرًّا في بابل، رأى هيكله يُهدم، ورأى أممًا وثنية أقوى منه بكثير — بابل، ثم فارس — تتحكم بمصيره السياسي. في ذلك العالم، كانت كل أمة تظن أن إلهها المحلي يحكم أرضًا معينة فقط، وأن قوة الإله تُقاس بقوة جيش عابديه. فحين يُقارَن الربّ بـ"آلهة الأمم" التي هي "صنعة أيدي الناس" (كما يقول المزمور نفسه لاحقًا في الآيات ١٥-١٨)، يأتي هذا الإعلان في الآية ٦ كصفعة لاهوتية: إله إسرائيل ليس إلهًا محليًا محدودًا بحدود جغرافية أو سياسية، بل هو الإله الذي فعل كل ما أراده في كل الكون — في السماء وفي البحار وفي أعماق لا يراها بشر.
تخيّل شعبًا صغيرًا، مُستضعَفًا سياسيًا، محاطًا بإمبراطوريات شاسعة، يقف في ساحة هيكل متواضع مقارنةً بمعابد بابل الضخمة، ويُنشد: إلهنا فعل كل ما شاء، في كل مكان. هذا ليس تفاخرًا فارغًا، بل هو تمسّك بالإيمان في وجه واقع يبدو مناقضًا له تمامًا. هذا المزمور يكاد يكون صدى مباشرًا لمزمور آخر (المزمور ١١٥:٣) يقول الشيء نفسه تقريبًا بالحرف، وكأن هذا التأكيد كان صيغة إيمانية متكررة يرددها المؤمنون في أوقات الضعف ليتذكروا من هو إلههم فعلًا.
اللغة الأصلية
الفعل الأهم هنا هو חָפֵץ (châphêts)، H2654، ويعني الميل إلى شيء، الانحناء نحوه برغبة، أو الابتهاج به. هذه ليست مجرد "إرادة" باردة أو قرار عقلي جاف، بل شيء أقرب إلى الشوق أو الرغبة القلبية. حين يقول المزمور إن الربّ فعل "كل ما شاء"، فهو لا يصف مجرد قرارات إدارية، بل ما مالت إليه إرادته ورغب فيه فعلًا Strong's.
ويقابله الفعل עָשָׂה (ʻâsâh)، H6213، وهو فعل بسيط جدًا في العبرية يعني "فعل" أو "صنع"، لكنه أوسع الأفعال استعمالًا في اللغة — يُستخدم للخلق، وللعمل اليومي، ولكل نشاط تقريبًا. الجمال هنا أن الآية تربط بين الرغبة (חָפֵץ) والفعل (עָשָׂה) بلا أي مسافة بينهما: ما مال إليه قلب الله، صار واقعًا بيده Strong's.
اسم الله المستخدم هو יְהֹוָה (Yᵉhôvâh)، H3068 — الاسم الشخصي المقدّس لله، المشتق من فكرة الوجود الذاتي الأزلي، الكائن الذي لا يستمد وجوده من غيره Strong's. هذا ليس اسمًا لإله من آلهة كثيرة، بل الاسم الخاص الذي كشفه الله لموسى عند العليقة، والذي يحمل معنى "أنا هو الكائن". حين يُنسب الفعل المطلق في الآية إلى هذا الاسم بالذات، فالرسالة أن الوجود المطلق وحده يملك إرادة مطلقة.
ثم تأتي الكلمات الأربع التي ترسم اتساع الكون: שָׁמַיִם (shâmayim) H8064 السماء، אֶרֶץ (ʼerets) H776 الأرض، יָם (yâm) H3220 البحر، תְּהוֹם (tᵉhôwm) H8415 اللجج أو الأعماق الغامرة. هذه الكلمة الأخيرة تحديدًا تحمل في العبرية صدى "الغمر الأول" — الفوضى المائية العميقة التي ذُكرت في بداية الخليقة (تكوين ١:٢). ذكرها هنا يعني أن حتى أكثر الأماكن غموضًا ورعبًا في التصور القديم — أعماق البحر السحيقة — هي أيضًا تحت مشيئة الربّ الفاعلة Strong's.
كيف تشير إلى المسيح
حين تقرأ "كل ما شاء الربّ صنع... في السماوات وفي الأرض"، لا يسعك إلا أن تتذكر كلمات يسوع بعد قيامته: "دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨:١٨). العبارة نفسها تقريبًا، الاتساع نفسه — السماء والأرض معًا — لكنها الآن مُعطاة لابن الإنسان القائم من الموت. هذا ليس تطابقًا لفظيًا عابرًا؛ إنه إعلان أن السلطان المطلق الذي كان يُنسب إلى يهوه وحده في المزمور، صار مُعطى للمسيح الممجَّد. العهد الجديد لا يخجل من أن ينسب ليسوع ما كان يُنسب لله وحده في العهد القديم.
وهناك خيط آخر أدقّ: المزمور يذكر أن الربّ يفعل ما شاء "في البحار وفي كل اللجج" — أي أن قوته تمتد حتى إلى أكثر الأماكن هيجانًا وفوضى في التصور القديم. وحين تقرأ في الأناجيل أن يسوع مشى على البحر (متى ١٤:٢٥)، أو سكّت العاصفة بكلمة، فأنت ترى نفس السلطان الإلهي يتجسّد بلحمٍ ودم أمام تلاميذ خائفين في قارب يتمايل. القوة التي كانت مجرد إعلانٍ في مزمورٍ عبادي، صارت مشهدًا محسوسًا يُرى بالعين.
والأعمق من هذا كله: هذه الآية تُعلن أن مشيئة الله لا تُعاق أبدًا. وهذا بالذات هو جوهر الإنجيل — أن خلاصك لا يتوقف على تقلّب إرادتك الضعيفة، بل على مشيئة إلهٍ فعل كل ما شاء، حتى حين شاء أن "يُخلّص شعبه من خطاياهم" (متى ١:٢١)، فأرسل ابنه، وأتمّ الفداء على الصليب رغم كل قوى الظلام التي حاولت أن تُعطّله. المسيح هو حيث تلتقي إرادة الله المطلقة بمحبته المطلقة، وتتحوّل الرغبة الإلهية (חָפֵץ) إلى فعلٍ خلاصي كامل (עָשָׂה) على الصليب — "قد أُكمل" (يوحنا ١٩:٣٠).
التطبيق
دعني أسألك سؤالًا صريحًا: هل تعيش كأن الله فعلًا "فعل كل ما شاء"، أم تعيش كأنه يفعل ما يستطيع، ثم يترك الباقي للصدفة أو للظروف أو لك أنت؟
كثير منّا يؤمن بالله نظريًا كإله كليّ القدرة، لكنه في لحظات القلق الحقيقي — حين يتأخر الشفاء، حين تنهار خطة، حين يبدو الشرّ منتصرًا — يتصرف كأن الله واقف على الهامش، يراقب فقط، عاجز عن التدخل. هذه الآية تأتي لتضع يدها على كتفك وتقول: لا. ليس هناك ركن واحد من الوجود — لا في السماء البعيدة، ولا في أرضك اليومية، ولا في أعمق أعماق ألمك التي لا يعرفها أحد — خارج سلطان من فعل كل ما شاء John Gill.
لكن هذا الحقّ له ثمن، وهو ثمن الخضوع. إن كان الله فعلًا فعل كل ما شاء، فهذا يعني أن ما يحدث في حياتك — حتى ما لا تفهمه، حتى ما يؤلمك — ليس خارج يده. هذا ليس دعوة للاستسلام السلبي، بل دعوة لثقة تُكلّفك أن تتوقف عن محاولة التحكم بكل شيء، وأن تُسلّم زمام ما لا تستطيع تغييره ليدٍ أثبتت أنها لا تفشل. الثمن هو أن تتوقف عن قول "لماذا سمح الله بهذا؟" بمرارة، وتبدأ تقول "ما دام هو من فعل هذا، فأنا أثق أن فيه حكمة أعمق من رؤيتي".
وثمنٌ آخر: إن كانت مشيئته تشمل السماء والأرض والبحار واللجج، فهي تشمل أيضًا حياتك أنت، بتفاصيلها. هل تترك له مشيئتك، أم تتمسك بمقودك خوفًا من أن تسلّمه لمن "يفعل كل ما شاء"؟
نقاط للصلاة
- يا ربّ، أعترف أني أحيانًا أعيش كأنك عاجز، لا كأنك من "فعلت كل ما شئت" — سامحني على قلة ثقتي.
- أطلب منك أن تُعلّمني أن أُسلّم لك ما لا أفهمه، لأنّ سلطانك يمتد حتى إلى أعمق "لُججي" الخفية.
- أشكرك لأن السلطان الذي في السماء والأرض أُعطي ليسوع نفسه، فأنا في يدٍ أمينة لا تُهزم.
- ساعدني أن أثق بمشيئتك حتى حين تتأخر إجابتك أو تختلف عن رغبتي.
- أُريد أن أُسبّحك كما سبّحك المزمور، لا لأني أفهم كل طرقك، بل لأني أعرف من أنت.
تأمّلات
- في أي منطقة من حياتك تتصرف عمليًا كأن الله لا يستطيع أن يتدخل فيها؟
- ما هو "اللجّ" العميق — الألم أو الخوف الذي لا تظن أن أحدًا يراه — الذي تحتاج أن تُصدّق أن سلطان الله يبلغه؟
- هل تفرّق بين إيمانك النظري بقدرة الله المطلقة، وثقتك العملية به في أزماتك اليومية؟
- إذا كان الله فعلًا يفعل "كل ما شاء"، فما الذي يمنعك من أن تُسلّمه مقود القرار الذي تتمسك به الآن؟
- كيف تتغير صلاتك إن آمنت حقًا أن مشيئة الله لا تُعاق أبدًا؟