# لوقا ٢٣:٣٤ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> فَقَالَ يَسُوعُ: «يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: يسوع معلَّقٌ على الصليب، المسامير في يديه ورجليه، والدم يسيل، وأول كلمةٍ تخرج من فمه ليست شكوى ولا صرخة ألم، بل صلاة: «يا أبتاه، اغفر لهم». تخيّل المشهد: الجنود الرومان يقتسمون ثيابه، يلعبون بالقرعة على قطعة قماشٍ بينما صاحبها يحتضر فوقهم. هذا هو التناقض الصارخ في الآية: أقسى لحظة ظلمٍ في التاريخ، ومن فمّ الضحية نفسها تخرج كلمة عفو.

لاحظ أن يسوع لا يطلب من الآب أن "ينسى" ما حدث، بل أن "يغفر" — وهذا فرقٌ جوهري. الغفران هنا ليس تجاهلًا للخطية، بل معالجةٌ لها من جذورها. ولاحظ أيضًا السبب الذي يقدّمه يسوع: «لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون». هذا ليس تبريرًا للجريمة، بل تشخيصٌ لحالة من العمى الروحي العميق الذي جعل الجنود والقادة يشاركون في صلب "رب المجد" وهم لا يدركون حقيقة من أمامهم [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke).

من ناحية النقد النصي، تجدر الإشارة إلى أن بعض المخطوطات القديمة المهمة لا تحتوي على هذه الجملة، مما جعل بعض العلماء يتساءلون إن كانت أُضيفت لاحقًا أو كانت أصيلة سقطت من نسخٍ معينة. لكن أغلب التقاليد المسيحية — الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية — تتعامل مع هذه الكلمات كجزءٍ أصيل من نص لوقا، لأنها تنسجم تمامًا مع لاهوت لوقا الذي يشدد على رحمة يسوع الفائقة حتى للأعداء (قارن مع متى ٥:٤٤).

هذه اللحظة تقع في قلب قصة لوقا الأكبر: إنجيلٌ يصوّر يسوع باستمرار كصديق الخطاة والمنبوذين، وها هو يمارس ما علّمه طوال حياته، لكن الآن في أقصى ثمنٍ ممكن — ثمن حياته نفسها.

## السياق التاريخي

كتب لوقا إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٠ ميلادية، وهو طبيبٌ يوناني (كما يذكر بولس في كولوسي ٤:١٤) رافق بولس الرسول في أسفاره، ويكتب لجمهورٍ من خلفيةٍ يونانية-رومانية، ربما لشخصٍ اسمه ثاوفيلس، ليقدّم له سردًا دقيقًا ومنظّمًا عمّا حدث فعلًا (لوقا ١:١-٤). لوقا لم يكن شاهد عيانٍ على الصلب، لكنه جمع رواياته من شهودٍ عيان، وربما من مريم نفسها أو من تلاميذ آخرين.

المشهد الذي يصفه هنا يقع خارج أسوار أورشليم، في مكانٍ يُدعى الجلجثة، حوالي سنة ٣٠-٣٣ ميلادية، في عهد الإمبراطور طيباريوس قيصر وتحت حكم بيلاطس البنطي الوالي الروماني. الصلب لم يكن مجرد إعدام، بل كان أداة رومانية مصممة عمدًا للإذلال العلني — يُعلَّق المحكوم عليه عاريًا تقريبًا أمام الجميع، ليكون عبرةً لكل من يفكر بالتمرد على روما.

اقتسام الثياب الذي تذكره الآية ليس تفصيلًا عابرًا: كان من حق الجنود الرومان تقاسم متعلقات المُعدَم كنوعٍ من "الغنيمة" أو الأجر الإضافي [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). أربعة جنود عادةً ما كانوا يشرفون على كل عملية صلب، فيقتسمون الثياب فيما بينهم، وحين تبقى قطعة لا يمكن تقسيمها (كالقميص المنسوج بلا خياطة كما يذكر يوحنا) يقترعون عليها. هذا كان أمرًا روتينيًّا تمامًا بالنسبة لهم — مجرد يومٍ آخر في العمل، بينما يحتضر أمامهم رجلٌ برئ.

القيادة اليهودية الدينية، ممثلةً بالسنهدرين، كانت قد سلّمت يسوع لبيلاطس بتهمة التجديف والتحريض، بينما الجمهور المحتشد، مدفوعًا بالتحريض، كان يصرخ "اصلبه". في خضم كل هذا الصخب والعنف والانتهازية، تأتي كلمات يسوع كصوتٍ من عالمٍ آخر تمامًا.

## اللغة الأصلية

الفعل المحوري في الآية هو ἀφίημι (أفييمي)، G863، ومعناه الحرفي "أن يُرسِل بعيدًا" أو "يُطلق"، ومنه جاء معنى "يغفر" — كأن الخطية دَينٌ يُطلَق صاحبه من ثقله تمامًا، لا يُؤجَّل ولا يُخفَّف بل يُزال. حين يقول يسوع "اغفر لهم"، فهو لا يطلب تجاهلًا للجريمة، بل تحريرًا كاملًا منها.

ثم يأتي السبب: γάρ (غار)، G1063، أداة تفيد التعليل — "لأن". ويسوع يبني سبب طلبه على فعل المعرفة: εἴδω (إيدو)، G1492، الذي يحمل معنى "أن يرى" ومنه "أن يعرف". النفي هنا οὐ οἴδασιν — "لا يعرفون" — يشير إلى جهلٍ حقيقي وليس تظاهرًا. هذا الجهل ليس عذرًا كاملًا يبرّئهم، لكنه يفتح بابًا للرحمة؛ فبولس نفسه لاحقًا يصف حالته قبل اهتدائه بكلماتٍ مشابهة: أنه فعل ما فعله "بجهلٍ في عدم إيمان" (١تيموثاوس ١:١٣).

أما الفعل ποιέω (بويّيو)، G4160، فيعني "يفعل" أو "يصنع"، ويستخدمه يسوع هنا في السؤال الضمني: ماذا يفعلون؟ — أي أنهم يمارسون فعلًا لا يدركون أبعاده الحقيقية: أنهم يصلبون ابن الله نفسه.

وأخيرًا، كلمة πατήρ (باتير)، G3962، "أب" — وهي المخاطبة التي يفتح بها يسوع صلاته. حتى في أحلك لحظات الألم والخذلان، لا يقول "يا الله" بصيغةٍ بعيدة، بل "يا أبتاه" — علاقةٌ حميمة لم تنكسر حتى وسط العذاب [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية ليست مجرد لحظة عابرة في قصة الصلب — إنها إعلانٌ لجوهر ما جاء يسوع ليفعله. تذكّر إشعياء ٥٣:١٢، النبوءة التي كُتبت قبل قرون: "حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين". هذا بالضبط ما يفعله يسوع هنا حرفيًّا: وهو يُصلَب، يشفع في الذين يصلبونه. النبوءة لا تتحقق مجازًا بل بالفعل، أمام أعيننا [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke).

وتلاحظ أيضًا كيف تتردد صرخة المزمور ٢٢:١٨ في التفاصيل الصغيرة: "يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون". داود كتب هذا المزمور بألمٍ شخصي، لكن الروح القدس كان يرسم من خلاله صورةً مسبقة ليومٍ سيأتي فيه المسيح، وتتحقق كل كلمةٍ فيه حرفيًّا تحت صليبه.

لكن الرابط الأعمق هو هذا: يسوع هنا هو الكاهن الأعظم وهو الذبيحة في آنٍ واحد. فبينما الكاهن في العهد القديم كان يقدّم ذبيحةً عن خطايا الشعب، يسوع يقدّم نفسه، ويشفع بلسانه وهو يُذبَح. هذا يمهّد مباشرةً لما تصفه رسالة العبرانيين لاحقًا عن المسيح "الحي دائمًا ليشفع" (عبرانيين ٧:٢٥) — فما بدأه على الصليب من شفاعةٍ لم يتوقف، بل استمر إلى الأبد.

ولا تفوتك النتيجة العملية: هذه الصلاة صارت نموذجًا حيًّا اتّبعه استفانوس أول شهداء الكنيسة وهو يُرجَم، إذ صرخ: "يا رب لا تُقم لهم هذه الخطية" (أعمال الرسل ٧:٦٠). فما تعلمه يسوع على الصليب صار حياةً تُعاش في تلاميذه — دليلٌ أن الغفران الذي أظهره ليس مجرد كلمةٍ قيلت مرة، بل روحٌ يُزرَع في كل من يتبعه.

## التطبيق

لنكن صادقين معًا للحظة: هل يمكنك أن تتخيل نفسك تصلي من أجل غفران شخصٍ يدقّ مسمارًا في يدك في تلك اللحظة بالذات؟ ليس بعد أسبوع، حين تهدأ المشاعر وتُعالَج الجراح — بل في نفس اللحظة، والدم لا يزال يسيل؟ هذا ما فعله يسوع. وهذا ليس مجرد قصةٍ جميلة نتأثر بها، بل معيارٌ يُقاس به قلبك.

فكّر في الشخص الذي جرحك أكثر من غيره — ربما قريبٌ خانك، أو صديقٌ طعنك من الخلف، أو شخصٌ ما زال يؤذيك حتى الآن ولا يشعر بأي ندمٍ على ذلك. يسوع لا يطلب منك أن تتظاهر بأن الجرح لم يحدث، ولا أن تقول "لا بأس" وأنت تعني العكس. هو يدعوك لشيءٍ أصعب بكثير: أن تُطلق ذلك الشخص من قبضة قلبك، أن تتوقف عن حمل دَينه، حتى وهو لا يستحق ذلك ولا يطلبه.

لاحظ التفصيل المذهل: يسوع يصلي هذه الصلاة والجنود لا يزالون يقتسمون ثيابه أمامه، غير مبالين تمامًا بما يفعلونه به. الغفران هنا لم يكن ردة فعلٍ لندمٍ من الطرف الآخر — بل قرارٌ من قلب يسوع وحده، لا يعتمد على استحقاق أحد.

هذا هو الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم: أن تتخلى عن حقّك في الانتقام، عن حقّك في أن "تستحق" اعتذارًا قبل أن تسامح. أن تعترف أن الآخرين — وأنت أيضًا — كثيرًا ما "لا تعلمون ماذا تفعلون" حين تجرحون بعضكم البعض. هل ثمة اسمٌ يطفو في ذهنك الآن؟ لا تدفعه بعيدًا. خذه إلى الصلاة، وقل الكلمات نفسها التي قالها يسوع، حتى لو كان فمك يرتجف وأنت تقولها.

## نقاط للصلاة

- يا رب، علّمني أن أصلي من أجل من جرحوني، لا بعد أن يعتذروا، بل الآن، كما فعلتَ أنت على الصليب.
- اغفر لي جهلي، يا أبتاه، حين أجرح الآخرين ولا أدرك حجم ما أفعله.
- أعطني قلبًا يُطلق الآخرين من الدَّين الذي أحمله عليهم، بدل أن أُبقيهم أسرى مرارتي.
- ساعدني أن أرى في كل من آذاني إنسانًا أعمى روحيًّا مثلي أحيانًا، لا عدوًّا يستحق كراهيتي فقط.
- يا يسوع، اجعل شفاعتك من أجلي وأنا خاطئ نموذجًا أحياه أمام من يخطئون في حقّي.

## تأمّلات

- من هو الشخص الذي لم تسامحه بعد، والذي كلما تذكرته شعرت بألمٍ متجدد؟
- هل تستطيع أن تصلي من أجل غفران شخصٍ لم يعتذر لك، ولا ينوي أن يفعل؟
- في أي المواقف كنتَ أنت "لا تعلم ماذا تفعل" وأنت تجرح شخصًا تحبه؟
- ما الفرق بين أن "تنسى" جرحًا وأن "تغفره" فعليًّا؟ أيهما تفعله أنت عادة؟
- لو كان يسوع يراقب قلبك الآن تجاه من آذاك، ماذا كان سيرى؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:42:23:34
