# كورنثوس الأولى ٨:٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُحِبُّ اللهَ، فَهذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ.

## ما معناها

اقرأ الآية مرتين، ولاحظ كيف تنقلب فيها الجملة. بولس كان يتكلم في الآيات السابقة عن "المعرفة" — عن ناسٍ في كورنثوس يفتخرون بأنهم "يعرفون" أن الأصنام لا شيء، فيأكلون بلا حرج مما ذُبح لها. لكنه يوقفهم فجأة: "المعرفة تنفخ، ولكن المحبة تبني" (١كورنثوس ٨:١). ثم يقول ما يشبه القنبلة الهادئة: "إن ظنّ أحدٌ أنه يعرف شيئًا، فلم يعرف بعد كما يجب أن يعرف" (١كورنثوس ٨:٢). وبعدها تأتي آيتنا.

لاحظ الانعطافة: بولس لا يكمل الجملة كما تتوقعها. كنت تنتظره أن يقول "إن أحبّ أحدٌ الله، فقد عرفه معرفة حقيقية". لكنه يقلب الاتجاه كليًّا: "فهذا معروفٌ عنده" — أي أن الله هو من يعرفه [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). الفخر بمعرفتنا لله يتحوّل فجأة إلى سؤال: هل الله يعرفني أنا؟

هذه هي النقطة التي يسهل تفويتها: بولس لا ينفي أهمية المعرفة، لكنه يقول إن المحبة هي الدليل الحقيقي على أنك معروفٌ عند الله، لا كثرة معلوماتك عنه. المعرفة وحدها قد تكون فارغة ومتكبّرة؛ المحبة هي التي تُثبت أن العلاقة حقيقية ومتبادلة [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

في سياق الرسالة كلها، هذه الآية تمهّد لحديث بولس عن التضحية من أجل الأخ الضعيف (١كورنثوس ٨:٧-١٣): من يحب الله حقًّا، يحب أخاه أيضًا، ولا يستخدم "حريته" أو "معرفته" ليجرح ضمير غيره.

## السياق التاريخي

كتب بولس هذه الرسالة إلى كنيسة كورنثوس حوالي سنة ٥٣-٥٥ ميلادية، أثناء إقامته في أفسس، بعد أن بلغته أخبار عن مشكلات كثيرة في تلك الجماعة الفتيّة: انقسامات، فسادٌ أخلاقي، ودعاوى قضائية بين الإخوة، وأسئلة عملية محرجة — من بينها هذا السؤال: هل يجوز للمسيحي أن يأكل لحمًا ذُبح للأصنام؟

كورنثوس كانت مدينة تجارية صاخبة، مليئة بالمعابد الوثنية، وأسواق اللحوم فيها كانت غالبًا مرتبطة بهذه المعابد؛ فحين يُقدَّم حيوان ذبيحة لإله وثني، كان جزء منه يُباع بعد ذلك في السوق العام، وجزء يُؤكل في ولائم اجتماعية داخل أروقة المعبد نفسه. فكان المؤمن الكورنثي يواجه هذا السؤال يوميًّا تقريبًا: في العشاء عند صديق، في السوق، في مناسبة اجتماعية.

في الكنيسة كان فريقان: مؤمنون "أقوياء" يرون أن الأصنام مجرد حجارة وخشب لا وجود حقيقيًّا وراءها، فيأكلون بلا قلق مفتخرين بفهمهم اللاهوتي المتحرر. ومؤمنون "ضعفاء"، جاءوا حديثًا من خلفية وثنية، ما زالت ضمائرهم تربط بين ذلك اللحم وعبادة الأصنام، فيتألمون إن رأوا أخاهم يأكل منه، بل قد يُغرَون فيعودوا للانزلاق نحو الوثنية.

بولس، وهو يهودي متعلم صار رسولًا للأمم، يكتب من موقع الراعي لا الحكَم الفلسفي فقط. هو يعرف الحجة اللاهوتية (الأصنام لا شيء، الإله واحد)، لكنه يرى خطرًا أكبر: أن يتحول "العلم اللاهوتي" إلى أداة كبرياء تدوس على أخٍ ضعيف. لهذا يبدأ الأصحاح كله بتحذيرٍ عن غرور المعرفة قبل أن يخوض في الجدل نفسه.

## اللغة الأصلية

الفعل المحوري هنا هو **ἀγαπάω** (أغاباو، G25)، وهو المحبة التي ليست مجرد شعور عابر بل التزامٌ إراديّ وأخلاقيّ، محبة تختار الخير للآخر بصرف النظر عن المقابل. بولس لا يستخدم كلمة للعاطفة الرومانسية ولا حتى للمودة الطبيعية، بل الكلمة التي يستخدمها الكتاب المقدس ليصف محبة الله نفسه للعالم (يوحنا ٣:١٦). حين يقول "إن أحبّ أحدٌ الله"، فهو يتكلم عن ولاءٍ يمسّ الإرادة كلها، لا مجرد إعجابٍ فكريّ بعقيدة صحيحة.

المفعول الآخر هو **γινώσκω** (غينوسكو، G1097)، والذي يُترجم "معروف". هذا الفعل في اليونانية الكتابية لا يعني مجرد امتلاك معلومة، بل معرفةً حميمة، اختبارية، شخصية — تشبه استعمال العبرية للفعل "يدع" الذي يصف حتى العلاقة الزوجية. فحين يقول بولس إن من يحب الله "معروفٌ عنده"، فهو لا يقصد "الله يعلم عنه معلومات"، بل "الله يعرفه معرفة قربٍ وقبول واختيار" [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

ولاحظ التركيب: **ὑπὸ αὐτοῦ** (هوبو أوتو، G5259 + G846) — "من قِبَله" أو "عنده" — يضع الله في موضع الفاعل الحقيقي للمعرفة، لا الإنسان. الجملة اليونانية تصنع مفارقة متعمدة: الإنسان الذي يظن أنه "يعرف" (بالفخر الفكري) يُصحَّح مساره؛ فالمعيار الحقيقي ليس معرفتك أنت، بل كونك معروفًا عند الله. وأداة الشرط **εἴ τις** (إي تيس، G1536) "إن كان أحد" تفتح الباب واسعًا: ليست فئة نخبوية من العارفين، بل أي إنسانٍ يحب الله، أيًّا كان مستوى علمه.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تلمس واحدة من أعمق حقائق الإنجيل: أن علاقتنا بالله لا تبدأ بمعرفتنا له، بل بمعرفته هو لنا. وهذا بالضبط ما يكشفه يسوع عن نفسه حين يقول: "أنا هو الراعي الصالح، وأعرف خاصتي وخاصتي تعرفني" (يوحنا ١٠:١٤) — المبادرة للراعي، لا للخراف. المحبة التي يتكلم عنها بولس هنا ليست إنجازًا بشريًّا نقدّمه لله لنكسب قبوله، بل هي ثمرة كوننا أُحبِبنا أولًا ومعروفين منه سلفًا، كما يقول يوحنا: "نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولًا" (١يوحنا ٤:١٩).

وهذا يكشف أيضًا خطورة النقيض: في متى ٧:٢٣ يقول المسيح لأناسٍ فعلوا أعمالًا عظيمة باسمه: "إني لم أعرفكم قط". هناك معرفةٌ فكرية بالعقائد قد تجتمع مع غياب المعرفة الحقيقية عند الله — وهذا بالضبط ما يحذّر منه بولس في بداية الأصحاح: المعرفة تنفخ، لكنها وحدها لا تضمن أنك معروفٌ عند الله. المحبة الحقيقية هي العلامة.

والمسيح نفسه هو من يجعل هذه "المعرفة المتبادلة" ممكنة أصلًا. فبموته وقيامته صار هو الوسيط الوحيد بين الله والناس، كما يقول بولس بعد آيتنا مباشرة (١كورنثوس ٨:٦)، فمن خلاله وحده يمكن لخاطئٍ أن يُعرَف من الله معرفة القبول، لا معرفة الدينونة. وما وعد به بولس هنا — أن يكون الإنسان معروفًا عند الله — يجد صداه في رؤيا ٢:١٩ حين يقول المسيح للكنيسة: "أنا عارفٌ أعمالك ومحبتك"، فهو الذي يرى المحبة الحقيقية ويكافئها في النهاية بإكليل الحياة (يعقوب ١:١٢).

## التطبيق

اسألي نفسك سؤالًا صريحًا: هل أنا أفتخر بمعرفتي عن الله، أم أنا أعيش في محبةٍ تجعلني معروفًا عنده؟ الفرق هائل. يمكنك أن تحفظ آياتٍ كثيرة، وتفهم عقائد دقيقة، وتناقش لاهوتيًّا بذكاء — وتكون في نفس الوقت باردًا، متكبرًا، لا تحتمل أخًا ضعيفًا في الإيمان لأنه "لم يفهم بعد" ما فهمته أنت.

هذه الآية توجّه ضربة لطيفة لكل من يستخدم "علمه" ليشعر بالتفوق الروحي. المعرفة الحقيقية عن الله لا تُنتج كبرياء، بل محبة تنحني لتخدم من هو أضعف. إن كنت تعرف الكتاب المقدس معرفة جيدة، لكن قلبك بارد تجاه أخيك، تجاه من يزعجك في الكنيسة، تجاه من له فهمٌ أبسط منك — فاسأل نفسك: هل أنا حقًّا معروفٌ عند الله، أم فقط أعرف عنه؟

الثمن الذي تطلبه هذه الآية محدَّد: أن تتنازل أحيانًا عن "حقك" في المعرفة والحرية من أجل محبة أخيك. أن تمتنع عن شيء تعرف أنه مباح، لأن أخاك الأضعف قد يتعثر به. هذا صعبٌ على الكبرياء، لأن الكبرياء يريد أن يُعترف بذكائه، لا أن يُخفي حريته من أجل قلب شخصٍ آخر.

والوعد هنا حلوٌ جدًّا إن تأملته: لست مطالَبًا أن تصل إلى معرفةٍ لاهوتية كاملة لتُقبَل عند الله. المطلوب هو أن تحبه بصدق، وبأن ذلك الحب سيظهر ثماره في محبة من حولك. حينها، لست أنت من يثبت شيئًا لله؛ هو من يعرفك، ويحتضنك، ويقبلك كأنه يقول: "أنت لي".

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أني أحيانًا أفتخر بما أعرفه عنك أكثر من محبتي لك ولمن حولي — سامحني.
- أعطني محبةً حقيقية لك، لا مجرد معرفةٍ عقلية جافّة، محبةً تُغيّر طريقة تعاملي مع الآخرين.
- علّمني أن أتنازل عن "حقوقي" وحريتي من أجل أخٍ أو أختٍ أضعف مني في الإيمان.
- أشكرك لأنك تعرفني معرفة قبولٍ ومحبة، لا بحسب استحقاقي، بل بنعمتك في المسيح.
- اجعل قلبي متّضعًا، لا متكبّرًا بعلمي الروحي، بل مليئًا بمحبةٍ تخدم وتبني لا تنفخ.

## تأمّلات

- هل هناك موقفٌ استخدمتَ فيه "معرفتك" أو "حريتك" الروحية لتشعر بالتفوق على أخيك، بدل أن تخدمه بمحبة؟
- لو سُئلتَ اليوم: هل تعرف الله أم يعرفك الله؟ — بأي معنى تجيب، وماذا يكشف جوابك عن حقيقة قلبك؟
- ما هو "الحق المشروع" الذي قد تحتاج للتنازل عنه هذا الأسبوع من أجل ضمير شخصٍ أضعف منك؟
- هل محبتك لله تظهر أكثر في كلامك عنه، أم في تصرفاتك تجاه من يضايقونك؟
- إن وقفتَ أمام المسيح الآن، هل تخاف أن يقول لك "لم أعرفك قط"، أم تثق أنه يعرفك بمحبة؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:46:8:3
