# أعمال الرسل ٢٤:٢٥ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ، وَأَجَابَ:«أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ».

## ما معناها

انظر إلى المشهد جيدًا: بولس سجين، وواقف أمام حاكمٍ رومانيّ اسمه فيلكس، ومعه زوجته دروسِلا اليهودية. والمفاجئ أن بولس لا يستغل الفرصة ليطلب الرحمة أو يدافع عن قضيته القانونية، بل يتكلم عن ثلاثة أمور: **البرّ**، و**التعفّف**، و**الدينونة العتيدة أن تكون**. لاحظ أن هذه ليست موعظة عامة مُرسَلة في الهواء؛ إنها كلامٌ موجَّهٌ بدقة إلى رجلٍ بعينه، يعرف بولس تاريخه: فيلكس معروفٌ بظلمه وطمعه وفساده الأخلاقي، ودروسلا تركت زوجها الأول لتصير معه [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke). فبولس لا يتكلم عن الله بشكلٍ مجرد، بل يضع إصبعه على الجرح بالضبط: البرّ يواجه ظلمه، والتعفّف يواجه شهوته، والدينونة العتيدة تواجه شعوره بالأمان لأنه صاحب سلطة لا يُحاسَب.
والنتيجة؟ "ارتعب فيلكس" — كلمة قوية، تعني رجفةً حقيقية من الخوف، لا مجرد انزعاج عابر. لكن هذا الارتعاب لم يقُد إلى توبة، بل إلى تأجيل: "اذهب الآن، ومتى حصلت على وقتٍ أستدعيك". هذا هو قلب الآية المؤلم: إنسانٌ يلمس الحق، يشعر بثقله، ثم يقول له "ليس الآن".
موضع هذه الآية في قصة سفر أعمال الرسل أكبر من مجرد حادثة شخصية: إنها صورة مصغّرة لكل من يسمع الإنجيل بوضوح ويرفضه لا بالجدال بل بالتسويف. الكتاب لا يخبرنا أن فيلكس أنكر الحق، بل أنه أرجأه — وهذا نوعٌ من الرفض أخطر من الإنكار الصريح لأنه يخدع صاحبه بأنه لم يرفض بعد.

## السياق التاريخي

كاتب سفر أعمال الرسل هو لوقا، الطبيب ورفيق بولس في أسفاره، وقد كتب هذا السفر على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ ميلادية، موجّهًا إياه لرجلٍ اسمه ثاوفيلس، وربما من خلاله لجمهورٍ أوسع من المؤمنين الذين يريدون أن يعرفوا كيف انتشرت البشارة من أورشليم إلى روما.
المشهد هنا يقع في قيصرية، على الساحل، حيث كان مقر الحاكم الروماني لليهودية. فيلكس هذا لم يكن حاكمًا عاديًّا؛ كان عبدًا محرَّرًا وصل إلى منصبه بفضل نفوذ أخيه بالاس في بلاط الإمبراطور، وقد سجّل عنه المؤرخ الروماني تاسيتُس أنه حكم "بروح العبد" ممارسًا كل أنواع القسوة والشهوة معتقدًا أن نفوذه يحميه من أي عقاب [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). أما دروسلا فكانت يهودية، ابنة هيرودس أغريباس الأول، تركت زوجها الملك ليتزوجها فيلكس — وهذا بحد ذاته خرقٌ صارخ للناموس اليهودي الذي عرفت به جيدًا.
بولس في هذه اللحظة سجينٌ بلا تهمة ثابتة؛ اليهود اتهموه زورًا أمام الحاكم، لكن فيلكس أدرك أن القضية سياسية أكثر منها جنائية، فأبقاه موقوفًا معلَّقًا سنتين كاملتين (كما سنقرأ لاحقًا في نهاية الأصحاح)، منتظرًا في الحقيقة أن يُدفَع له رشوة مقابل الإفراج [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). هذا يفسّر لماذا استمر يستدعي بولس للحديث: لم يكن اهتمامًا روحيًّا صادقًا بقدر ما كان أملاً بمكسبٍ ماديّ يتخفّى وراء ستار الفضول الديني. في هذا الجو من الفساد والانتهازية السياسية، تنطلق كلمات بولس عن البرّ والتعفّف والدينونة كصاعقة في مكانٍ لا يُفترض أن يُقال فيه مثل هذا الكلام بلا خوف.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى المهمة هي **δικαιοσύνη** (ديكايوسيني)، رقم سترونغ G1343، ومعناها "البرّ" أو الاستقامة في الشخصية والفعل، وقد تحمل أيضًا معنى "التبرير" في السياق المسيحي [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست مجرد قاعدة أخلاقية عامة؛ هي المعيار الذي يقيس به الله كل إنسان — بما فيهم حاكمٌ يظن نفسه فوق القانون.
الكلمة الثانية هي **ἐγκράτεια** (إنكراتيا)، G1466، وتعني ضبط النفس، وبالتحديد كبح الشهوات الجسدية [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه الكلمة نفسها تظهر في غلاطية ٥:٢٣ كثمرٍ للروح القدس، مما يعني أن بولس لا يطلب من فيلكس مجرد "تحسين سلوك" بل تحوّلًا داخليًّا لا يقدر عليه الإنسان وحده.
الكلمة الثالثة والأخطر هي **κρίμα** (كريما)، G2917، بمعنى "حكم" أو "قرار قضائي" — وهي مرتبطة بالفعل κρίνω (أدين)، وتحمل ثقل المحكمة الأخيرة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). مقترنةً بها كلمة **μέλλω** (ميلّو)، G3195، بمعنى "على وشك أن يكون" أو "آتٍ لا محالة" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فحين يقول بولس "الدينونة العتيدة أن تكون"، هو لا يتكلم عن احتمالٍ بعيد، بل عن حدثٍ مؤكد الحدوث، محسوم مسبقًا، وكأنه يقول لفيلكس: "أنت قاضٍ الآن، لكن هناك محكمة أعلى منك ستنعقد حتمًا".
وأخيرًا، حالة فيلكس نفسها موصوفة بكلمة **ἔμφοβος** (إمفوبوس)، G1719، أي "مذعور" أو "في رعب" — من ἐν (في) وφόβος (خوف) [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا ليس خوفًا خفيفًا عابرًا، بل ارتجافًا حقيقيًّا يُظهر أن كلام بولس أصاب هدفه تمامًا. لكن اللافت أن الفعل التالي هو **ἀποκρίνομαι** (أبوكرينومَاي)، G611، "أجاب" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs) — فيلكس لم يبقَ صامتًا في رعبه، بل تكلّم ليهرب، لا ليستسلم.

## كيف تشير إلى المسيح

كلمات بولس الثلاث ليست معزولة عن المسيح؛ هي في الحقيقة صدى مباشر لما قاله يسوع نفسه عن عمل الروح القدس في العالم: أنه "يبكّت العالم على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة" (يوحنا ١٦:٨). فما يفعله بولس أمام فيلكس هو بالضبط ما وعد به المسيح: الروح القدس يستخدم كلمات شاهدٍ أمينٍ ليضع إصبعه على الحق الذي يهرب منه الإنسان.
والبرّ الذي يتكلم عنه بولس ليس مجرد معيارٍ أخلاقي معلَّق في الهواء، بل هو برٌّ تحقق كاملاً في شخص واحد فقط: يسوع المسيح، الذي "من يفعل البرّ فهو بارّ، كما أن ذاك بارّ" (١يوحنا ٣:٧). فيلكس مطالَبٌ ببرٍّ لا يملكه، وهذا بالضبط سبب حاجته إلى المسيح — لا ليصلح نفسه بجهده، بل ليُكسى ببرّ ليس له.
والدينونة العتيدة التي أرعبت فيلكس هي نفسها التي تكلم عنها بولس في مكانٍ آخر: أن الله "عيّن يومًا هو فيه مزمعٌ أن يدين المسكونة بالعدل، برجلٍ قد عيّنه" — أي بيسوع المسيح نفسه (أعمال ١٧:٣١؛ وانظر أيضًا أعمال ١٠:٤٢ حيث المسيح "المعيَّن من الله ديّانًا للأحياء والأموات"). فالمسيح ليس فقط الطريق إلى النجاة من تلك الدينونة، بل هو نفسه من سيجلس على كرسيها. هذه المفارقة العجيبة هي جوهر الإنجيل: من يرفض المسيح الآن سيقف أمامه ديّانًا لاحقًا؛ ومن يقبله الآن يقف أمامه وقد لبس برّه.
فيلكس رأى الظل الصحيح للحقيقة، لكنه رفض أن يمشي نحو مصدر الضوء نفسه. وهذا يجعل من هذه الآية واحدة من أوضح صور "الرعب بلا توبة" في الكتاب كله — رعبٌ يشهد بصحة الرسالة، لكنه لا يقود إلى المسيح الذي وحده يزيل سبب الرعب.

## التطبيق

اسمح لي أن أكون صريحًا معك: هذه الآية ليست عن فيلكس فقط، إنها عنك أيضًا، وعنّي. كم مرة سمعت كلمة الله تلامس نقطة حساسة في حياتك — عادة تخفيها، علاقة غير مستقيمة، طمعًا تتستّر عليه بالنشاط أو الانشغال — وشعرت بشيء يشبه الرعف الداخلي، ثم قلت لنفسك: "لاحقًا. حين يكون الوقت مناسبًا"؟
هذا هو فخّ فيلكس بالضبط. لم يقل "لا" لبولس، لم يجادله، لم يكفر بكلامه. قال فقط: "ليس الآن". وهذا أخطر من الرفض الصريح، لأنه يمنحك وهم أنك ما زلت منفتحًا، بينما أنت في الحقيقة تُغلق الباب بلطف. المشكلة أن "الوقت المناسب" الذي انتظره فيلكس لم يأتِ أبدًا؛ السفر يخبرنا أنه بقي يستدعي بولس لسنتين، لكن ليس ليتوب، بل طمعًا في المال [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). الرعب تحوّل إلى فضول، ثم إلى صفقة فاشلة، ثم إلى لا شيء.
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم واضح: لا تُرجئ. إذا شعرت الآن بأن الروح القدس يضع إصبعه على شيءٍ في حياتك — عادة، علاقة، كذبة تعيش فيها — فهذه هي اللحظة، لا الأسبوع القادم، ولا "بعد أن أرتب أموري". التعفّف الذي طلبه بولس من فيلكس يطلبه الله منك أيضًا في أي منطقة تعرف أنت أنها ليست مستقيمة. والدينونة التي أرعبت فيلكس حقيقية بالنسبة لك أيضًا؛ لكن الفارق أن المسيح يقف بينك وبينها إن أتيت إليه الآن، لا "متى حصلت على وقتٍ مناسب".

## نقاط للصلاة

- يا رب، لا تدعني أرتعب من كلمتك ثم أؤجّل الاستجابة لها؛ امنحني قلبًا يطيع في اللحظة نفسها التي يقتنع فيها.
- اكشف لي المنطقة في حياتي التي أشبه فيها فيلكس — حيث أعرف الحق وأقول "ليس الآن".
- ساعدني على أن أطلب البرّ والتعفّف الحقيقيَّين اللذين لا أقدر عليهما وحدي، بل بعمل روحك فيّ.
- ذكّرني دائمًا أن يوم الدينونة حقيقي وآتٍ، فلا أعيش وكأن لي وقتًا لا نهاية له.
- أعطني شجاعة بولس لأتكلم بالحق حتى مع من يملكون سلطانًا عليّ، بلا خوفٍ من ردة فعلهم.

## تأمّلات

- هل هناك حقيقة من كلمة الله لامست موضعًا حسّاسًا فيّ مؤخرًا، وقلت لنفسي "لاحقًا"؟ ما هي بالتحديد؟
- لماذا أخاف أحيانًا من مواجهة الحق فورًا، وأفضّل تأجيله رغم شعوري بثقله؟
- هل أعيش وكأن لديّ "وقتًا مناسبًا" لا نهائيًّا أمامي، متجاهلاً أن الدينونة العتيدة حقيقية وقريبة؟
- ماذا كان يمكن أن يتغير في قصة فيلكس لو أنه توقف عند رعبه وسأل بولس: "ماذا أفعل الآن؟" بدلاً من أن يصرفه؟
- في أي علاقة أو عادة في حياتي أشبه دروسلا وفيلكس معًا — أعرف أن شيئًا ما خاطئ لكنني أبرّره بالراحة أو المصلحة؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:44:24:25
