# أعمال الرسل ١٨:١٠ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ».

## ما معناها

هذه الآية جزء من رؤيا ليلية يعطيها الرب لبولس وهو في كورنثوس، مدينة صعبة، مليئة بالفساد والتجارة والانحلال الأخلاقي. بولس متعب، وربما خائف، لأن الجملة التي تسبق هذه الآية مباشرةً هي "لا تخف بل تكلم ولا تسكت". فالله لا يبدأ بوعظه، بل يبدأ بطمأنته. لاحظ ترتيب الكلام: أولًا "أنا معك"، ثم "لا يقع بك أحد ليؤذيك"، وأخيرًا السبب الأعمق: "لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة". هذا الترتيب ليس عشوائيًّا؛ الحماية ليست الهدف النهائي، بل وسيلة لغاية أكبر: أن يصل الإنجيل إلى أناسٍ لم يؤمنوا بعد لكنهم "لله" بطريقةٍ ما.

هنا تكمن نقطة يسهل تفويتها: الله يقول "لي شعب" عن أناسٍ في كورنثوس الوثنية لم يسمعوا بعد بالإنجيل ولم يؤمنوا! هذا يطرح سؤالًا لاهوتيًّا عميقًا اختلف فيه المسيحيون: هل يعني هذا أن الله اختار هؤلاء الناس مسبقًا للخلاص، فهم "له" حتى قبل أن يستجيبوا (كما يفهمها من يؤمن بالاختيار الإلهي السابق)؟ أم أن المعنى أبسط: الله يعلم مسبقًا أن هؤلاء سيستجيبون بحرية إرادتهم، فهو يتحدث عنهم بصيغة الملكية لأنه يعرف النتيجة مسبقًا؟ التقليد الكالفيني يميل للقراءة الأولى، بينما يميل كثير من التقليد الأرثوذكسي والكاثوليكي وبعض البروتستانت إلى القراءة الثانية التي تحفظ حرية الإنسان. النص نفسه لا يحسم الجدل تمامًا، لكنه يقول شيئًا واضحًا لا خلاف عليه: الله له مقاصد في هذه المدينة تفوق ما يراه بولس بعينيه [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).

في سياق سفر أعمال الرسل، هذه المحطة تأتي في منتصف الرحلة التبشيرية الثانية، حيث ينتقل الإنجيل تدريجيًّا من المجامع اليهودية إلى العالم الأممي الواسع.

## السياق التاريخي

كتب لوقا سفر أعمال الرسل، وهو الجزء الثاني من عمله بعد إنجيله، على الأرجح بين سنة ٦٢ و٨٥ ميلادية تقريبًا، موجّهًا في الأصل إلى رجلٍ اسمه ثاوفيلس، لكنه في الحقيقة كُتب لكل من يريد أن يعرف كيف انتشرت البشارة عن يسوع من أورشليم إلى روما.

المشهد هنا يقع في كورنثوس، حوالي سنة ٥٠-٥١ ميلادية. كورنثوس لم تكن مدينة عادية؛ كانت مركزًا تجاريًّا ضخمًا يقع على برزخٍ يربط بين بحرين، ما جعلها ملتقى للبحارة والتجار من كل أنحاء الإمبراطورية الرومانية. كانت معروفة بثرائها الفاحش، وبانحلالها الأخلاقي إلى درجة أن كلمة "يتصرف كأهل كورنثوس" أصبحت في اليونانية تعبيرًا يعني الفسق. فيها معبد ضخم لأفروديت، إلهة الحب، وكان يُقال إن مئات الكاهنات كنّ يمارسن البغاء الطقسي فيه.

بولس وصل إلى هذه المدينة وحيدًا تقريبًا، منهكًا بعد أن طُرد من تسالونيكي وبيرية، وواجه استخفافًا في أثينا. عمل صانع خيام مع أكيلا وبريسكلا، وبدأ يكرز في المجمع اليهودي كل سبت. لكن اليهود قاوموه وجدّفوا، فأعلن أنه سيذهب إلى الأمم. في هذه اللحظة بالذات، وسط رفضٍ متكرر وتعبٍ جسدي، يأتيه الرب في رؤيا ليلية ليقول له: لا تخف، أنا معك.

الرومان كانوا يحكمون كورنثوس عبر والٍ اسمه غاليون، وسيظهر لاحقًا في القصة (أعمال ١٨: ١٢-١٧) كحاكم غير مبالٍ بالنزاعات الدينية اليهودية، وهذا بالذات سيكون جزءًا من كيفية تحقيق وعد الله بالحماية. الوعد لم يكن كلامًا مجردًا؛ كان له ثمنٌ ملموسٌ سيتحقق خلال أشهر قليلة، حين حاول اليهود جرّ بولس إلى المحكمة فلم يفلحوا.

## اللغة الأصلية

النص اليوناني يحمل تشديدًا لا يظهر بسهولة في الترجمة العربية. عبارة "أنا معك" تستخدم كلمة μετά (metá, G3326)، وهي حرف جر يدل على المرافقة والقرب، وليس مجرد وجودٍ بعيد يراقب من فوق [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). لكن الأهم هو استخدام ἐγώ (egṓ, G1473)، ضمير المتكلم "أنا". في اليونانية، الفعل وحده يكفي للدلالة على الفاعل، فلا حاجة لذكر الضمير المنفصل إلا للتأكيد الشديد [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فحين يقول الرب "أنا... معك"، فهو يضع نفسه في موضع التشديد المطلق: ليس "شخص ما سيساعدك"، بل "أنا بالذات، أنا نفسي".

كلمة οὐδείς (oudeís, G3762) المترجمة "لا أحد" أو "ولا يقع بك أحد" قوية جدًّا في أصلها: تعني حرفيًّا "ولا واحد، لا شيء، لا إنسان" — نفيٌ مطلق لا يترك ثغرة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). والفعل المرافق لها ἐπιτίθημι (epitíthēmi, G2007) يعني "يضع يده على" بمعنى العدوان أو الفعل المعادي، وكذلك κακόω (kakóō, G2559) يعني "يؤذي أو يضرّ" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الوعد إذن ليس "لن يحاول أحد إيذاءك"، بل "لن ينجح أحد إن حاول" — فرقٌ مهم، لأننا نعلم أن بولس تعرّض للجَرّ إلى المحكمة لاحقًا في نفس المدينة، لكن المحاولة لم تنجح في إيذائه.

أما "شعبًا" فهي πολύς (polýs, G4183)، بمعنى "كثير جدًّا"، تصف عددًا وفيرًا لا حصر له تقريبًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وكلمة μοί (moí, G3427) "لي" في "لي شعب" تحمل معنى الملكية والانتساب الشخصي المباشر — كأن الله يشير بإصبعه إلى حشدٍ من الناس في تلك المدينة الوثنية ويقول: هؤلاء لي.

## كيف تشير إلى المسيح

الوعد "أنا معك" الذي يسمعه بولس هنا ليس اختراعًا جديدًا؛ إنه صدى مباشر لما قاله الرب القائم من الأموات لتلاميذه قبل صعوده: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى ٢٨: ٢٠). المسيح القائم لم يترك رسله وحدهم بعد صعوده، بل استمر حاضرًا معهم بروحه، يوجّههم في أحلك اللحظات، تمامًا كما ظهر ليشوع قديمًا وقال له "الرب إلهك معك حيثما تذهب" (يشوع ١: ٩)، وكما طمأن إشعياء الشعب المنفي: "لا تخف لأني معك" (إشعياء ٤١: ١٠). القصة الكتابية كلها خيطٌ واحد من هذا الوعد المتكرر، ويبلغ ذروته في المسيح "عمانوئيل"، أي "الله معنا".

لكن الأعمق من ذلك هو عبارة "لي شعب كثير في هذه المدينة". هنا يتكلم يسوع، الراعي، بنفس اللغة التي استخدمها عن نفسه في يوحنا ١٠: ١٦: "لي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة... ينبغي أن آتي بتلك أيضًا". المسيح لا يتكلم عن كنيسةٍ مكتملة بعد في كورنثوس، بل عن خرافٍ ضالة لم تسمع صوته بعد، لكنها ملكه بالفعل — لأنه هو الراعي الذي "بذل نفسه عن الخراف" (يوحنا ١٠: ١١)، فمن اشتراه بدمه له الحق أن يدّعي ملكيته حتى قبل أن يعرفوه. هذا يعطي بولس شرعية لا تتزعزع للاستمرار في الكرازة: هو لا يذهب ليخترع مؤمنين من العدم، بل ليجمع من هم أصلًا للمسيح بفداءٍ سبق الكرازة.

وفي هذا أيضًا صدى لروح رومية ٨: ٣١: "إن كان الله معنا فمن علينا؟" الحماية التي وُعد بها بولس ليست امتيازًا شخصيًّا معزولًا، بل تعبير عن نفس الحق الذي يملكه كل مؤمنٍ متّحد بالمسيح: قوة القيامة نفسها التي تحمي الشاهد لتكتمل خطة الله في جمع شعبه.

## التطبيق

تخيّل بولس تلك الليلة: متعب، مرفوض، وحيد تقريبًا في مدينةٍ لا تعرف الرحمة. ولم يأتِه الرب بخطة عملٍ أو استراتيجية تبشيرية، بل أتاه بكلمة حضور: "أنا معك". أحيانًا أكبر خدمة يقدّمها الله لك ليست حلًّا لمشكلتك، بل تذكيرًا بأنه لم يتركك.

لكن لا تقرأ هذه الآية وكأنها شيك مفتوح لحياةٍ بلا ألمٍ ولا خطر. بولس نفسه، بعد سنوات، سيكتب "قوتي في الضعف تُكمَل" (٢كورنثوس ١٢: ٩)، وسيُجلد ويُسجن ويُقتل في النهاية شهيدًا. فما معنى "لا يقع بك أحد ليؤذيك" إذن؟ معناه أن لا أحد يستطيع أن يوقف الرسالة التي أرسلك الله من أجلها قبل أن تكتمل. الحماية هنا وظيفية، مرتبطة بمهمة، لا ضمانة راحة أبدية على الأرض.

والسؤال الذي يوجّهه هذا النص إليك اليوم هو: هل أنت مستعدّ أن تبقى وتتكلم في "كورنثوسك" الخاصة، تلك البيئة التي تشعر فيها أن الحديث عن يسوع سيكلّفك ثمنًا؟ ربما في عملك، بين أصدقائك، في عائلتك؟ الله يقول لك ما قاله لبولس: لي شعبٌ في هذا المكان بالذات الذي تخاف أن تتكلم فيه. ربما زميلٌ لك، أو قريبٌ بعيد عن الإيمان، هو من "شعب الله" الذين لم يستجيبوا بعد، لكن الله يعرفهم بالاسم.

الثمن الذي يطلبه هذا النص منك ليس أن تشعر بالأمان أولًا ثم تتكلم، بل أن تتكلم وأنت لا تزال خائفًا، متكلًا فقط على حضوره لا على ظروفك. هذا صعب. لكنه بالضبط ما فعله بولس، ولهذا بقيت كنيسة كورنثوس، رغم كل عيوبها اللاحقة، شاهدًا على أن الله يجمع شعبه من أشد الأماكن ظلمة.

## نقاط للصلاة

- يا رب، امنحني الشجاعة أن أتكلم عنك في الأماكن التي أخشى فيها الرفض أو الأذى.
- أشكرك لأنك تقول لي "أنا معك" حتى في اللحظات التي أشعر فيها بالوحدة الكاملة.
- افتح عينيّ لأرى أن لك "شعبًا" في الأماكن التي أظنها بعيدة عنك تمامًا، وامنحني صبرًا عليهم.
- ذكّرني أن حمايتك مرتبطة برسالتك، لا براحتي، فاجعلني أمينًا حتى لو كلّفني ذلك ثمنًا.
- أعطني إيمانًا كإيمان بولس، أن أستمر في الشهادة رغم الخوف والتعب والرفض المتكرر.

## تأمّلات

- هل هناك مكانٌ أو موقفٌ في حياتك تشعر فيه أن الله يقول لك "لا تخف، تكلم"، لكنك تصمت خوفًا؟
- إن كان الله يملك "شعبًا" لم يؤمن بعد في محيطك، من هم الأشخاص الذين قد يكونون هؤلاء؟
- كيف تفرّق بين "حماية الله" و"غياب كل ألم"؟ هل توقعاتك عن الأمان تتطابق مع ما وعد به الكتاب فعلًا؟
- متى كانت آخر مرة شعرت فيها بحضور الله بوضوح وسط ظرفٍ صعب، وماذا فعلت بهذا الشعور؟
- هل تتكل على ظروفك المريحة لتقرر متى تتكلم عن إيمانك، أم على وعد حضوره وحده؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:44:18:10
