# رومية ١:١٦ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: "لأني لست أستحي بإنجيل المسيح". بولس هنا يقف أمام أعظم مدينة في العالم آنذاك - روما، عاصمة الإمبراطورية، مركز الفلسفة والقوة والمجد البشري - ويقول جملةً تبدو للوهلة الأولى دفاعيةً، وكأنه يردّ على تهمة. ولاحظ: هو لا يقول "أنا فخور" بل يقول "لست أستحي" - وهذا فرقٌ دقيق لكنه مهم. الاستحياء كان الخطر الحقيقي، لأن إنجيلًا مركزه رجلٌ صُلب كمجرم كان أمرًا محرجًا جدًا لعقلٍ يونانيٍّ يبحث عن الحكمة، ومعثرةً ليهوديٍّ ينتظر مسيحًا منتصرًا لا مصلوبًا [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry).

ثم يعطي السبب: "لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن". هذه هي القضية المحورية في الرسالة كلها - العدد الذي يليه (رومية ١:١٧) يكمل الفكرة بذكر "برّ الله". فالآية ١٦ ليست مجرد مقدمة عاطفية، بل هي عنوان الرسالة بأكملها؛ كل ما سيقوله بولس عن الخطية والناموس والنعمة والإيمان في الإصحاحات القادمة هو شرحٌ لهذه الجملة الواحدة.

ثم يضيف تفصيلًا يستحق التوقف عنده: "لليهودي أولًا ثم لليوناني". هذا لا يعني أفضليةً في القيمة، بل ترتيبًا في التاريخ الخلاصي - فاليهود كانوا أول من تلقى الوعد والناموس والأنبياء، ولهم مسؤولية فريدة في الاستجابة [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). لكن الخلاص نفسه بلا تمييز - "لكل من يؤمن" تشمل الجميع بلا استثناء، وهذا كان أمرًا ثوريًّا في عالمٍ مقسّمٍ بشدة بين يهودي وأممي.

## السياق التاريخي

كتب بولس هذه الرسالة حوالي سنة ٥٧-٥٨ ميلادية، وهو في كورنثوس، يستعد لرحلةٍ سيتوّجها لاحقًا وصوله إلى روما - لكن ليس كسائحٍ ولا كمبشّرٍ يفتتح عملًا جديدًا، بل كرجلٍ يكتب مقدمًا إلى كنيسةٍ لم يؤسسها هو، ليعرّفها بنفسه وبإنجيله قبل أن يصل شخصيًّا.

روما في ذلك الزمن كانت قمة العالم المعروف - مركز السلطة السياسية، حيث يجلس القيصر، وحيث تُصنع القرارات التي تحكم ملايين البشر من بريطانيا إلى مصر. كانت مدينةً تعجّ بالفلسفات اليونانية الرفيعة، وبالديانات الرسمية، وبثقافة تحتقر كل ما هو ضعيف أو مهين. وفي وسط هذا كله، كانت هناك جماعة صغيرة من المسيحيين - يهودٌ وأمم معًا - يجتمعون في بيوت، يحملون رسالةً عن رجلٍ أُعدم صلبًا، وهي أبشع طريقة إعدامٍ يعرفها الرومان، محفوظة للمجرمين والعبيد المتمردين.

هذه الكنيسة في روما كانت خليطًا حساسًا: يهودٌ آمنوا بالمسيح، وأمميون آمنوا أيضًا، وبينهم توترات حول الهوية والناموس ومكانة كل طرف. قبل سنوات قليلة، طرد الإمبراطور كلوديوس اليهود من روما (حوالي سنة ٤٩م) بسبب اضطراباتٍ متعلقة، على الأرجح، بالجدل حول المسيح بين اليهود أنفسهم؛ ثم عادوا لاحقًا بعد موت كلوديوس، فوجدوا كنيسةً تغيّرت ديناميكيتها.

في هذا السياق بالذات تُفهم جرأة عبارة بولس. فهو يعلم أن الصليب "لليهود عثرة وللأمم جهالة" كما كتب في موضعٍ آخر (١كورنثوس ١:٢٣)، وأن حمل رسالةٍ كهذه إلى قلب الإمبراطورية يعني مواجهة سخرية الفلاسفة واحتقار النخبة. ومع ذلك، يعلن بولس أنه لا يخجل - ليس لأن الرسالة سهلة القبول، بل لأنه رأى بنفسه قوتها الفعلية في حياة الناس، من أورشليم إلى أثينا إلى كورنثوس [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

## اللغة الأصلية

الكلمة المحورية هنا هي **δύναμις** (دِيناميس)، ومنها تأتي كلمة "ديناميت" في العربية والإنجليزية. سترونغ يعرّفها بأنها "قوة" - فعلية أو مجازية، وغالبًا ما تعني قوةً معجزيةً خارقة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا ليس مجرد "تأثير أخلاقي جميل" للإنجيل، بل قوةٌ فاعلة، حيّة، تُحدث تغييرًا حقيقيًّا - كما تفجّر الديناميت صخرةً صمّاء، هكذا يفجّر الإنجيل قلبًا متحجرًا.

ثم كلمة **ἐπαισχύνομαι** (إبايسخينوماي) - "أستحي" - تعني حرفيًّا "أن تشعر بالخزي من شيء" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). بولس يستخدم النفي القاطع **οὐ** معها، وهو أقوى أدوات النفي في اليونانية، ليقول: لا خزي على الإطلاق، لا مجال للتردد.

كلمة **εὐαγγέλιον** (إيوَنجليون) - "إنجيل" أو "بشارة" - تعني حرفيًّا "رسالة طيبة" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). في العالم الروماني، كانت هذه الكلمة تُستخدم أيضًا للإعلان عن انتصارات القيصر أو ولادة وريث العرش - فبولس يستعير كلمةً سياسيةً معروفة ليقول: هذه هي البشارة الحقيقية، ليست بشارة قيصر بل بشارة المسيح.

أما **σωτηρία** (سوتيريا) - "خلاص" - فتعني "إنقاذًا" أو "نجاةً"، جسديًّا أو أخلاقيًّا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وهي ليست فكرةً مجردة بل حدثًا فعليًّا - كأن تُنتشل من الغرق.

وأخيرًا **πιστεύω** (بيستيڤو) - "يؤمن" - لا تعني مجرد الموافقة العقلية، بل تعني "أن تثق بشيء إلى درجة أن تُسلّم نفسك له"، وبالتحديد أن تُسلّم "رفاهيتك الروحية" للمسيح [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا هو الشرط الوحيد المذكور: ليس عملًا، ولا نسبًا، بل ثقةٌ تُسلّم القياد.

## كيف تشير إلى المسيح

كل كلمةٍ في هذه الآية تشير إلى المسيح مباشرةً - فهي ليست آيةً "عن" المسيح بقدر ما هي إعلانٌ بأن المسيح نفسه هو الإنجيل. لاحظ: "قوة الله للخلاص" - وفي أماكن أخرى يسمّي بولس المسيح نفسه "قوة الله وحكمة الله" (١كورنثوس ١:٢٤). فالقوة التي يتحدث عنها بولس ليست طاقةً مجردة، بل هي المسيح الحيّ العامل بالروح القدس في قلب كل من يسمع ويؤمن.

والأهم من ذلك: عبارة "الجوهر يستحي بالمصلوب" هي بالضبط الاختبار الذي حذّر منه يسوع نفسه: "لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ، فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" (مرقس ٨:٣٨). فبولس هنا لا يعلن موقفًا شخصيًّا فحسب، بل يعيش الاختبار الذي وضعه المسيح لتلاميذه: هل تستحي بي أمام جيلٍ يحتقر الصليب؟

كما أن "لكل من يؤمن" تُتمّم وعدًا قديمًا امتدّ عبر العهد القديم كله - أن نسل إبراهيم يبارك كل الأمم (تكوين ١٢:٣)، وأن الله سيخلّص "لليهودي أولًا" لكونهم أصحاب الوعد التاريخي، ثم "لليوناني" - أي لكل الأمم - لتتحقق الغاية الكونية للخلاص. هذا يجد ذروته في كلام المسيح للتلاميذ بعد قيامته: أن تُكرز بالتوبة ومغفرة الخطايا باسمه "لجميع الأمم مبتدأً من أورشليم" (لوقا ٢٤:٤٧). فالمسيح المصلوب والقائم هو محتوى هذا الإنجيل، وهو مصدر قوته، وهو - في شخصه - الجواب الوحيد الكافي لكل من يؤمن، يهوديًّا كان أو أمميًّا.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالًا صريحًا: أين تخجل من الإنجيل؟ ليس بالضرورة أن تنكره بصوتٍ عالٍ - الخجل أخفى من ذلك بكثير. قد يكون في تلك اللحظة عندما يذكر أحدهم في العمل رأيًا يسخر من الإيمان، فتصمت. أو حين يسألك صديقٌ عمّا تؤمن به حقًّا، فتخفّف الكلام وتُبهته حتى يبدو "معقولًا" ومقبولًا اجتماعيًّا، بدل أن تقوله كما هو.

بولس لم يكن يخجل، لا لأنه كان جريئًا بطبعه، بل لأنه رأى بنفسه ماذا يفعل هذا الإنجيل: يُنقذ فعليًّا، يُغيّر فعليًّا، له قوةٌ حقيقية لا تُقارن بأي فلسفةٍ أو أيديولوجيا بشرية [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). السؤال ليس "هل الإنجيل مُحرِج اجتماعيًّا؟" - فهو كذلك دائمًا في كل ثقافة، لأنه يتمركز حول رجلٍ صُلب، ويطلب توبةً واستسلامًا كاملين. السؤال الحقيقي هو: هل رأيتَ قوته في حياتك الشخصية بما يكفي لتثق به أكثر من ثقتك بموافقة الناس عليك؟

الثمن الذي تطلبه هذه الآية محدد: أن تتوقف عن تلميع الإنجيل أو تخفيفه ليصبح "مقبولًا"، وأن تقوله كما هو - أن الخلاص لا يأتي بجهدك أو أخلاقك أو نسبك، بل بإيمانك وحده بمسيحٍ مصلوب. هذا يكلّف كرامتك الاجتماعية أحيانًا. يكلّفك أن تبدو "متطرفًا" في نظر من يعتبر كل الأديان متساوية. لكن بولس يخبرك: إن كنت قد ذقت هذه القوة فعلًا، فلن تستطيع أن تخجل بها - كما لا يخجل من أُنقذ من الغرق بالحبل الذي أنقذه.

## نقاط للصلاة

- يا رب، اغفر لي كل مرةٍ خجلتُ فيها من ذكر اسمك أمام الناس خوفًا من نظرتهم إليّ.
- امنحني أن أختبر قوة إنجيلك في حياتي اليومية، لا كفكرةٍ فقط بل كواقعٍ يُغيّرني حقًّا.
- ثبّت إيماني حتى أُعلن بشارتك بوضوحٍ وجرأة، دون أن أُخفّف حقيقتها لإرضاء أحد.
- أشكرك لأن خلاصك مفتوحٌ لكل من يؤمن، بلا تمييزٍ بين إنسانٍ وآخر - فاجعلني أداةً لحمل هذه البشارة للجميع.
- علّمني أن أثق بك كما يثق الغريق بالحبل، لا بجهدي أو أعمالي الخاصة.

## تأمّلات

- متى كانت آخر مرة سكتُّ فيها عن إيماني خوفًا من رأي الآخرين؟ ماذا كنتُ أخشى بالضبط؟
- هل اختبرتُ شخصيًّا "قوة" الإنجيل في حياتي، أم أن إيماني ما زال مجرد معلوماتٍ أعرفها عقليًّا؟
- كيف أتعامل مع فكرة أن الخلاص هو "بالإيمان وحده" - هل أميل سرًّا إلى الاعتماد على أعمالي أو "صلاحي" الشخصي؟
- هل أرى نفسي أفضل من أشخاصٍ آخرين لأسبابٍ دينية أو ثقافية، بعكس ما تعلنه الآية من أن الخلاص "لكل من يؤمن" بلا تمييز؟
- ما الثمن الذي أنا مستعدٌ لدفعه فعلًا لأعيش بلا خجلٍ من إنجيل المسيح هذا الأسبوع تحديدًا؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:45:1:16
