# العبرانيين ١٢:٢ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ.

## ما معناها

اقرأ الآية مرّة ثانية، ببطء: "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع". كاتب هذه الرسالة يضع أمامك صورة سباق. تخيّل عدّائين في ملعبٍ قديم، والجمهور من حولهم يهتفون - وهذا بالضبط ما ذكره في الآية السابقة عن "جمهور من الشهود". فماذا يفعل العدّاء الحكيم وسط الزحام والضجيج؟ لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا؛ يركّز عينيه على نقطة واحدة. الآية تقول لك: تلك النقطة هي يسوع نفسه.

لاحظ أنّ الآية لا تقول "ناظرين إلى قوانين الإيمان" أو "إلى تعاليم الإيمان"، بل إلى شخصٍ. يسوع هو الذي **بدأ** فيك هذا الإيمان و**هو** الذي **يُكمّله** - ليس أنت من يُنهي السباق بقوّتك، بل هو الذي يمسك بيدك من أوّل خطوة إلى آخر خطوة [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). هذه نقطة يسهل تفويتها: النص لا يتحدّث فقط عن إيمانٍ "بيسوع"، بل عن يسوع كمصدر ومكمّل للإيمان نفسه - إيمانه هو، وإيمانك المرتبط به.

ثم يكشف لك الكاتب "كيف" احتمل يسوع: "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب". هنا سرّ عجيب - الصليب لم يكن نهاية بلا معنى، بل كان طريقًا إلى فرحٍ منتظر. ولم يكن مجرد ألمٍ جسدي، بل "خِزي" - عارٌ اجتماعي كامل، لأنّ الصلب كان أحطّ وسيلة إعدامٍ يُهان بها العبيد والمجرمون [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). ومع ذلك "استهان" به يسوع، أي حسبه لا شيء أمام ما هو أعظم.

والذروة: "فجلس في يمين عرش الله". هذه إشارة مباشرة إلى المزمور ١١٠:١، وهي تتكرّر في هذه الرسالة أكثر من مرّة (العبرانيين ١:٣) - إشارة إلى الكرامة والسلطان الذي نال يسوع بعد آلامه.

هذا كله يقع في سياق أكبر: الأصحاح الحادي عشر سرد أمثلة "أبطال" الإيمان من العهد القديم، والآن الكاتب يقول: كل هؤلاء عظماء، لكن ثمّة واحدٌ أعظم منهم جميعًا، هو نفسه موضوع نظرك وسبب صبرك.

## السياق التاريخي

لا نعرف بالضبط من كتب رسالة العبرانيين - الكنيسة القديمة تناقشت في هذا كثيرًا، بعضهم ظنّ بولس، وبعضهم برنابا، وبعضهم أبولوس. لكن المهم أنّ الكاتب يعرف العهد القديم معرفة عميقة، ويكتب لجماعة من المؤمنين اليهود الذين قبلوا المسيح، تقريبًا بين سنة ٦٠ و٧٠ للميلاد، أي قبل خراب الهيكل أو قريبًا منه.

تخيّل حال هؤلاء القرّاء: كانوا يهودًا آمنوا بيسوع كالمسيح المنتظر، فدفعوا ثمنًا باهظًا. أُقصوا من مجامعهم، احتُقروا من عائلاتهم وأصدقائهم، بل بعضهم صودرت أموالهم وسُجن (كما يُشار في العبرانيين ١٠:٣٤). كانوا متعبين، وبدأ بعضهم يفكّر: "أليس من الأسهل أن أرجع إلى ديانة آبائي، إلى شريعة موسى المألوفة، وأترك هذا الطريق المكلف؟"

هنا يأتي الكاتب ليقول لهم: لا تنظروا إلى الثمن الذي تدفعونه بمفرده، بل انظروا إلى من دفع ثمنًا أعظم قبلكم. الصلب في تلك الثقافة لم يكن مجرد إعدام - كان أداة إهانة متعمّدة، مخصّصة للعبيد وغير المواطنين، تهدف إلى تحطيم كرامة المُعدَّم أمام الجميع [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). فحين يقول الكاتب أن يسوع "استهان بالخزي"، فهو يذكّر قرّاءً يواجهون خزيًا اجتماعيًا حقيقيًا بأن قائدهم سبقهم إلى خزيٍ أعظم، ولم يتراجع.

ولاحظ أنّ الكاتب يستخدم صورة رياضية معروفة جدًا في العالم اليوناني الروماني - سباقات الملاعب، حيث يركّز العدّاء عينيه على الهدف ليتجاوز التعب. هذه صورة يفهمها كل قارئ في تلك الحقبة، سواء يهوديًا أو غير يهودي، لأن الألعاب كانت حاضرة في كل مدينة تقريبًا. الرسالة كلها، وهذا الأصحاح بالتحديد، كُتبت لتشجّع أناسًا على وشك التعب من السباق، ألا يتركوا المضمار.

## اللغة الأصلية

كلمة "ناظرين" في اليونانية هي ἀφορῶντες من الفعل ἀφοράω (أفوراو) G872، وهي مركّبة من "أبعن عن" (G575) و"ينظر" (G3708) - أي حرفيًا "ينظر مبتعدًا عن شيء نحو شيء آخر" [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). هذه ليست نظرة عابرة، بل حركة عين متعمَّدة: تنظر بعيدًا عن كل ما يشتت انتباهك - عن التعب، عن الخزي، عن العالم - لتثبّت نظرك على يسوع وحده.

ثم كلمة "رئيس" هي ἀρχηγός (أرخيغوس) G747، من "أصل/بداية" (G746) و"يقود" (G71). المعنى هو "القائد الأول" أو "الرائد الذي يفتح الطريق". هذه نفس الكلمة المستخدمة في العبرانيين ٢:١٠ لوصف يسوع كـ "رئيس خلاصهم" - فهو ليس معلّمًا يشير إلى الطريق من بعيد، بل قائدًا يمشي هو نفسه في المقدّمة، ويفتح الطريق بجسده.

و"مكمّله" هي τελειωτής (تليوتيس) G5051، من الجذر "يُكمّل" (G5048). الكلمة تعني "المُتمِّم" أو "من يُنهي العمل إلى كماله". يسوع ليس فقط من بدأ إيمانك، بل هو من سيُتمّه إلى النهاية - لا شيء ناقص فيك سيبقى ناقصًا إن كان هو المتمّم.

كلمة "السرور" هي χαρά (خارا) G5479، من "يفرح" (G5463) - فرح هادئ عميق، لا نشوة عابرة. و"موضوع أمامه" هي πρόκειμαι (بروكيماي) G4295، أي "يقف أمام العين كهدفٍ أو جائزة" - نفس الصورة الرياضية بالضبط.

وأخيرًا "احتمل" هي ὑπομένω (هيبومينو) G5278، من "تحت" (G5259) و"يبقى" (G3306) - حرفيًا "يبقى تحت الحمل"، لا يهرب منه ولا ينهار تحته، بل يصمد.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية ليست مجرد إشارة إلى المسيح - هي قلب الرسالة كلها موجّهٌ نحوه. كل شخصية في العبرانيين ١١ - أبراهيم، موسى، راحاب - كانت تنظر إلى الأمام، إلى وعدٍ لم تره بعد. لكن أنت، يا قارئ العهد الجديد، تنظر إلى شخصٍ رأيته بالفعل يعمل: يسوع، الذي أكمل ما كان أولئك ينتظرونه.

الصورة هنا هي صورة "القائد" أو "الرائد" - نفس الكلمة المستخدمة في العبرانيين ٢:١٠ عن "رئيس خلاصهم". يسوع لم يُرسَل فقط ليعلّمك الإيمان، بل ليصنعه فيك ويُتمّمه، لأنه هو نفسه سار بإيمانٍ كامل حتى الصليب [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

و"الجلوس في يمين عرش الله" هو صدى مباشر للمزمور ١١٠:١، وهو أحد أكثر النصوص التي يستشهد بها العهد الجديد عن المسيح. هذا الفعل - الجلوس - يُشار إليه أيضًا في العبرانيين ١:٣ بكلماتٍ قريبة جدًا: "جلس في يمين العظمة في الأعالي". والمعنى ليس مجرد استراحة، بل تنصيب ملكي: المسيح المصلوب هو الآن الملك الجالس، وهذا ما تؤكده أيضًا بطرس الأولى ٣:٢٢ حين تصفه بأنه "في يمين الله" مع خضوع الملائكة والسلاطين له.

أما "الفرح الموضوع أمامه" الذي دفعه لاحتمال الصليب، فهذا يربطك بأفسس ٥:٢ الذي يصف تقديم المسيح لنفسه كـ"قربان وذبيحة رائحة طيبة" - أي أن الصليب لم يكن مأساة عارضة بل عملًا محبًا، مقصودًا، مُتوقَّعًا بفرح. والفرح الذي كان أمامه هو أنت، وكل من سيخلصهم - كما تقول العبرانيين ٩:٢٨ عن حمله خطايا كثيرين. فحين تنظر إلى يسوع في هذه الآية، أنت تنظر إلى الرجل الذي كنتَ أنت جزءًا من الفرح الذي دفعه لاحتمال الألم.

## التطبيق

أظنّك تعرف هذا الشعور: تركض في سباقٍ طويل - زواج متعب، مرضٌ لا ينتهي، إيمان يبدو باهتًا - وتشعر أن كل من حولك يشاهدك، والتعب يثقل ساقيك، وصوتٌ في داخلك يقول: "توقّف، ما الفائدة؟"

هذه الآية لا تقول لك "تشجّع" بكلامٍ فارغ. تقول لك: انظر - بالتحديد إلى أين توجّه عينيك. المشكلة ليست غالبًا أنك لا تملك قوّة كافية، بل أنك تنظر إلى المكان الخطأ: إلى تعبك، إلى من يحكم عليك، إلى مقارنة نفسك بغيرك. والكلمة اليونانية هنا تعني حرفيًا أن تبتعد بعينك عن كل ذلك وتثبّتها على يسوع وحده [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke).

والثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ليس صغيرًا: أن تستهين - كما استهان هو - بما يخيفك من خزيٍ أو رفضٍ أو خسارة. هل تخشى أن يظنّك زملاؤك متعصّبًا لأنك تعيش أمانتك؟ هل تخاف كلام الناس أكثر من خوفك من أن تُخيّب الله؟ يسوع احتمل صليبًا حقيقيًا - أداة إهانة مصمَّمة لتحطيم الكرامة - ولم يتراجع، لأن الفرح الذي أمامه كان أعظم من الخزي الذي حوله.

فالسؤال ليس: "هل أنا قوي بما يكفي لأصمد؟" بل: "إلى أين أنظر الآن؟" لو أنك تركّز على متاعبك، ستنهار. لو ركّزت على يسوع - القائد الذي يمشي فعلًا أمامك في هذا السباق، لا يشاهدك من بعيد فقط - ستجد أن الصمود ليس معجزة نادرة بل نتيجة طبيعية لنظرك.

اليوم، حاول أن تسمّي بوضوح ما يشتّت عينك عن يسوع، وانقلها عنه بتعمّد، كما فعل هو حين استهان بالخزي من أجل فرحٍ أعظم.

## نقاط للصلاة

- يا رب، ساعدني أن أحوّل عينيّ عن كل ما يثقلني اليوم وأثبّتهما على يسوع وحده.
- أعترف أنني أحيانًا أخشى الخزي والرفض أكثر مما أثق بفرحك الموضوع أمامي، فسامحني وقوِّ ثقتي.
- شكرًا لك يا يسوع لأنك رئيس إيماني ومكمّله - أنت من بدأت العمل فيّ وأنت من ستُتمّمه.
- أعطني قوّة لأحتمل، كما احتملت أنت، ما يكلّفني في هذا الطريق من ثمنٍ اجتماعي أو شخصي.
- يا رب، ذكِّرني كل يوم أنك الآن جالس في يمين عرشك، منتصرًا، ولست وحدي في هذا السباق.

## تأمّلات

- ما هي الأشياء التي تسرق نظري اليوم عن يسوع - تعب، خوف، مقارنة بالآخرين؟ اذكرها بصراحة.
- هل هناك "خزي" معيّن أخافه أكثر من اللازم، حتى صار يعيق طاعتي؟
- ما الفرق بين أن "أنظر إلى إيماني" وأن "أنظر إلى يسوع"؟ أيّهما أفعله أكثر فعليًا؟
- لو أن يسوع "استهان" بالخزي من أجل فرحٍ لم يره بعد، ما الفرح الذي أنا مدعوٌّ لأن أتذكّره وسط تعبي الحالي؟
- من هم "الشهود" في حياتي الذين يشاهدون كيف أركض سباقي - وهل نظري إليهم أكثر من نظري إلى يسوع؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:58:12:2
