# كورنثوس الثانية ١٣:٥ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟

## ما معناها

اقرأ الآية معي ببطء. بولس هنا في نهاية رسالةٍ صعبة، يواجه كنيسةً فيها ناسٌ يشكّون في صدق رسوليّته، ويطالبونه بـ"دليل" أن المسيح يتكلم من خلاله. فيقلب بولس السؤال رأسًا على عقب: بدل أن يمتحنوني، امتحنوا أنفسكم! الكلمة العربية "جرّبوا" و"امتحنوا" هما في الأصل فعلان قريبان في المعنى لكن مختلفان قليلًا في الظِّلال، سنعود إليهما لاحقًا. المهم الآن: بولس لا يطلب منهم فحصًا فكريًّا باردًا، بل سؤالًا وجوديًّا: هل أنتم فعلًا "في الإيمان"؟ أي هل أنتم داخل هذه العلاقة الحيّة مع المسيح، لا مجرد منتسبين إلى جماعةٍ تحمل اسمه؟

ثم يأتي الجزء الذي يسهل تفويته: المعيار الذي يقترحه بولس للامتحان ليس قائمة أعمالٍ أو عقائد نحفظها، بل حضور شخص: "أنّ يسوع المسيح هو فيكم". الإيمان الحقيقي عند بولس ليس معلومةً نصدّقها، بل حياةً يسكنها المسيح فينا. وهذا صدى مباشر لما قاله في غلاطية ٢:٢٠: "المسيح يحيا فيّ".

والجملة الأخيرة صادمة: "إن لم تكونوا مرفوضين". الكلمة اليونانية تحمل صورة معدنٍ يُختبر بالنار، فإن ثبت أنه نقيّ يُقبل، وإن ظهر غشّه يُرفض [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). بولس لا يهدّد هنا بقدر ما يحذّر: الانتساب الظاهري للكنيسة لا يكفي؛ يمكن أن تكون "معدنًا مغشوشًا" رغم كل المظاهر.

موضع الآية في الرسالة: هي ذروة دفاع بولس عن رسوليّته في ٢كورنثوس ١٠-١٣، حيث يوجّه أخيرًا سهم الفحص نحو قلوبهم هم لا نحوه هو [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). بعض المفسرين (كالبروتستانت الإصلاحيين) يقرأون هذه الآية كدعوةٍ لفحص علامات النعمة كدليل ضمان الخلاص، بينما يميل تفسيرٌ كاثوليكي وأرثوذكسي أكثر إلى ربطها بفحص الحال الروحي المستمر واستحقاق التناول من القربان (قارن ١كورنثوس ١١:٢٨)، لا مرةً واحدة بل كنهج حياة.

## السياق التاريخي

كتب بولس هذه الرسالة الثانية إلى كورنثوس على الأرجح حوالي سنة ٥٥-٥٦ للميلاد، من مكانٍ ما في مقدونية، بعد فترةٍ مؤلمة جدًّا في علاقته بهذه الكنيسة. كورنثوس كانت مدينةً تجاريةً صاخبة، ملأى بالثروة والفلسفات المتنافسة والخطباء المتجوّلين الذين يبيعون بلاغتهم كسلعة. وقد دخل إلى الكنيسة هناك معلّمون زائرون يسمّيهم بولس سخريةً "الرسل الفائقين"، يشكّكون في سلطته لأنه لا يبدو "مقنعًا" بالمعايير الدنيوية: كلامه ضعيف، مظهره متواضع، ولا يتقاضى أجرًا كخطباء زمانه المحترفين.

هذا السياق يفسّر لماذا كتب بولس في الآيات السابقة مباشرةً (٢كورنثوس ١٣:٣) أنهم "يطلبون برهانًا" أن المسيح يتكلم فيه. هم يطلبون منه أن يثبت نفسه أمامهم بمعايير القوة والفصاحة والسلطة الظاهرة، تمامًا كما كانوا يقيّمون الخطباء المتجولين في السوق. فيأتي ردّ بولس مفاجئًا وقلبًا للموازين: أنتم من يجب أن يُمتحن، لا أنا.

هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها بولس فعل الامتحان مع هذه الكنيسة بالذات؛ فقد سبق أن طلب منهم في رسالته الأولى أن "يمتحن الإنسان نفسه" قبل التناول من العشاء الرباني (١كورنثوس ١١:٢٨)، وهذا يكشف أن هذه الجماعة كانت بحاجةٍ متكررة لتذكيرٍ بأن الحياة المسيحية ليست عضويةً في ناديٍ ديني بل واقعًا داخليًّا يُختبر ويُفحص. الكنيسة في كورنثوس كانت مليئة بالانقسامات والفخر بالمواهب الروحية الظاهرة، وربما ظنّ كثيرون أن امتلاك موهبةٍ أو معرفةٍ أو انتماءٍ لمعلّمٍ معيّن كافٍ ليثبت إيمانهم، فجاء بولس ليوجّه أنظارهم إلى السؤال الأعمق: هل المسيح نفسه ساكنٌ فيكم حقًّا؟

## اللغة الأصلية

الفعلان اللذان يفتتحان الآية يستحقان وقفة. الأول πειράζω (پيرازو، G3985) يعني "يختبر، يمتحن، يفحص" — وهو نفسه الفعل المستخدم عندما يُقال إن الشيطان "جرّب" يسوع في البرية؛ فالكلمة تحمل فكرة وضع الشيء تحت ضغطٍ لنرى ماذا سيظهر [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الثاني δοκιμάζω (دوكيماذو، G1381) يعني "يختبر لكي يوافق أو يقبل"، وهو مصطلحٌ كان يُستخدم في اختبار المعادن الثمينة: تضع الفضة في النار لترى إن كانت نقيّة أم مغشوشة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). بولس يستخدم الفعلين معًا وكأنه يقول: "افحصوا أنفسكم بدقّةٍ متناهية، لا فحصًا سطحيًّا".

والكلمة المقابلة السلبية في نهاية الآية هي ἀδόκιμος، من نفس جذر δοκιμάζω لكن بمعنى "غير مجتاز الاختبار، مرفوض، مغشوش" — نفس الكلمة التي يستخدمها بولس عن نفسه في ١كورنثوس ٩:٢٧ حين يخشى أن "يصير هو نفسه مرفوضًا". هذا يكشف تواضعًا لافتًا: بولس لا يضع نفسه فوق الفحص، بل يخضع لنفس المعيار.

أما كلمة "الإيمان" فهي πίστις (پيستيس، G4102)، وتعني ليس مجرد تصديقٍ عقليّ، بل "اتكالًا واثقًا، وقناعةً أخلاقيةً ثابتة" على المسيح للخلاص [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وحين يقول "أن يسوع المسيح هو فيكم"، يستخدم حرف الجر ἐν (إن، G1722) الذي يفيد الحلول والسكنى الفعلية، لا مجرد قربٍ أو تأثير خارجي — إنه يصف اتحادًا حقيقيًّا، سكنى المسيح ذاته داخل الشخص [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

## كيف تشير إلى المسيح

جوهر هذه الآية كلّه يدور حول شخصٍ واحد: يسوع المسيح ساكنًا في المؤمن. هذا ليس تفصيلًا عابرًا في لاهوت بولس، بل هو قلب البشارة نفسها. فالإيمان المسيحي لا يُختبر بمعرفة عقائد صحيحة فقط (رغم أهمية ذلك)، بل بحضورٍ حيّ: "المسيح فيكم رجاء المجد" كما يقول بولس في موضعٍ آخر (كولوسي ١:٢٧). وهذا صدى مباشر وواضح لوعد يسوع نفسه في يوحنا ١٤:٢٣: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا". الوعد الذي أعطاه المسيح لتلاميذه قبل صلبه يجد هنا تحقّقه الواقعي في حياة كنيسة كورنثوس: هو لم يذهب ويتركهم، بل جاء وسكن.

واللافت أن بولس يربط هذا الحضور الداخلي بموضوع الصليب والقيامة الذي هو محور الرسالة كلّها. فقبل أسطرٍ قليلة (٢كورنثوس ١٣:٤) يقول إن المسيح "صُلب من ضعفٍ، لكنه حيّ بقوة الله". القوة التي أقامت المسيح من الموت هي ذاتها التي تسكن الآن في كل من آمن به. فالمعيار الحقيقي لكونك "في الإيمان" ليس أداءً دينيًّا تقدّمه، بل واقعًا أنجزه المسيح لأجلك على الصليب وأحياه فيك بقيامته.

وهنا أيضًا صدًى لغلاطية ٢:٢٠ الذي اقتُبس في المراجع: "مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ". هذه ليست مصادفة لغوية، بل هي نفس اللاهوت الذي يحمله بولس في كل رسائله: الحياة المسيحية الحقيقية هي حياة المسيح فيك، لا حياتك أنت مُحسَّنة بقليل من الدين. فحين تفحص نفسك بحسب دعوة بولس، أنت في الحقيقة تبحث عن أثر الصليب والقيامة في داخلك.

## التطبيق

دعني أكون صريحًا معك: هذه الآية غير مريحة، وهي مقصودة أن تكون كذلك. من السهل جدًّا أن تحيا سنواتٍ طويلة "مسيحيًّا" بالاسم — تحضر، تصلّي أحيانًا، تعرف الآيات الصحيحة — دون أن تسأل نفسك يومًا السؤال الذي يطرحه بولس هنا بلا مواربة: هل المسيح فعلًا فيّ؟ ليس: هل أعرف عنه؟ بل: هل يسكن في داخلي؟

الامتحان الذي يطلبه بولس ليس جلدًا للذات ولا قلقًا وسواسيًّا يجعلك تشكّ في خلاصك كل يوم. هو أشبه بمن ينظر في المرآة بصدق [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). اسأل نفسك: هل هناك شيء في حياتي يتغيّر لأن يسوع حيّ فيّ؟ هل هناك محبة، صبر، توبة حقيقية، جوع لكلمته، ألم من الخطية — علامات لا يمكن أن تنتجها الإرادة وحدها، بل ينتجها حضورٌ يسكن فيك؟

الثمن الذي تطلبه هذه الآية هو الصدق. أن تتوقف عن قياس إيمانك بمعايير خارجية — حضورك، معرفتك، مظهرك الديني — وتنظر إلى الداخل بلا خداعٍ لنفسك. هذا مؤلم لأنه قد يكشف فراغًا لم تكن تريد رؤيته. لكنه أيضًا رحيم، لأن الله لا يريدك أن تكتشف زيف إيمانك يوم الدينونة، بل الآن، وأنت لا تزال قادرًا أن تركض إليه وتطلب أن يسكن فيك حقًّا لأول مرة، أو من جديد.

فلا تخف من هذا الفحص. الله الذي يدعوك لتمتحن نفسك هو نفسه الذي يريد أن يملأك، لا أن يدينك بلا رجاء. توقف الآن، واسأل بصدق: هل يسوع المسيح حيّ فيّ؟

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعطني شجاعة أن أفحص قلبي بصدق، لا أن أهرب من السؤال بانشغالٍ ديني ظاهري.
- أرِني إن كان إيمانيَ اتكالًا حيًّا عليك، أم مجرد عادةٍ ورثتها ولم تدخل قلبي بعد.
- اسكن فيّ يا يسوع بقوة قيامتك، لا كضيفٍ عابر بل كسيدٍ ثابت في كل تفاصيل حياتي.
- إن وجدتَ فيّ غشًّا أو زيفًا، اكشفه لي الآن برحمة، ولا تدعني أكتشفه متأخرًا.
- علّمني أن أعيش حياة فحصٍ مستمر لا خوفًا، بل ثقةً بمحبتك التي تريد أن تكمّلني لا أن تدينني.

## تأمّلات

- لو طُلب مني اليوم أن أثبت أن المسيح حيّ فيّ، لا بكلامٍ بل بحياتي، ماذا كنت سأقدّم كدليل؟
- هل معايير إيمانك اليوم خارجية (الحضور، المعرفة، الانتماء) أم داخلية (تغيّر حقيقي، محبة، توبة)؟
- متى كانت آخر مرة سألت نفسك بصدق: هل أنا فعلًا "في الإيمان"، لا بمعنى الانتساب بل بمعنى العلاقة الحيّة؟
- ما الذي يخيفك أكثر في هذا الفحص: أن تكتشف فراغًا، أم أن تضطر لتغيير شيء إن اكتشفته؟
- إن كان المسيح فعلًا ساكنًا فيك، أي جزءٍ من حياتك اليوم يشهد على ذلك بوضوح، وأي جزءٍ يخفي هذا الحضور؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:47:13:5
