# كورنثوس الأولى ٥:١١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء، وستلاحظ أول شيء صادم: بولس لا يتكلم هنا عن أهل العالم، بل عن "أخ". الكلمة اليونانية هي *أدلفوس* (ἀδελφός، G80)، أي شخصٌ يجلس معك في الكنيسة، يشارك في العشاء الربّاني، يُدعى مؤمنًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). القضية ليست الخطأ خارج الكنيسة، بل الخطأ الذي يرتدي ثوب الإيمان وهو يعيش في الظلمة عمدًا وبلا توبة.

لاحظ أيضًا أن بولس يوضّح ما قصده سابقًا: كان قد كتب في رسالةٍ سابقة (غير موجودة عندنا) أن لا يخالطوا الزناة، فظنّ الكورنثيون أنه يقصد كل زانٍ في المدينة، فيصبح الأمر مستحيلًا — "لأنكم إذ ذاك يلزمكم أن تخرجوا من العالم" كما قال قبل آيتنا مباشرة. فهو يصحّح الفهم: المقصود هو "الأخ" الذي يحمل الاسم المسيحي لكنه يعيش علنًا وبلا خجل في خطيةٍ واحدة من ستّ: الزنى، الطمع، عبادة الأوثان، الشتم، السُّكْر، أو الخطف/الابتزاز [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

القائمة نفسها لافتة: خطايا "جسدية" واضحة كالزنى والسكر، تُوضع جنبًا إلى جنب مع خطايا "لسانية واجتماعية" كالشتم والطمع. بولس لا يرى فرقًا في الخطورة بين خطيئة الجسد وخطيئة القلب أو اللسان — كلها تكسر الشركة.

ثم يأتي الأمر الحاسم: "لا تخالطوا ولا تؤاكلوا". هذه ليست دعوةً لمقاطعة اجتماعية عامة، بل بالتحديد رفض مشاركة المائدة — وهذا في ثقافة ذلك الزمن يعني رفض الشركة، لأن الأكل معًا كان علامة القبول والانتماء [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). غالب المفسرين يرون أن المقصود بالدرجة الأولى مائدة الرب (العشاء الرباني)، وربما أيضًا الوجبات المشتركة العادية بين المؤمنين، لا التعامل التجاري أو المدني العادي [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke).

هذه الآية جزءٌ من معالجة بولس لفضيحة الزنى المحدَّدة في الكنيسة (١كورنثوس ٥: ١-٥)، وهي تمهّد لخاتمة الأصحاح: "اعزلوا الخبيث من بينكم" (١كورنثوس ٥:١٣). القصة الأكبر هنا هي طهارة جسد المسيح — الكنيسة التي يجب أن تكون "فطيرًا جديدًا" (١كورنثوس ٥:٧) لا خميرةً فاسدة.

## السياق التاريخي

كتب بولس هذه الرسالة إلى كنيسة كورنثوس حوالي سنة ٥٣-٥٥ ميلادية، أثناء إقامته في أفسس، بعد أن بلغته أخبارٌ مقلقة عن هذه الكنيسة التي أسّسها بنفسه قبل بضع سنوات.

كورنثوس لم تكن مدينةً عادية. كانت ميناءً تجاريًّا صاخبًا يربط بين بحرين، مدينةً مليئةً بالمال والبحّارة والمعابد الوثنية، وأشهرها معبد أفروديت إلهة الحب، الذي كان يُقال إنه يستخدم مئات الكاهنات-البغايا في طقوسه (وإن بالغ بعض القدماء في هذا الوصف). كلمة "كورنثة" نفسها صارت في اليونانية القديمة تعني ممارسة الفجور. في هذه البيئة، لم يكن الانحلال الأخلاقي شيئًا مخفيًّا يُستَحى منه، بل كان جزءًا من نسيج الحياة اليومية، حتى إن بعض المؤمنين الجدد جاؤوا من هذا العالم ولم يفهموا بعد أن اتّباع المسيح يعني قطيعةً جذرية مع هذا النمط.

المشكلة التي دفعت بولس لكتابة هذا الجزء محدَّدة جدًّا: رجلٌ في الكنيسة كان يعاشر زوجة أبيه علنًا (١كورنثوس ٥:١)، والكنيسة بدل أن تحزن وتتحرّك، كانت "منتفخة" أي فخورة، ربما بفهمٍ مشوَّه لحرية النعمة أو بتساهلٍ اجتماعي مع الطبقات الغنية والمتنفذة. بولس يكتب من بعيد، بسلطان رسولي، ليأمرهم بما كان يجب أن يفعلوه من تلقاء أنفسهم.

المسيحيون الأوائل كانوا جماعةً صغيرةً وسط بحرٍ وثني، وهويتهم كانت هشّة وسهلة الذوبان. الوجبات المشتركة (بما فيها العشاء الرباني الذي كان يُقام غالبًا ضمن وليمة حقيقية تُسمى "وليمة المحبة") كانت اللحظة التي تتجسّد فيها وحدة الجماعة ومصداقيتها أمام مدينةٍ تراقبهم. لهذا كان لسؤال "من نأكل معه؟" ثقلٌ اجتماعي وروحي هائل لم نعد نشعر به اليوم بالقدر نفسه.

## اللغة الأصلية

كلمة **ἀδελφός** (أدلفوس، G80) تعني "أخ"، وهي المحور الذي تدور حوله الآية كلها. بولس لا يتكلم عمّن هم خارج الكنيسة، بل عمّن يحمل هذا اللقب — عضوٌ معترفٌ به في الجماعة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا وحده يغيّر القراءة كليًّا: الآية ليست عن الحكم على العالم، بل عن حفظ نقاء البيت.

كلمة **συναναμίγνυμι** (سيناناميغنومي، G4874)، المترجمة "تخالطوا"، هي كلمةٌ مركّبة تحمل معنى "الاختلاط معًا" بشكلٍ وثيق، كما يختلط سائلان ببعضهما. هي ليست مجرد "التحدث مع" بل شيءٌ أعمق من الاندماج والتماهي [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). بولس يطلب حدًّا فاصلًا واضحًا، لا قطيعةً كاملة عن الوجود في نفس المدينة (كما أوضح في الآية السابقة)، بل رفض الاندماج الحميم الذي يوحي بالقبول الكامل.

أما قائمة الخطايا، فتلفت النظر كلمة **πλεονέκτης** (بليونكتيس، G4123)، أي "الطمّاع"، من جذرٍ يعني "الرغبة في المزيد" — إنسانٌ لا يشبع أبدًا، عبدٌ لجوعٍ لا ينتهي [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وكلمة **εἰδωλολάτρης** (إيدولولاتريس، G1496)، "عابد وثن"، مركّبة من "صنم" و"يخدم/يعبد" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). المثير أن هاتين الكلمتين تجاوران "الزنى" (**πόρνος**، بورنوس، G4205) مباشرة، وكأن بولس يقول إن الجشع وعبادة المال هما شكلٌ آخر من عبادة الأوثان، لا أقل خطورةً من الفجور الجسدي — وهذا صدًى لما سيكتبه لاحقًا في أفسس ٥:٥.

وأخيرًا، ملاحظة النفي المستخدمة: **μή** (مي، G3361) وهو نفيٌ "مشروط" لا مطلق، يناسب أمرًا أدبيًّا/توجيهيًّا لا حقيقة مطلقة مجردة — هذا أمرٌ عمليٌّ يُطلب تنفيذه [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

## كيف تشير إلى المسيح

قد تبدو هذه الآية بعيدة عن المسيح ظاهريًّا — فهي أمرٌ تأديبيٌّ صارم لا وعدٌ حلو. لكن انظر إلى ما تحته: لماذا يهتم بولس بهذا القدر بنقاء مائدة الكنيسة؟ لأن الكنيسة هي جسد المسيح، وهو "فصحنا" الذي ذُبح لأجلنا (١كورنثوس ٥:٧) — الآية التي تسبق نصّنا مباشرة. الفطير الجديد الذي يتكلم عنه بولس هو حياة الشعب المفدى بدم الحمل، حياةٌ يجب أن تخلو من "خميرة الخبث والشر" لأن المسيح دفع ثمن هذا الفصح.

بمعنى آخر: التأديب هنا ليس قسوةً، بل حمايةً لشيءٍ ثمين اشتراه المسيح بدمه. كنيسةٌ تتغاضى عن الخطية المعلنة تُشوّه صورة العروس التي يريدها المسيح "بلا دنس ولا غضن" (أفسس ٥:٢٧). فالانضباط الكنسي هنا هو خدمةٌ لصليب المسيح، لا نقيضًا لنعمته.

ثمة رابطٌ آخر أعمق: يسوع نفسه أكل مع الخطاة والعشّارين (متى ٩:١١)، فهل يناقض بولس هذا؟ لا — لأن يسوع كان يجلس مع من هم "خارج" ليدعوهم للتوبة، بينما بولس يتكلم عمّن هم "داخل" ويرفضون التوبة رغم دعواهم الانتماء ليسوع. المسيح نفسه، في متى ١٨:١٧، يعطي الكنيسة سلطان معاملة الأخ غير التائب "كالوثني والعشّار" — وهذا هو بالضبط ما يطبّقه بولس هنا. فالآية ليست ابتكارًا بولسيًّا، بل تطبيقٌ مباشر لتعليم الرب نفسه.

والأهم: الهدف من هذا الفصل، كما يتضح لاحقًا (١كورنثوس ٥:٥)، هو خلاص روح الخاطئ لا هلاكه — أن يُسلَّم "للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع". حتى في القطيعة، غاية المسيح هي الخلاص، لا الانتقام.

## التطبيق

هذه الآية تضعك أمام سؤالٍ لا تحبّ أن تُسأله: هل أنت مستعدٌّ أن تحبّ أخاك بما يكفي لتخبره أن حياته لا تطابق اسم المسيح الذي يحمله؟

نحن نعيش في زمنٍ يخاف فيه المؤمنون من هذه الكلمة أكثر من خوفهم من الخطية نفسها. نسمّي الصمت "محبة" والتغاضي "نعمة"، بينما الحقيقة أن الصمت أحيانًا هو أكبر أشكال اللامبالاة. بولس لا يطلب منك أن تُدين العالم — هو واضحٌ جدًّا في الآية التي قبلها: ليس عليك أن تخرج من العالم لتتجنب كل خاطئ. لكنه يطلب شيئًا أصعب: أن تتحمّل توتّر المواجهة داخل بيتك الروحي، مع من تحبّه، من أجل أن تحميه ومن أجل أن تحمي الجماعة.

الثمن هنا محدَّد وواضح: قد يكلّفك هذا صديقًا، قريبًا في الإيمان، شخصًا اعتدت أن تجلس معه على المائدة. الطاعة هنا ليست شعورًا داخليًّا جميلًا، بل فعلٌ اجتماعيٌّ مكلف: أن تمتنع عن الدفء المعتاد، لا لأنك تكره، بل لأنك تحب بما يكفي لترفض التواطؤ مع ما يقتل أخاك ببطء.

اسأل نفسك بصدق: هل في حياتك علاقةٌ صرت فيها "تخالط" خطيةً معلنة وغير مُتاب عنها، فقط لأن المواجهة مؤلمة؟ وهل أنت نفسك — في مكانٍ من قلبك — تحمل اسم "أخ" بينما تعيش سرًّا في طمعٍ لا تسمّيه خطية، أو غضبٍ صار "شتمًا" معتادًا؟ هذه الآية ليست عصا لتضرب بها الآخرين، هي مرآة أولًا. قبل أن تسأل من تُخالط، اسأل: هل أنا نفسي أستحق أن يُخالطني أحد؟ التوبة تبدأ من هناك.

## نقاط للصلاة

- يا رب، امنحني الشجاعة أن أواجه بمحبة، لا أن أختبئ خلف الصمت باسم "عدم الحكم على أحد".
- افحصني يا الله: هل في قلبي خطيةٌ معلنة أُخفيها خلف حياةٍ تبدو مؤمنة من الخارج؟
- علّمني أن أميّز بين قسوة الإدانة ومحبة التأديب التي تهدف إلى خلاص أخي لا كسره.
- احفظ كنيستي طاهرة، يا رب، واجعلها فطيرًا جديدًا لا خميرة فسادٍ قديم.
- ردّني إلى مائدتك يا يسوع، أنت الذي دُبحت فصحًا لأجلي، فلا أستهين بثمن نقائي.

## تأمّلات

- هل هناك علاقة في حياتك اعتدت فيها التغاضي عن خطيةٍ معلنة لدى شخصٍ مؤمن، خوفًا من كسر الراحة؟
- ما الفرق، في قلبك أنت، بين "عدم إدانة أحد" و"التواطؤ مع خطيته بصمت"؟
- أيّ خطيةٍ في القائمة الست (الزنى، الطمع، عبادة الأوثان، الشتم، السُّكْر، الخطف) تجد نفسك أكثر تسامحًا معها في حياتك، ولماذا؟
- لو واجهك أحدٌ اليوم بمحبة بشأن خطيةٍ في حياتك، هل ستستقبله كصديقٍ أم كعدو؟
- هل مائدة كنيستك اليوم أقرب إلى "الفطير الجديد" أم إلى خلطٍ مريح بين النور والظلمة؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:46:5:11
