# العبرانيين ١٠:٢٥ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ،

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". أول ما يظهر لك أن هذا أمرٌ لا اقتراح؛ الرسول لا يقول "حبذا لو اجتمعتم"، بل يحذّر من عادةٍ سيّئة بدأت تتسرّب بين بعض المؤمنين: ترك الاجتماع. لاحظ العبارة الدقيقة "كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ" — أي أن هذا لم يكن سقطة عابرة عند شخصٍ واحد، بل صار نمط حياة عند فئة منهم، أمرًا معتادًا يفعلونه بلا شعورٍ بالخطورة [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).

لكن الجزء الذي يسهل تفويته هو الشِّق الثاني: "بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا". الاجتماع هنا ليس غايةً في ذاته، بل وسيلة. الهدف ليس فقط "الحضور"، بل أن يُقوّي المؤمنون بعضهم بعضًا، أن يشدّ بعضهم أزر بعض. فالآية لا تحارب فقط الغياب، بل تحارب الحضور الفارغ الذي لا يبني أحدًا.

ثم تأتي الجملة الأخيرة: "وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ". أي يومٍ؟ الأرجح أنه إشارة إلى يوم مجيء الرب، أو -بحسب سياق الرسالة كلها الموجّهة إلى عبرانيين يعيشون في ظل خطر سقوط أورشليم والاضطهاد- إشارة إلى دينونةٍ وشيكة كانت تلوح في الأفق التاريخي [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). المعنى العملي واحد: كلما اقترب اليوم، ازدادت الحاجة إلى الاجتماع، لا العكس. كثيرون يظنون أن اقتراب الضيق مبرّر للانزواء، والرسول يقول العكس تمامًا.

هذه الآية تقع في خاتمة قسمٍ طويل من الرسالة (الأصحاحات ٧-١٠) يشرح كيف أن المسيح كاهنٌ أعظم وذبيحته كاملة، ثم يبني على هذا الأساس اللاهوتي دعوةً عملية: بما أن لنا هذا الدخول الجريء إلى محضر الله (العبرانيين ١٠:١٩-٢٢)، فلنتمسك، ولنتحابّ، ولنجتمع. لا خلاف كبير بين التقاليد المسيحية في فهم هذه الآية؛ الجميع يتفقون أنها دعوة صريحة للانتظام في الشركة الكنسية، وإن اختلفت التطبيقات حول شكل هذا الاجتماع.

## السياق التاريخي

رسالة العبرانيين كُتبت على الأرجح بين سنة ٦٠ و٧٠ ميلادية، أي قبيل خراب أورشليم وهيكلها سنة ٧٠م، لجماعة من المسيحيين اليهود (أو خلفية يهودية) كانوا يعيشون تحت ضغطٍ شديد. الكاتب غير معروفٍ بيقين — نُسبت الرسالة تقليديًا لبولس، لكن كثيرين من الدارسين القدامى والمحدثين يشكّون في ذلك بسبب أسلوبها المختلف؛ المهم أنها كُتبت بيد شخصٍ متمكّن جدًا من العهد القديم يخاطب جماعةً تعرف ناموس موسى وطقوس الهيكل معرفةً دقيقة.

تخيّل حال هؤلاء الناس: هم يهودٌ آمنوا بيسوع المسيح، لكنهم يعيشون في مجتمعٍ يهودي ما زال متمسكًا بالهيكل والذبائح والكهنوت اللاوي. الإيمان بالمسيح كلّفهم كثيرًا — طردٌ من المجمع، قطيعة عائلية، وربما اضطهاد فعلي، فقد أشار الكاتب لاحقًا إلى أنهم "احتملوا جهادًا عظيمًا من الآلام" وصودرت أموالهم (العبرانيين ١٠:٣٢-٣٤). في هذا المناخ، بدأ بعضهم يتراجع بهدوء: لماذا لا أعود إلى ممارسات اليهودية القديمة الآمنة اجتماعيًا، وأترك هذه الاجتماعات المسيحية الخطرة والمُلاحَقة؟

هذا هو المفتاح لفهم الآية. الترك المقصود هنا ليس مجرد كسل أو انشغال، بل غالبًا كان استراتيجية بقاء: الاختباء، تجنّب لفت الأنظار، الانسحاب التدريجي حتى لا يُعرَف المرء كمسيحي [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). وكانت هذه الاجتماعات في تلك الحقبة غالبًا صغيرة وسرّية، تُعقد في بيوت، لا في مبانٍ عامة، لأن المسيحية لم تكن بعد ديانةً مُعترفًا بها قانونيًا.

كما أن "اليوم الذي يقرب" كان له وقعٌ ملموس جدًا على هؤلاء القرّاء بالذات: كانوا يشهدون توتّرًا سياسيًا متصاعدًا بين اليهود والرومان، توترًا سينفجر فعليًا في الثورة اليهودية الكبرى وخراب الهيكل سنة ٧٠م. فحين يقول الكاتب "تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ"، لم يكن كلامًا مجردًا عن آخر الأزمنة فقط، بل كان يشير إلى علاماتٍ يعيشونها بأعينهم في شوارع أورشليم واليهودية.

## اللغة الأصلية

الكلمة المحورية هنا هي الفعل ἐγκαταλείπω (إنكاتاليپو)، G1459، وتعني "أن يترك أحدًا وراءه، يهجره، يخذله" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا فعلٌ قوي جدًا في اليونانية، وهو نفس الفعل الذي استخدمه يسوع على الصليب حين صرخ "إلهي إلهي لماذا تركتني" — أي أنه فعلٌ يحمل ثقل الخذلان والهجر، لا مجرد "الغياب العرضي". حين يقول الكاتب "غَيْرَ تَارِكِينَ"، فهو يستخدم صيغة النفي مع μή (مِه)، G3361، وهي أداة نفيٍ تحمل طابعًا شرطيًا وتحذيريًا أكثر من النفي المطلق، كأنه يقول: "إياكم أن تكون هذه هي طبيعتكم" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

أما كلمة "اجتماعنا" فهي ἐπισυναγωγή (إبيسيناغوغه)، G1997، ومعناها الحرفي "تجميعٌ كامل" أو "لمّة تامة"، وهي كلمة نادرة جدًا في العهد الجديد؛ لا تظهر إلا هنا وفي رسالة تسالونيكي الثانية ٢:١ حيث تُستخدم عن اجتماع المؤمنين حول المسيح عند مجيئه [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا الترادف اللغوي مثير: نفس الكلمة التي تصف اجتماعنا الأرضي الأسبوعي تصف أيضًا اجتماعنا الأخير عند الرب في مجيئه. وكأن كل اجتماعٍ كنسي صغير هو صدىً وتمرينٌ مسبق لذلك الاجتماع الكبير الأخير [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

ثم كلمة παρακαλέω (پاراكاليو)، G3870، المترجمة "واعظين"، ومعناها الأصلي "أن تدعو أحدًا إلى قربك"، من παρά (بجانب) وκαλέω (تدعو) [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هي ليست وعظًا رسميًا من فوق منبر بالضرورة، بل أقرب إلى: أن تسحب أخاك بجانبك، أن تشجّعه وتُعزّيه وتُقوّي عزيمته وجهًا لوجه. وأخيرًا "تَرَوْنَ" هي من βλέπω (بليپو)، G991، فعل النظر والإبصار الفعلي، أي أن الكاتب يطلب منهم يقظة العين، لا مجرد معرفة نظرية بأن اليوم آتٍ.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية لا تُفهم إلا في ضوء ما سبقها مباشرة: "فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ" (العبرانيين ١٠:١٩). أي أن دعوة الاجتماع ليست وصية معلّقة في الهواء، بل هي ثمرة مباشرة لعمل المسيح: لأن يسوع فتح الطريق إلى حضرة الله بذبيحة جسده، صار لنا الآن سببٌ حقيقي لنجتمع معًا في محضره، لا لنؤدي طقسًا فارغًا كما كان يفعل الكهنة اللاويون كل يوم بذبائح لا تكمّل شيئًا (العبرانيين ١٠:١١-١٤).

والأعمق من هذا هو الرابط اللغوي بكلمة "الاجتماع" (ἐπισυναγωγή) التي رأيناها تُستخدم في تسالونيكي الثانية ٢:١ عن جمع المسيح لمختاريه عند مجيئه. فكل مرة يجتمع فيها المؤمنون حول اسم يسوع، هم يتمرّنون على ذلك الاجتماع الأبدي الأخير، حين يجمعنا هو نفسه إليه إلى الأبد. اجتماعنا الأسبوعي الصغير هو نبوءةٌ حيّة، إعلانٌ مصغّر، عن اجتماعٍ أعظم قادم.

وتذكّر أيضًا وعد المسيح نفسه: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (متى ١٨:٢٠). هذا يعني أن الاجتماع المسيحي ليس مجرد لقاء بشري بل مكان حضور حقيقي للمسيح نفسه بيننا. حين تترك الاجتماع، أنت لا تفوّت فقط زملاءك في الإيمان، بل تفوّت مكانًا وعد المسيح أن يكون حاضرًا فيه بطريقة خاصة.

و"اليوم الذي يقرب" الذي تشير إليه الآية يجد معناه الكامل في وعد المسيح بمجيئه الثاني، الذي تكرّر ذكره في الرسالة (العبرانيين ٩:٢٨)، حين سيظهر ثانيةً لا ليحمل خطية بل ليخلّص الذين ينتظرونه. فالاجتماع المسيحي إذًا هو انتظارٌ جماعي، ترقّبٌ مشترك ليوم عودة الملك.

## التطبيق

لنكن صريحين: هذه الآية تلامسك اليوم أكثر مما تتخيل. نحن نعيش في زمنٍ يجعل من السهل جدًا أن "تترك الاجتماع" دون أن تشعر أنك فعلت شيئًا خطيرًا. لا اضطهادَ يهددك كما هدد أولئك العبرانيين، بل انشغالٌ، تعبٌ، شاشة، راحة أسبوع نهاية، أو ببساطة شعورٌ بأنك "لا تحتاج" لأحد لتعبد الله. وهذا بالضبط ما يحذّر منه النص: أن يصبح الغياب "عادة" — لا قرارًا واعيًا في كل مرة، بل نمطًا تسلّل دون أن تُلاحظه.

لكن تذكّر ما تحمله كلمة "تركتم": نفس الفعل الذي صرخ به يسوع "إلهي لماذا تركتني". حين تترك إخوتك في الإيمان، أنت لا تغيب عن نشاط، أنت تخذل أشخاصًا يحتاجون إليك، وتحرم نفسك من أشخاصٍ تحتاج إليهم أنت. المسيحية ليست علاقة فردية بينك وبين الله فقط، رغم أهمية ذلك؛ هي جسدٌ واحد، وكل عضوٍ ينسحب يُضعف الجسد كله.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية محدَّد: أن تجعل الاجتماع بإخوتك أولوية لا رفاهية، حتى حين لا "تشعر" برغبة، حتى حين يكلّفك وقتًا أو راحة أو مواجهة أشخاص لا تحبهم كثيرًا. والأصعب: أن لا تكتفي بالحضور الجسدي، بل أن "تعظ" أخاك — أن تسأله عن حاله فعلًا، أن تشجّعه بكلمة، أن تكون سببًا في تقوية إيمانه لا مجرد وجهٍ آخر في الصف.

واقتراب "اليوم" ليس مبرّرًا للانزواء والخوف، بل دافعًا مضاعفًا للتجمّع والتشجيع. كلما ازدادت الفوضى من حولك، كلما احتجت أكثر أن تكون بجانب من يذكّرك بالحق. فاسأل نفسك بصدق: هل اجتماعك بالكنيسة صار عادةً هامشية، أم صار مكانًا حيًا تُعطي فيه وتأخذ؟

## نقاط للصلاة

- يا رب، اغفر لي المرات التي جعلتُ فيها غيابي عن إخوتي عادةً بلا وخز ضمير.
- امنحني قلبًا لا يبحث فقط عمّا "يستفيده" من الاجتماع، بل يسعى ليعزّي ويقوّي غيري.
- ذكّرني أن حضورك الحقيقي بيننا حين نجتمع باسمك هو سببٌ كافٍ ليجعل هذا الاجتماع أولوية في حياتي.
- أعطني عينًا مستيقظة ترى اقتراب يومك، فلا أتراخى بل أزداد التصاقًا بإخوتي في الإيمان.
- ارفع عني الخوف والانشغال اللذين يبعداني عن جسدك، واربطني بمن يحتاجون تشجيعي ومن أحتاج تشجيعهم.

## تأمّلات

- متى كانت آخر مرة غِبت فيها عن اجتماع الكنيسة دون سببٍ حقيقي، وماذا كان الدافع الصادق وراء ذلك؟
- هل صار حضورك في الكنيسة مجرد "عادة" فارغة، أم لحظة حقيقية تعزّي فيها أحدًا وتُعزّى؟
- من هو الشخص الذي يحتاج كلمة تشجيع منك هذا الأسبوع، ولماذا لم تقلها بعد؟
- هل تعيش بوعيٍ أن "اليوم يقرب"، أم أن هذه الفكرة صارت بعيدة ومجرّدة عن حياتك اليومية؟
- ما

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:58:10:25
