صموئيل الثاني ٢١:١٠
تأمّل عميق بلغةٍ واضحة على هذه الآية. اقرأ الأصحاح
فَأَخَذَتْ رِصْفَةُ ابْنَةُ أَيَّةَ مِسْحًا وَفَرَشَتْهُ لِنَفْسِهَا عَلَى الصَّخْرِ مِنِ ابْتِدَاءِ الْحَصَادِ حَتَّى انْصَبَّ الْمَاءُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ تَدَعْ طُيُورَ السَّمَاءِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ نَهَارًا، وَلاَ حَيَوَانَاتِ الْحَقْلِ لَيْلاً.
توجد نسخة أحدث من هذا التأمّل العميق.
ما معناها
اقرأ الآية ببطء: امرأةٌ اسمها رصفة تأخذ قطعة قماشٍ خشن - "مِسْحًا" - وتفرشه لنفسها على صخرة، وتجلس هناك من بداية موسم الحصاد حتى تهطل الأمطار. لماذا؟ لأنّ جثث أبنائها السبعة - اثنان منهما ولداها، والباقون أبناء أخت شاول - كانت معلَّقة أمامها، بعد أن سلّمهم داود إلى الجبعونيين ليُقتلوا كفّارةً عن مجزرةٍ ارتكبها شاول بحقّهم قبل سنوات (صموئيل الثاني ٢١: ١-٩). الظاهر أنّ هذه امرأةٌ تحرس جثث أبنائها. لكن الأعمق أنّها تفعل هذا وحدها، شهورًا طويلة، تحت الشمس الحارقة ثم تحت المطر البارد، تطرد الطيور الجارحة نهارًا والوحوش ليلًا عن أجسادٍ لم يعد فيها شيءٌ تحميه سوى الكرامة. الشريعة كانت تأمر بدفن المُعلَّق في يومه لئلا تتنجّس الأرض (تثنية ٢١: ٢٣)، لكنّ الجبعونيين لم يكونوا إسرائيليين، فلم يكن هذا الحكم ملزمًا في هذه الحالة الاستثنائية Tyndale. هذا يفسّر لماذا استمرّ التعليق أشهرًا دون دفن. موضع الآية في القصة الأكبر: هذا حادثٌ في نهاية سِفر صموئيل الثاني، ضمن ملحقٍ يجمع أحداثًا من فترات مختلفة من حكم داود، ليُظهر كيف أنّ الخطيئة - حتى خطيئة الملك السابق - تجرّ عواقب على الأرض كلّها، وكيف أنّ الله يُصغي إلى فعلٍ صامت من امرأةٍ مكسورة القلب أكثر مما يُصغي أحيانًا إلى الأقوياء. المسيحيون لا يختلفون كثيرًا في تفسير هذه الآية تاريخيًّا، لكنهم يختلفون في تقييم عدالة القرار نفسه: فبعضهم يرى أنّ تسليم الأبناء إلى الموت كان تنفيذًا مشروعًا لعدالةٍ قديمة، بينما يتساءل آخرون - وبينهم مفسّرون محترمون - إن كان هذا حقًّا ما أراده الله، أم تسويةً بشريةً بين داود والجبعونيين لم يأمر بها الرب صراحةً Adam Clarke.
السياق التاريخي
سِفر صموئيل الثاني يروي تاريخ مملكة داود، وكُتب - بحسب الرأي الأغلب - من مصادر قديمة معاصرة للأحداث، ثم دُوّن في صورته النهائية بعد ذلك بجيل أو أكثر، ربما في القرن العاشر إلى السادس قبل الميلاد. هذا الحادث بالذات يُذكر هنا كملحقٍ تاريخي، لكنه يعود إلى وقتٍ أبكر من حكم داود، ربما في سنواته الوسطى Keil-Delitzsch Old Testament. القصة: مجاعةٌ ضربت إسرائيل ثلاث سنوات متتالية، فسأل داود الربّ عن السبب، فعرف أنّ شاول - رغم أنه مات - كان قد قتل جبعونيين غدرًا، ناقضًا عهدًا قطعه يشوع لهم قبل قرون (يشوع ٩). الجبعونيون لم يكونوا إسرائيليين بل بقيةً من الكنعانيين عاشوا بينهم بموجب عهدٍ مُقسَمٍ باسم الرب. طلب الجبعونيون - لا الله مباشرةً - أن يُسلَّم إليهم سبعة من نسل شاول ليُعدموهم "أمام الرب" في جبعة، موطن شاول. جرى هذا في بداية موسم حصاد الشعير، أي في الربيع، حين تكون الأرض جافةً ولا يُتوقَّع مطرٌ حتى الخريف. هذا يعني أنّ رصفة جلست تحرس الجثث لعدّة أشهر - من نيسان إلى تشرين تقريبًا - تحت شمس الصيف اللاهبة بلا ظلٍّ سوى قطعة القماش التي فرشتها John Gill. لم يكن هناك مفهوم "خصوصية" أو "كرامة الموتى" كما نعرفها اليوم؛ الجثث المعلَّقة كانت تُترك عمدًا عبرةً وعارًا، وتُلتهم عادةً من الطيور الجارحة والحيوانات البرّية. أن تُبقي امرأةٌ - وهي جارية سابقة لشاول لا زوجة رسمية - على هذه الحراسة الطويلة، كان عملًا غير مسبوق يلفت الأنظار حتى وصل خبره إلى داود نفسه، فدفعه إلى جمع عظام شاول ويوناثان وهؤلاء الأبناء ودفنها بكرامة (صموئيل الثاني ٢١: ١٢-١٤). في عالمٍ كانت فيه المرأة بلا سلطة تقريبًا، وكان الموتى غير المدفونين يُعتبرون ملعونين ومرفوضين، فعل رصفة الصامت كان أشبه باحتجاجٍ جسديٍّ طويل النَّفَس أمام السماء نفسها.
اللغة الأصلية
كلمة "שַׂק" (saq)، H8242، هي التي تُترجم "مِسحًا" - قماشٌ خشنٌ فظّ، غالبًا من شعر الماعز، يُستخدم في النَّوح وعلامة الحداد، كما فعل أخآب حين مزّق ثيابه ولبس المسح وصام (الملوك الأول ٢١: ٢٧). حين اختارت رصفة هذا القماش بالذات، لم تكن تبحث فقط عن غطاءٍ من الحرّ والبرد، بل كانت تُعلن حِدادها بجسدها كله، بلا كلمات. كلمة "צוּר" (tsûwr)، H6697، تعني الصخرة أو الحجر الحادّ، وأحيانًا تُستعمل مجازًا لـ"الملجأ" - وهي مفارقةٌ مؤلمة: الصخرة هنا ليست ملجأً بل مسرح موتٍ، والمرأة تفرش قماشها عليها كأنها تحاول أن تصنع من مكان الرعب بيتًا صغيرًا للحزن. أما الفعل "נָטָה" (nâṭâh)، H5186، ومعناه "يمدّ أو يبسط"، فيصوّر فعلها بدقّة: هي التي تمدّ يدها لتُبسط الغطاء، فعلٌ إراديٌّ متكرّر، ليس لحظة عابرة بل قرارًا يوميًّا تجدّده. وكلمة "נָתַךְ" (nâthak)، H5413، تعني "يسيل أو ينصبّ"، وتُستخدم هنا لوصف المطر المنصبّ من السماء - وهي نفس الكلمة التي قد تصف سيلان معدنٍ منصهر، أي فيضًا لا يُقاوَم Strong's. هذا المطر ليس مجرد نهاية فصل، بل هو - كما يفهمه كثير من القرّاء - علامة الله على أنّ الأرض قد تطهّرت أخيرًا وأنّ الغضب قد ارتفع. وكلمة "עוֹף" (ʻôwph)، H5775، أي الطيور، تُذكّرنا أنّ خصمها لم يكن بشرًا بل قوى الطبيعة الجارحة نفسها، تحرسهم منها امرأةٌ عزلاء بلا سلاحٍ سوى حضورها المستمرّ.
كيف تشير إلى المسيح
حين تقرأ عن أجسادٍ معلَّقةٍ يُقال عنها إنها "ملعونة من الله" (تثنية ٢١: ٢٣)، لا يمكنك ألا تتذكّر صليبًا آخر، على تلّةٍ أخرى، حيث عُلِّق جسدٌ بريءٌ بريءٌ تمامًا. بولس نفسه يستحضر هذه العبارة بالذات حين يكتب: "الْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غلاطية ٣: ١٣). أبناء شاول عُلِّقوا لأنّ خطيئة أبيهم استوجبت كفّارةً - كفّارةٌ لم يطلبها الله بنفسه بل البشر، وربما لم يكن ذلك هو الطريق الذي أراده الله أصلًا Matthew Henry. لكن على الصليب، الابن البريء تمامًا حمل لعنةً لم تكن لعنته، ليس لأنّ البشر طلبوا ذلك انتقامًا، بل لأنّ الله نفسه دبّر الفداء بمحبة. الفرق جوهريٌّ: هناك، أبناء يدفعون ثمن أبٍ خاطئ دون أن يُقال إنّ هذا رضا الله الكامل؛ هنا، الابن يدفع طوعًا ثمن أبناءٍ خاطئين برضا الآب ومحبته. لكن الصورة الأعمق في هذه الآية ليست في الأبناء المعلَّقين بل في رصفة نفسها. هي التي تجلس عند الصليب - إن جاز التعبير - ترفض أن تترك الجسد المرفوض للنسيان والافتراس، تحرسه بحبٍّ لا يملّ. أليست هذه صورةً باهتةً لمريم واقفةً عند الصليب، أو للنساء اللواتي أتين إلى القبر باكرًا يحملن الطيوب؟ حبٌّ يرفض أن يترك الجسد المهان بلا كرامة، حتى يأتي الله ويحوّل الحداد إلى دفنٍ لائق، والدفن إلى - في حالة يسوع - قيامة.
التطبيق
ثمّة سؤالٌ يواجهك في هذه الآية لا يمكن الهروب منه: ماذا تفعل حين لا تستطيع أن تُصلح شيئًا، لكنك ترفض أن تتركه؟ رصفة لم تستطع أن تُحيي أبناءها، ولم تستطع أن تغيّر حكم الملك، ولم تستطع أن توقف المجاعة. كل ما استطاعته هو أن تجلس، وتطرد الطيور، وتنتظر. هذا يبدو ضعيفًا، غير مُجدٍ، حتى عبثيًّا. لكن انظر ماذا فعل: بلغ خبرها داود نفسه، ودفعه إلى فعل العدالة الكاملة أخيرًا - الدفن الكريم لعظام شاول ويوناثان معًا (صموئيل الثاني ٢١: ١٤). حضورها الأمين، الصامت، غير المُجدي ظاهريًّا، غيّر مجرى القصة. أنت اليوم، ربما تحمل حزنًا لا تستطيع إصلاحه: علاقةً انكسرت، خطيئةً في عائلتك تدفع ثمنها أنت، وضعًا لا حيلة لك فيه سوى أن تبقى حاضرًا وتطرد "الطيور" التي تريد أن تنهش ما تبقّى من كرامة أحدٍ تحبّه. الآية لا تعدك بأنّ حضورك سيُصلح كل شيء بسرعة. رصفة جلست شهورًا، لا أيامًا. الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك هو الصبر غير المريح: أن تبقى حين يسهل عليك أن ترحل، أن تحرس كرامة إنسانٍ منسيّ حين لا أحد يشاهدك أو يكافئك، أن تثق أنّ الله يرى ما تفعله في الخفاء حتى لو بدا أنّ لا أحد يرى. هل هناك مكانٌ في حياتك تحتاج أن تجلس فيه، لا لتُصلح، بل لتحرس، حتى ينزل المطر؟
نقاط للصلاة
- يا رب، أعطني قلب رصفة الذي يرفض أن يهجر من يحتاج حضوري، حتى لو طال الانتظار.
- أنت الذي رأيت حراستها الصامتة وحرّكت قلب الملك - رَ ما أحمله من ألمٍ لا يراه أحد، وحرّكه نحو خيرٍ لا أعرف موعده.
- سامحني حين أهرب من المواقف الصعبة بحجّة أنّني "لا أستطيع أن أفعل شيئًا"، وعلّمني أنّ البقاء الأمين فعلٌ في حدّ ذاته.
- أشكرك لأنّ يسوع حمل اللعنة التي كنت أستحقّها أنا، وصار مرفوضًا لأصير أنا مقبولًا.
- أرسل "مطرك" - سلامك وشفاءك - على كلّ موقفٍ جافٍّ ومكسورٍ أحمله اليوم، وطهّر الأرض التي أنا فيها من غضبٍ طال أمده.
تأمّلات
- هل هناك شخصٌ أو موقفٌ في حياتك يحتاج منك حضورًا صامتًا وطويل النَّفَس، لا حلًّا سريعًا؟
- متى كانت آخر مرة بقيت أمينًا في موقفٍ يبدو عبثيًّا لأنك آمنت أنّ الله يرى؟
- كيف تتعامل مع كرامة إنسانٍ مرفوضٍ أو منبوذ في محيطك - هل تحرسها أم تتركها لـ"الطيور"؟
- هل تجد صعوبةً في تصديق أنّ المسيح حمل لعنتك أنت شخصيًّا، لا مبدأً عامًّا فقط؟
- أين تنتظر أنت "المطر" - علامة أنّ الله قد سمع وتحرّك - وكيف تتصرّف في أثناء الانتظار؟