# يوحنا الثالثة ١:١١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَيُّهَا الْحَبِيبُ، لاَ تَتَمَثَّلْ بِالشَّرِّ بَلْ بِالْخَيْرِ، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ الْخَيْرَ هُوَ مِنَ اللهِ، وَمَنْ يَصْنَعُ الشَّرَّ، فَلَمْ يُبْصِرِ اللهَ.

## ما معناها

انظر إلى هذه الآية: يوحنا يوجّه كلامًا مباشرًا وحادًّا لصديقه غايس، لكنّ خلفه شخصًا آخر يقف بالظل: ديوتريفس، ذاك الذي "يحب أن يكون الأول" كما قال في الآية قبلها [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). فالآية ليست وصيةً عامة معلّقة في الفراغ، بل جوابٌ على موقفٍ حقيقي: رجل في الكنيسة أساء استخدام سلطته، رفض ضيافة الإخوة، وطرد من أراد أن يستضيفهم. فيوحنا يقول لغايس: لا تتمثّل به!

لاحظ الفعل المستخدم: "لا تتمثّل" — أي لا تجعله نموذجًا تقلّده، لا تتخذه قدوة. هذا أعمق من مجرد "لا تفعل الشر"؛ إنه تحذير من الانبهار بشخصٍ ذي سلطة ونفوذ، حتى لو كان داخل الكنيسة نفسها [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

ثم يأتي المعيار الفاصل: "من يصنع الخير هو من الله، ومن يصنع الشر فلم يبصر الله". هذه ليست عقيدة عن الخلاص بالأعمال، بل كشفٌ عن طبيعة العلاقة مع الله. مَن عرف الله حقًّا لا بد أن تظهر ملامحه في سلوكه، لأن الله نفسه صالح. والعكس صحيح: من يمارس الشر باستمرار، بلا توبة ولا كسرة، يعلن بذلك أنه لم "يبصر" الله أبدًا — لم يرَه رؤية حقيقية باطنية، لا مجرد معرفة نظرية عنه [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

هذه الرسالة الصغيرة تقع في نهاية العهد الجديد، وهي شبه خاتمة لكل تعليم يوحنا عن المحبة والحق والحياة في نور الله. وهي تطبيقٌ عملي مباشر لما قاله في رسالته الأولى: "من يصنع البر مولود منه" (يوحنا الأولى ٢: ٢٩). لا خلاف كنسي كبير هنا بين التقاليد المسيحية، فالجميع يتفقون أن الآية تتحدث عن الثمر الذي يكشف الأصل، لا عن وسيلة الخلاص نفسها.

## السياق التاريخي

هذه الرسالة كتبها يوحنا الرسول، الشيخ الذي عاش حتى شيخوخته المتقدمة، على الأرجح من أفسس، في وقتٍ يقارب سنة ٩٠-٩٥ للميلاد. تخيّل رجلاً في الثمانينيات من عمره، آخر من بقي من التلاميذ الاثني عشر، يكتب رسالةً قصيرة جدًا — بضع فقرات فقط — إلى صديقٍ يحبه اسمه غايس، في كنيسةٍ من كنائس آسيا الصغرى.

في تلك الحقبة، كانت الكنائس المسيحية شبكةً من بيوتٍ صغيرة متناثرة، تعتمد بشدة على المعلمين المتجولين والرسل الجوّالين الذين ينتقلون من مدينةٍ إلى أخرى حاملين البشارة، معتمدين كليًا على ضيافة المؤمنين المحليين. لم تكن هناك فنادق مسيحية ولا مؤسسات — كان الإيمان بالحرف الحيّ يعني: تفتح بيتك لأخٍ غريب قادمٍ من بعيد، تطعمه، تؤويه، تزوّده لرحلته.

وهنا تكمن المشكلة: رجلٌ يُدعى ديوتريفس، على ما يبدو كان له نفوذ كبير في إحدى الكنائس، بدأ يرفض استقبال هؤلاء الرسل الجوالين، بل ويمنع غيره من استضافتهم، ويطرد من يخالفه من الكنيسة. لم يكن هذا خلافًا لاهوتيًا معقدًا، بل صراعًا على السلطة والمكانة داخل جماعةٍ صغيرة [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).

يوحنا، الشيخ العجوز، يكتب من بعيد، لا يستطيع أن يتدخل جسديًا بسرعة، فيرسل كلمات تشجيعٍ لغايس الذي بقي أمينًا، وتحذيرًا واضحًا من الانجراف وراء نموذج ديوتريفس. هذا العالم الصغير المتشابك من العلاقات الشخصية والبيوت والرسائل المحمولة يدًا بيد هو المسرح الحقيقي لهذه الآية — ليست نظرية أخلاقية مجردة، بل نصيحة أب روحي عجوز لابنه في الإيمان، وسط أزمة قيادة حقيقية.

## اللغة الأصلية

الفعل الذي يفتح الآية هو μιμέομαι (ميميوماي)، ومنه جاءت كلمة "تقليد" (Mimic) في لغاتٍ كثيرة اليوم [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). المعنى الحرفي هو أن تُمثّل حياة شخصٍ آخر، أن تجعلها نموذجك. ليس المقصود مجرد "لا تفعل" بل "لا تجعله معلمك، لا تنسخ حياته". هذا يفسّر لماذا لم يقل يوحنا ببساطة "لا تصنع الشر"، بل حذّر من الاقتداء بشخصٍ معيّن.

ثم عندنا كلمتان متقابلتان بدقة: κακός (كاكوس، الشر) وἀγαθός (أغاثوس، الخير) [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). كاكوس تصف ما هو رديء في جوهره، عديم القيمة، مؤذٍ من الداخل — لا مجرد سلوكٍ خاطئ عابر، بل شيء فاسد في طبيعته. وأغاثوس تصف الخير في أي معنى من معانيه، غالبًا كصفةٍ نابعة من طبيعة الله نفسه.

الكلمة الأهم ربما هي ὁράω (هوراو)، "يبصر" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). جذرها الأصلي يعني "يحدّق بثبات"، أي يدرك الشيء إدراكًا عميقًا وواضحًا، لا مجرد لمحة عابرة. حين يقول يوحنا "لم يبصر الله"، فهو لا يتحدث عن رؤية العين الجسدية — فلا أحد رأى الله هكذا — بل عن معرفةٍ باطنية حقيقية، اختبارٍ روحي عميق لله. من يعيش في الشر باستمرار يكشف أنه لم يختبر هذا الحضور الإلهي أبدًا، مهما ادّعى غير ذلك [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

وأخيرًا، لاحظ كلمة ἀγαπητός (أغابيتوس، "أيها الحبيب") التي تفتح الآية — من نفس جذر المحبة الإلهية أغابي. يوحنا لا يوبّخ غايس بجفاء، بل يخاطبه من قلبٍ محب، حتى وهو يقول له كلمة الحق الصعبة.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية صدى مباشر لما قاله يوحنا في إنجيله عن يسوع نفسه: "من يعمل السيئات يبغض النور، ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله" (يوحنا ٣: ٢٠). فالمسيح هو النور الذي يكشف من رأى الله حقًا ومن لم يره. ومن رأى المسيح، رأى الآب، كما قال هو نفسه لفيلبس: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يوحنا ١٤: ٩). فحين يقول يوحنا هنا "من يصنع الشر فلم يبصر الله"، فهو يفترض ضمنًا أن المسيح هو المكان الذي فيه يُرى الله فعليًا — ومن لم تتغير حياته بلقائه، لم يبصره حقًا.

والأهم: الآية تدعو غايس إلى التمثّل، إلى الاقتداء — لكن بمن؟ ليس بديوتريفس، بل ضمنيًا بالمسيح نفسه، الذي صنع الخير كله ولم يعرف شرًا. بولس يقول الشيء نفسه بصراحة أكبر: "كونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء" (أفسس ٥: ١)، والطريق الوحيد لنكون متمثلين بالله هو أن ننظر إلى المسيح، صورة الله غير المنظور، ونتشبّه به.

المسيح هو من صنع الخير الأعظم في التاريخ: أحبّ حتى الموت، غسل أرجل تلاميذه، خدم بدل أن يُخدم — بينما ديوتريفس في هذه الرسالة يمثل النقيض التام: محبة الرئاسة والتسلط. فالآية تضع أمام القارئ طريقين متقابلين تمامًا: طريق المسيح المتنازل الخادم، وطريق الأنا المتضخمة الباحثة عن المجد الذاتي. ومن يقتدي بالمسيح، يُظهر أنه ولد من الله فعلاً، كما يقول يوحنا في رسالته الأولى: "كل من يصنع البر مولود منه" (يوحنا الأولى ٢: ٢٩) — والبر الحقيقي الوحيد الذي رأيناه كاملاً متجسدًا هو بر يسوع نفسه.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالاً مباشرًا: من هو "الديوتريفس" في حياتك؟ من ذاك الشخص الناجح، صاحب النفوذ، الذي — رغم أن طريقته في التعامل مع الناس ليست طاهرة — تجد نفسك معجبًا به سرًا، وربما تقلّد بعض ما يفعله لأنه "ينجح"؟ ربما مديرٌ يدوس على الناس ليصل، أو صوتٌ مؤثر على الإنترنت يبني جمهوره بالسخرية والقسوة، أو حتى شخصٌ في كنيستك يستخدم موقعه ليتحكم لا ليخدم.

يوحنا لا يقول لك "لا تكن مثله" فحسب، بل يكشف لك أمرًا أخطر: طريقة تعاملك مع الناس هي مقياسٌ حقيقي لمعرفتك بالله. ليس شعارك، ولا صلواتك، ولا عقيدتك الصحيحة — بل: هل تصنع الخير فعلاً؟ هل تفتح بيتك، قلبك، وقتك للآخرين كما فتح الله ذاته لك؟

هذا ثمنٌ حقيقي. لأن صنع الخير المستمر يكلّف: يكلّفك راحتك حين يطرق أحدهم بابك في وقتٍ غير مناسب، يكلّفك كبرياءك حين تحتاج أن تعتذر أو تخدم من هو أدنى منك، يكلّفك سمعتك حين ترفض أن تسلك بقسوةٍ حتى لو كانت "ناجحة". الشر أحيانًا يبدو أذكى، أسرع، أكثر فاعلية على المدى القصير. لكن يوحنا يقول لك بصراحة: إن كنت تسلك في الشر بلا توبة، ولا كسرة، فهذا يكشف شيئًا مقلقًا — أنك لم تختبر الله بعد اختبارًا حقيقيًا، مهما كانت معرفتك اللاهوتية.

فاسأل نفسك اليوم بصدق: أين أقتدي بنماذج فاسدة لأنها ناجحة في نظر العالم؟ وما هو فعل الخير الصغير المحدد الذي يطلبه الله مني هذا الأسبوع، والذي أعرف أنه سيكلفني شيئًا؟

## نقاط للصلاة

- يا رب، افتح عينيّ لأرى أين أقتدي بنماذج قاسية أو متسلطة لأنها "تنجح"، بدل أن أقتدي بك.
- امنحني قلبًا يصنع الخير حتى حين يكلّفني ذلك راحتي أو سمعتي أو وقتي.
- اجعلني أميّز بصدق: هل حياتي تشهد أنني أبصرتك حقًا، أم أنني أحمل عنك معرفةً نظرية فقط؟
- ساعدني أن أكون كغايس لا كديوتريفس: أن أفتح بيتي وقلبي للإخوة بدل أن أتحكم فيهم أو أقصيهم.
- يا يسوع، شكّلني على صورتك أنت، صورة الخادم المتواضع، لا على صورة من يبحث عن الرئاسة والمجد الذاتي.

## تأمّلات

- من هو الشخص الذي أعجبت بطريقته في التأثير أو النجاح، رغم أن تصرفاته لا تشبه المسيح؟ ولماذا أعجبت به رغم ذلك؟
- هل هناك موقفٌ حديث اخترت فيه "الفعالية" على "الخير"، لأن الخير كان سيكلفني أكثر؟
- حين أتأمل حياتي في الشهر الماضي، هل يرى الآخرون فيّ ثمرًا يشهد أنني "من الله"، أم مجرد أقوال وعقيدة صحيحة بلا فعل؟
- ما هو باب محدد — بيتي، وقتي، مالي، سمعتي — أغلقته عمدًا أمام أحدٍ كان يحتاج ضيافتي أو مساعدتي؟
- إن كان "الإبصار" هنا يعني معرفة باطنية حقيقية لله، فهل معرفتي به معرفة اختبار حي، أم مجرد معلومات أحفظها؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:64:1:11
