# لوقا ١٨:١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ،

## ما معناها

انظر إلى بداية الآية: "وقال لهم أيضًا مثلًا". كلمة "أيضًا" تخبرك أن هذا المثل ليس معلَّقًا في الفراغ، بل هو استمرار لكلامٍ سبقه عن أزمنةٍ صعبة قادمة، عن ضيقٍ وانتظارٍ طويل لمجيء ابن الإنسان (لوقا ١٧:٢٠-٣٧). يسوع لا يبدأ بموضوعٍ جديد، بل يواصل تجهيز تلاميذه لواقعٍ سيحتاجون فيه إلى شيءٍ يسندهم [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).

ثم يضع لوقا "مفتاح" المَثَل قبل أن يرويه، وهذا نادرٌ وثمين: عادةً تُروى الأمثال وتُترك للسامع ليكتشف مغزاها، لكن هنا يقول لك لوقا مباشرةً: الغاية من هذا المثل أن "يُصلَّى كلَّ حين ولا يُملّ" [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). فأنت لن تُفاجَأ بالمعنى في آخر القصة، بل تدخل إليها وأنت تعرف إلى أين تتّجه.

لاحظ العبارتين المتوازيتين: "يُصلَّى كلّ حين" و"لا يُملّ". هما وجهان لعملةٍ واحدة. الأولى إيجابية: المواظبة، الاستمرار، عدم الانقطاع. والثانية سلبية: عدم فقدان القلب، عدم الاستسلام لليأس أو الكلل الداخلي. فالخطر الذي يحذّر منه يسوع هنا ليس فقط "التوقف عن الصلاة" كفعل، بل شيء أعمق: أن يذبل الرجاء في القلب، وأن يقتنع الإنسان أن الله لن يستجيب، فيكفّ عن الطلب لا لأنه نسي، بل لأنه يئس.

من المهم أن تعرف أن "كلّ حين" لا تعني أن تكون في وضعية الصلاة الحرفية كل ثانية من يومك، بل تعني موقفًا داخليًا مستمرًا من الاتصال بالله لا ينقطع مهما طال الانتظار [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). هذه الآية هي عنوان المَثَل الذي سيأتي بعدها مباشرة (مَثَل الأرملة والقاضي الظالم)، وموقعها في إنجيل لوقا مهم: هي جسرٌ بين حديثٍ عن الضيقات الأخيرة وبين مَثَلٍ عمليٍّ يعلّم كيف يعيش المؤمن وسط الانتظار الطويل دون أن يذبل قلبه.

## السياق التاريخي

كتب لوقا إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥ للميلاد، وهو طبيبٌ ومؤرخٌ دقيق، رافق الرسول بولس في أسفاره، وكتب لجمهورٍ يغلب عليه الطابع غير اليهودي (يُخاطب في مقدمته رجلًا اسمه ثاوفيلس، لوقا ١:٣). لكن الكلام هنا هو كلام يسوع نفسه، قيل قبل ذلك بعقود، في الطريق الأخير إلى أورشليم، في الأشهر الأخيرة من خدمته الأرضية.

الظرف الذي قيلت فيه هذه الكلمات مشحون. يسوع للتوّ تحدّث عن أيامٍ ستأتي يشتاق فيها التلاميذ أن يروا يومًا واحدًا من أيام ابن الإنسان ولا يرون (لوقا ١٧:٢٢)، وتحدّث عن دينونةٍ مفاجئة تشبه أيام نوح ولوط. كانت فلسطين في ذلك الوقت أرضًا مشحونة بالتوتر: احتلالٌ رومانيّ، توقّعاتٌ مسيحانية متأججة، وطبقات دينية فاسدة أحيانًا لا تُنصف الضعفاء. القضاة، مثلًا، كانوا غالبًا يُعيَّنون بالمحسوبية أو الرشوة، ولم يكن نادرًا أن يتجاهل قاضٍ قضية أرملةٍ لا تملك مالًا ولا نفوذًا لتدفعه لينظر في قضيتها. هذا هو بالضبط الخلفية الاجتماعية التي سيبني عليها يسوع مَثَله في الآيات التالية مباشرة.

كانت الجماعة المسيحية الأولى، حين كتب لوقا إنجيله، تعيش بالفعل زمن انتظارٍ طويل ومضنٍ: يسوع صعد إلى السماء، ووعد بالرجوع، لكن السنوات تمرّ، والاضطهاد يشتدّ أحيانًا، والرجاء يتعب. لذلك هذه الكلمة لم تكن تعليمًا نظريًا مجردًا، بل كانت دواءً حقيقيًا لجماعةٍ بدأ بعض أفرادها يتساءلون: "إلى متى؟" كان اليهود المتدينون في ذلك العصر يصلّون في أوقاتٍ محددة من اليوم (ثلاث مرات كما يشير التقليد اليهودي) [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill)، لكن يسوع يذهب أبعد من مجرد الطقس المنتظم، إلى موقفٍ قلبيّ لا يتوقف، خصوصًا في وجه التأخير والألم والانتظار الذي لا يُرى له نهاية.

## اللغة الأصلية

كلمتان تحملان ثِقل هذه الآية كلها.

الأولى هي **προσεύχομαι** (بروسيوخومَاي، G4336)، وهي الفعل المترجم "يُصلَّى". هذه الكلمة مركّبة من "برُوس" (نحو، باتجاه) و"يوخومَاي" (يتضرّع، يتمنى بشدة) [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فالصلاة هنا ليست كلامًا عابرًا يُقال في الهواء، بل حركة اتجاه: قلبٌ يتوجّه بكل ثقله نحو الله. الكلمة نفسها تحمل معنى التوسّل والعبادة معًا، فهي ليست طلبًا باردًا بل امتدادًا للعلاقة.

والثانية، وهي الأهمّ في فهم المشكلة التي يعالجها يسوع، هي **ἐκκακέω** (إكّاكيو، G1573)، المترجمة "يَمَلّ". أصلها من "إك" (خارج، من) و"كاكوس" (رديء، شرّير)، ومعناها الحرفي أن "يصبح ضعيفًا أو رديئًا"، وبالمعنى المجازي: "يفشل في القلب"، أي ينهار داخليًا ويفقد شجاعته واحتماله [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست كلمة عن التعب الجسدي من كثرة الكلام، بل عن انهيارٍ داخلي، عن قلبٍ يستسلم ويقول "لا فائدة". هذا يوضّح أن المعركة الحقيقية التي يتحدث عنها يسوع ليست معركة الجدول الزمني (هل صلّيت اليوم أم لا) بل معركة الرجاء نفسه.

أضف إلى هذا كلمة **δεῖ** (دِي، G1163)، وهي فعلٌ غير شخصي يعني "ينبغي، من الضروري، أمرٌ ملزم" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست نصيحة اختيارية معروضة على الطاولة، بل ضرورة، كما تقول إن الشمس "لا بد أن" تشرق. وأخيرًا **πάντοτε** (بانتوتِه، G3842)، "كلّ حين"، مركّبة من "كلّ" و"متى"، فتعني حرفيًا "في كل وقتٍ كان" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فالآية إذن تجمع ضرورةً حتمية (دِي) بزمنٍ بلا فجوات (بانتوتِه) بموقفٍ من التوجّه المستمر نحو الله (بروسيوخومَاي)، مقابل خطر انهيار الرجاء (إكّاكيو).

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية ليست نبوءةً عن المسيح، لكنها تكشف شيئًا عن قلبه هو نفسه. فكِّر: من قال هذا الكلام؟ الرجل الذي في تلك الليالي الأخيرة سيذهب إلى جثسيماني ويصلّي "أكثر بجدّ" وهو في نزاعٍ نفسي عميق (لوقا ٢٢:٤٤)، ولن يفقد قلبه رغم أن الكأس التي أمامه هي الصليب نفسه. يسوع لا يعلّم شيئًا لم يعشه؛ هو نفسه الذي صلّى بمثابرة حتى تصبب عرقه كقطرات دمٍ، ولم يتوقف عن الطلب رغم أن الجواب الأول بدا وكأنه "لا".

بل انظر إلى ما يليها مباشرة: مَثَل الأرملة التي تلّح على القاضي الظالم حتى ينصفها (لوقا ١٨:٢-٨)، ثم يختم يسوع بسؤالٍ مؤلم: "ولكن ابن الإنسان متى جاء، ألعله يجد الإيمان على الأرض؟" (لوقا ١٨:٨). فالربط هنا واضح ومباشر من فم يسوع نفسه: الصلاة بلا ملل هي علامة إيمانٍ حيّ ينتظر مجيء ابن الإنسان. الآية إذن مرتبطة مباشرة بالرجاء المسيحاني: نحن نصلّي لا في فراغ، بل ونحن ننتظر شخصًا سيأتي، هو نفسه الذي تكلّم.

وهناك خيطٌ أعمق: بولس سيكرر هذه الدعوة بالضبط - "صلّوا بلا انقطاع" (١تسالونيكي ٥:١٧)، "مواظبين على الصلاة" (كولوسي ٤:٢، رومية ١٢:١٢) - لأن الكنيسة كلها تعيش الآن في نفس الفجوة الزمنية التي أشار إليها يسوع: بين صعوده ومجيئه الثاني. المسيح صعد، لكنه لم يعد بعد. وفي هذه الفجوة بالذات، حيث يمكن أن يذبل الرجاء ويظن المؤمن أن الله صامت أو غائب، تأتي هذه الوصية كحبل نجاة. الصلاة الدائمة هي الطريقة التي يعيش بها المؤمن أمانته ليسوع الغائب-الحاضر، حتى يظهر هو نفسه ثانية.

## التطبيق

دعني أكون صريحًا معك: أغلبنا لا يتوقف عن الصلاة فجأة، بل يتلاشى تدريجيًا. تطلب شيئًا لأسبوع، لشهر، لسنة... ثم يأتي صوتٌ داخلي هادئ يقول: "لن يتغير شيء، لماذا تكرر الكلام نفسه؟". هذا بالضبط ما يسميه يسوع "المَلَل" هنا - ليس الملل من تكرار الكلمات، بل انهيار القلب من الداخل، ذلك الاستسلام الصامت الذي لا أحد يراه لكنك أنت تعرفه جيدًا.

فكّر في أي شيء تصلّي لأجله منذ زمنٍ طويل ولم يتغيّر: شفاء لم يأتِ، ابنٌ ضالّ لم يعد، زواجٌ لا يزال متصدّعًا، خطيةٌ لا تزال تصارعك رغم كل صلواتك ضدها. هل توقفت عن الطلب لأنك تعبت داخليًا؟ هذه الآية لا تلومك على التعب - يسوع يعرف تمام المعرفة أن الانتظار مؤلم ومرهق - لكنها تدعوك لشيءٍ أصعب من مجرد "الاستمرار في الصلاة": تدعوك أن تحمي قلبك من اليأس بينما تنتظر.

الثمن هنا محدد وواضح: أن تصلّي اليوم من أجل الشيء نفسه الذي صليت لأجله أمس ولم يُستجب، وأن تفعل هذا مرة أخرى غدًا، دون أن تسمح ليأسك بأن يُسكِتك. هذا يكلّف كرامتك أحيانًا (أن تطرق البابَ نفسه مرارًا وكأنك متسوّل)، ويكلّف صبرك، ويكلّف إيمانك بأن الله ليس صامتًا حتى لو بدا كذلك.

لكن تذكّر: يسوع لم يقل هذا من بعيد. هو نفسه صلّى في جثسيماني ثلاث مرات بنفس الكلمات (متى ٢٦:٤٤)، ولم يفقد قلبه رغم أن الجواب الفوري بدا "لا". إن كان هو، الابن الكامل، احتاج أن يصلّي بمثابرة، فلماذا تتوقع أنت أن تصل إلى إيمانٍ ناضج دون هذا الطريق نفسه؟ لا تتوقف اليوم. اطرق الباب مرة أخرى.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أني تعبت من الصلاة على أمرٍ لم تستجبه بعد، فاحرس قلبي من الملل واليأس.
- امنحني الجرأة أن أطرق بابك اليوم كما طرقته أمس، بلا خجلٍ من التكرار.
- علّمني أن أميّز بين توقف الجسد عن الكلام وانهيار الرجاء في القلب، واحفظني من الثاني.
- زد إيماني بأنك حاضرٌ وسامعٌ حتى في صمتك الطويل.
- اجعل صلاتي المستمرة علامة إيمانٍ حيّ ينتظر مجيء ابنك، لا مجرد عادة فارغة.

## تأمّلات

- ما الأمر الذي توقفت عن الصلاة لأجله لأنك اقتنعت داخليًا أن الله لن يستجيب؟
- متى تحوّلت صلاتك من علاقةٍ حيّة إلى واجبٍ تؤديه بلا رجاء حقيقي؟
- هل تخلط بين "التوقف الجسدي عن الصلاة" و"انهيار قلبك الداخلي"؟ أيهما حدث لك مؤخرًا؟
- لو سألك يسوع اليوم: "هل تجد الإيمان في قلبك حين أعود؟" ماذا كان جوابك الصادق؟
- ما الذي يكلّفك أن تصلّي اليوم بمثابرة على الشيء نفسه الذي طلبته منذ سنة؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:42:18:1
