# كورنثوس الثانية ٥:١٧ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقةٌ جديدة". لاحظ أولًا أنها ليست وعظًا عامًّا عن "التغيير" أو "التحسّن الذاتي". بولس يتكلم عن شيء أعمق: خليقة، أي عمل خلقٍ من العدم، لا ترميمًا لشيءٍ قديم. الأشياء العتيقة "قد مضت" - الفعل هنا يحمل معنى الذهاب أو الزوال الكامل، كما يذوب الثلج تحت الشمس دون جهدٍ منه [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). والملفت أن بولس لا يقول "بعض الأشياء صارت جديدة" بل "الكلّ" - شمولٌ كامل، لا ترقيع.

الشرط "إن كان أحدٌ في المسيح" هو المفتاح الذي يفتح كل الآية. هذا ليس عن جهدٍ أخلاقي تبذله لتُصبح إنسانًا أفضل، بل عن اتحادٍ حقيقي بالمسيح - كالغصن في الكرمة. من هو "في المسيح" لا يبقى في المسيح ويظل قديمًا؛ الاتحاد نفسه يُحدث خلقًا جديدًا.

سياق السِّفر: بولس كان يدافع عن رسوليته وخدمته أمام كنيسة كورنثوس التي شكّت فيه، وقد تحدّث قبل آيتنا مباشرةً عن أنه "لا يعرف أحدًا بعد بحسب الجسد" (٥:١٦) - أي أن نظرته للناس، وحتى للمسيح، تغيّرت جذريًّا بعد الصليب والقيامة. آيتنا هي النتيجة المنطقية: إن كان المسيح نفسه قد دخل حياةً جديدة بقيامته، فمن هو متّحدٌ به يشارك هذه الحياة الجديدة الآن، لا في المستقبل فقط.

لا يوجد خلافٌ عقائديٌّ كبير بين التقاليد المسيحية حول جوهر هذه الآية - كلها تتفق أن الاتحاد بالمسيح يُنتج تحوّلًا حقيقيًّا. لكن هناك فرقًا في التركيز: البروتستانت غالبًا يقرأونها في ضوء "التبرير" اللحظي (الله يُعلن البرّ فورًا)، بينما الأرثوذكس والكاثوليك يميلون لربطها بمسارٍ متدرّج من التقديس يستمر مدى الحياة. الآية نفسها تحتمل الاثنين: هي إعلانٌ عن حقيقةٍ حاصلة، وبذرة تنمو.

## السياق التاريخي

كتب بولس هذه الرسالة إلى كنيسة كورنثوس، وهي مدينةٌ يونانيةٌ رومانية صاخبة، مركز تجارةٍ وبحارةٍ ومال، معروفةٌ بانفتاحها الأخلاقي وتعدد عباداتها الوثنية. التاريخ التقريبي هو حوالي سنة ٥٥-٥٦ ميلادية، أي أقل من ثلاثين سنة بعد قيامة المسيح. بولس كان قد أسّس هذه الكنيسة قبل سنوات قليلة، وكانت تعاني من انقساماتٍ داخلية وشكوكٍ حول شخصيته ورسوليته - بعض المعلّمين الزائرين كانوا يهاجمونه ويقولون إنه ضعيفٌ ولا يستحق الثقة.

الرسالة الثانية إلى كورنثوس هي من أكثر رسائل بولس شخصيةً وعاطفية؛ فيها يفتح قلبه عن الآلام التي مرّ بها في آسيا الصغرى - يقول إنه "تعب جدًّا فوق الطاقة حتى أنه كان يئس من الحياة" (١:٨). في هذا السياق من الضعف والمعارضة، يكتب أصحاح ٥ كاملًا عن الأمل بعد الموت، وعن حياته "بالإيمان لا بالعيان"، وعن خدمته للمصالحة.

تخيّل الناس الذين تلقّوا هذه الرسالة: تجّار وعمال وموالٍ سابقين، أغلبهم من أصولٍ وثنية، عاشوا حياةً كاملة تحت عبادة الأصنام، الزنى المقدَّس في هياكل معابد كأفروديت، والفلسفات اليونانية المتنافسة. حين يقرأون "خليقة جديدة" لم يكن هذا تعبيرًا مجازيًّا لطيفًا بل كان صادمًا: يعني أن الهُوّية القديمة كلها - العادات، الولاءات، حتى الطريقة التي ينظرون بها للناس والعالم - قد انتهت فعلًا [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

اليهود بينهم أيضًا كانوا يستخدمون تعبيرًا مشابهًا: من يهتدي للإيمان الحقيقي "كمن خُلق من جديد" [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). فبولس لا يخترع فكرة غريبة، بل يستعمل لغةً مألوفة ليقول إن ما كان يُقال رمزيًّا عن الاهتداء الديني، صار حقيقةً فعليةً وكاملة في المسيح.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأهم هنا هي **καινός** (كاينوس) G2537، وتعني "جديد". لكن اليونانية عندها كلمةٌ أخرى للجديد وهي "نيوس" (νέος)، التي تعني جديدًا من حيث الزمن - أي حديث العهد. أما "كاينوس" فتعني جديدًا من حيث الجوهر والنوعية، شيءٌ لم يكن له وجودٌ من قبل على الإطلاق [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا فارقٌ حاسم: بولس لا يقول إنك أصبحت نسخةً محدَّثة من نفسك القديمة، بل إنك صرتَ شيئًا لم يكن موجودًا قبلًا بهذا الشكل. هذا يتفق تمامًا مع ما قاله جيمسون-فوست-براون: "الجديد" هنا يعني طبيعةً جديدة كليًّا، لا مجرد شيءٍ حديث [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

كلمة **κτίσις** (كتيسيس) G2937 المترجمة "خليقة" تعني الفعل الأصلي للخلق، أو نتيجة هذا الفعل - وهي الكلمة المستخدمة لخلق العالم في التكوين. بولس يختار عمدًا كلمةً تربط ما يحدث لك في المسيح بما حدث يوم قال الله "ليكن نور". هذا ليس تجديدًا نفسيًّا، هذا خلقٌ [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

كلمة **ἀρχαῖος** (أرخايوس) G744 المترجمة "عتيقة" تعني ما هو أصلي أو بدائي - أي حالتك الأولى، جذورك القديمة قبل المسيح، لا مجرد أخطاءٍ عابرة.

والفعل **παρέρχομαι** (باريرخومَاي) G3928 المترجم "مضت" يحمل معنى العبور أو الزوال التام، كسحابةٍ تعبر ولا تعود. أما **γίνομαι** (جينوماي) G1096 المترجمة "صار" فتعني الدخول إلى حالة وجودٍ جديدة - فعلٌ يصف تحوّلًا حقيقيًّا لا وهميًّا.

ولاحظ أخيرًا كلمة **ἐν** (إن) G1722، حرف الجر الصغير "في" - "في المسيح". هذا الحرف يحمل معنى المكان والاتحاد، لا مجرد الانتماء الفكري. أنت لست "مع" المسيح كصديقٍ يمشي بجانبك، بل "في" المسيح - داخل حياته، كالغصن داخل الكرمة.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تقف مباشرةً على أساس قيامة المسيح. تذكّر الآية السابقة (٥:١٦): بولس يقول إنه لا يعرف المسيح بعد "بحسب الجسد" - أي كإنسانٍ ميتٍ في التاريخ، بل كمن قام من الأموات ودخل حياةً جديدةً كليًّا لا تعرف الموت. وبولس يربط هذا مباشرةً بمصير كل من هو "في" هذا المسيح: إن كان رأسك قد قام إلى حياةٍ جديدة، فأنت - كجسدٍ متّحدٍ به - تشارك هذه الحياة الجديدة الآن.

هنا صدى واضح لنبوءة حزقيال: "أُعطيكم قلبًا جديدًا... وأنزع قلب الحجر" (حزقيال ٣٦:٢٦). العهد القديم كان يترقّب هذا اليوم الذي فيه يُغيّر الله طبيعة شعبه من الداخل، لا فقط يُصلح سلوكهم. وبولس يقول: هذا اليوم أتى، وقد أتى بالمسيح. ما وعد الله به إسرائيل من قلبٍ جديد وروحٍ جديدة تحقّق فعلًا فيمن اتّحد بيسوع.

ويربطها يسوع نفسه بحديثه مع نيقوديموس: "إن كان أحدٌ لا يُولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يوحنا ٣:٣). الولادة الجديدة والخليقة الجديدة هما وجهان لعملةٍ واحدة - عملٌ يقوم به الله وحده، لا يُنتجه جهدك.

والمسيح هو أول من دخل هذا "العالم الجديد" بقيامته - جسدُه القائم هو أول ثمرة من خليقةٍ جديدة كاملة، سيتمّمها الله يومًا في سماءٍ جديدة وأرضٍ جديدة (رؤيا ٢١:١، صدى مذكور عند جيمسون-فوست-براون [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown)). فكل من هو "في المسيح" الآن يحمل في داخله جزءًا مبكّرًا من ذلك العالم الآتي - كأنك تحمل بذرةً من حصادٍ لم يأتِ وقته الكامل بعد، لكنه بدأ حقًّا فيك.

وما يجعل هذا ممكنًا هو ما يقوله بولس بعد آيتنا مباشرة: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطيّة خطيّة لأجلنا" (٥:٢١) - الصليب هو الثمن الذي دفعه المسيح ليصير القديم فيك ميتًا حقًّا، والجديد حيًّا حقًّا.

## التطبيق

اسمح لي أن أسألك سؤالًا مباشرًا: هل تعيش كخليقةٍ جديدة، أم تعيش كإنسانٍ قديم يحمل شهادة إيمانٍ في جيبه؟ الفرق كبير. الكثيرون منّا قبلوا المسيح ذهنيًّا، لكنّهم ما زالوا يعاملون أنفسهم - وماضيهم، وخطاياهم، وضعفهم القديم - كأنه هو الحقيقة الأعمق فيهم. تظل تقول "أنا هكذا، لا أتغيّر"، وبولس يقول لك بكل جرأة: "الأشياء العتيقة قد مضت". ليست تتحسّن تدريجيًّا فقط، بل مضت. انتهى وجودها كهُويّتك الحقيقية.

هذا لا يعني أن الخطية لا تعود تُقاتلك - فالحرب مستمرة، وأنت تعرف ذلك جيدًا. لكن الفرق أنك الآن تحارب من موقع الحرية، لا من موقع العبودية. أنت لست ذلك الشخص القديم تحاول تجميله؛ أنت شخصٌ جديد يتذكّر أحيانًا عاداته القديمة ويسقط فيها، لكنها ليست بيته بعد الآن.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ثمنٌ حقيقي: أن تتوقف عن تعريف نفسك بماضيك. أن تكفّ عن قول "أنا فاشل"، "أنا مُدمِن"، "أنا لا أُصلَح" كأنها هويّتك النهائية، وتبدأ تقول "أنا في المسيح، وهذا يعني أنني تغيّرت من الجذر، حتى لو كان السلوك بعد يتأخّر عن اللحاق بالحقيقة". هذا صعب لأنه يتطلب أن تثق بكلام الله عنك أكثر من ثقتك بمشاعرك عن نفسك.

وسؤال آخر أصعب: هل أنت "في المسيح" حقًّا، أم فقط قريبٌ منه؟ لأن الآية لا تصف تحسينًا للحياة القديمة، بل خلقًا لحياةٍ جديدة كليًّا - ولا يحدث هذا إلا لمن دخل فعلًا في اتحادٍ حقيقيٍّ بالمسيح، لا مجرد معرفةٍ عنه.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أشكرك أنك لم تُصلح فيّ ما كان قديمًا فقط، بل خلقت فيّ شيئًا جديدًا كليًّا في المسيح.
- أعترف أنني أحيانًا أعيش وأنا أحمل هويّة الإنسان القديم - ماضيه وخطاياه وأخطاءه. ساعدني أن أثبت أن أشياءه قد مضت حقًّا.
- أعطني قلبًا يؤمن بما قلته عني في المسيح، أكثر من إيمانه بما تقوله عني مشاعري وذكرياتي.
- اجعلني أعيش اليوم كخليقةٍ جديدة، لا في الكلام فقط، بل في نظرتي للآخرين وقراراتي الصغيرة.
- ثبّتني حقًّا "في" المسيح، لا مجرد قريبًا منه، حتى يكون هذا الوعد نصيبي الحقيقي لا رجاءً بعيدًا.

## تأمّلات

- ما هي "الأشياء العتيقة" في حياتك التي تعرف أنها انتهت أمام الله، لكنك ما زلت تتعامل معها كأنها لم تمضِ؟
- حين تصف نفسك لنفسك في لحظات الصدق، هل تصفها من موقع "الإنسان القديم" أم "الخليقة الجديدة"؟
- ما الفرق العملي، في يومك العادي، بين أن تكون "مع" المسيح وأن تكون "في" المسيح؟
- أي جزءٍ من "الكلّ قد صار جديدًا" لا يزال يبدو لك بعيد المنال أو غير صادق في حياتك الآن؟ لماذا؟
- إن كانت هذه الآية صحيحة فيك تمامًا، فماذا يجب أن يتغيّر غدًا في طريقة تعاملك مع شخصٍ صعبٍ في حياتك؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:47:5:17
