# مرقس ٨:١٨ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ، وَلاَ تَذْكُرُونَ؟

## ما معناها

اقرأ الآية مرتين، وستلاحظ أن يسوع لا يوبّخ الفريسيين هنا، بل تلاميذه هو بالذات. السياق يكشف لك ذلك: هم في قارب، نسوا أن يأخذوا خبزًا، وقلقهم على رغيفٍ مفقود يتصادم مع أنهم للتوّ رأوه يطعم آلاف الناس بخبزٍ قليل، مرتين! فيسألهم بأربعة أسئلة متتالية، هذه واحدة منها: «ألكم أعين ولا تبصرون، ولكم آذان ولا تسمعون، ولا تذكرون؟».
الظاهر جليّ: يسوع يعاتبهم لأنهم لم يفهموا. لكن ما يسهل تفويته هو أن حواسهم كانت سليمة تمامًا — أعينهم رأت الخبز يتكاثر بين أيديهم، آذانهم سمعت كلامه بوضوح — والمشكلة ليست في العين أو الأذن، بل فيما وراءهما: القلب الذي لا يربط، الذاكرة التي لا تحتفظ، الفهم الذي يتوقف عند سطح الأشياء. هذا بالضبط ما لاحظه أحد الشرّاح القدامى: أن لهم بصرًا جسديًّا استُعمل قليلًا، وبصرًا روحيًّا أُعطي لهم لكنه بقي ضبابيًّا [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill).
والآية تقع في موضعٍ محوريّ من إنجيل مرقس: بعد معجزتَي إطعام الجموع مباشرة، وقبل شفاء الأعمى في بيت صيدا بآياتٍ قليلة — وكأن مرقس يرسم لك بيده: التلاميذ عميان روحيًّا، ثم يشفي يسوع أعمى جسديًّا، ليقول لك إن الشفاء الحقيقيّ الذي يحتاجه القارئ ليس في العين، بل في الإدراك.
لا خلاف مذهبيّ كبير هنا بين التقاليد المسيحية؛ الجميع يتفقون أن الآية تتحدث عن قساوة الفهم الروحي رغم توفر الأدلة الحسّية، لكنها تتفق أيضًا مع سلسلة طويلة من نصوص العهد القديم عن شعبٍ له أعين ولا يبصر، مما يجعلها صدى متعمَّدًا لا مصادفة.

## السياق التاريخي

إنجيل مرقس، بحسب الرأي الأقوى بين الدارسين، كُتب في مكانٍ ما بين سنة ٥٥ و٧٠م، ربما من روما، وربما استند مرقس فيه إلى شهادة بطرس الرسول مباشرة. هذا يعني أنك تقرأ روايةً قريبة جدًّا من الحدث، ربما بعد ثلاثين أو أربعين سنة فقط، وربما كُتبت لجماعةٍ مسيحية في روما كانت تواجه اضطهادًا، فاحتاجت أن تتذكّر أن الإيمان بيسوع لا يعني فهمًا سهلًا أو طريقًا مفروشًا بالورد.
المشهد نفسه يجري في قارب صغير، يعبر بحيرة الجليل. يسوع للتوّ رفض أن يعطي الفريسيين «آية من السماء» — طلبوا معجزةً مبهرة تُثبت له سلطانًا، فرفض، لأن قلوبهم لم تكن تبحث عن الحقيقة بل عن حجّة [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). وبعدها بلحظات، وهو في القارب مع تلاميذه الاثني عشر، يحذّرهم من «خمير الفريسيين وخمير هيرودس» — أي من طريقة تفكيرٍ فاسدة تتسلل بهدوء وتفسد كل شيء، كما يفسد قليل من الخمير العجينة كلها. فيظن التلاميذ أنه يقصد أنهم نسوا الخبز الحقيقي! سوء فهمٍ حرفيّ ساذج يقابل تحذيرًا روحيًّا عميقًا.
هذا نمط متكرر عند اليهود في ذلك الزمان: كانوا ينتظرون مسيحًا مَلِكيًّا يحرّر أرضهم من الرومان، فكان من الصعب عليهم — حتى على أقرب تلاميذه — أن يستوعبوا أن قوته لا تُستعمل لتكديس الخبز أو صدّ الأعداء، بل لكشف ملكوتٍ آخر تمامًا. التلاميذ عاشوا مع يسوع، أكلوا معه، رأوا معجزاته بأعينهم، وما زالوا يفكرون بمنطق الجوع اليومي. مرقس يسجّل هذا بصراحةٍ محرجة لا تجامل أحدًا، لا حتى الاثني عشر أنفسهم، لأن الإنجيل الحقيقي لا يخفي ضعف تلاميذ المسيح الأوائل بل يعرضه كتحذيرٍ لكل قارئ يأتي بعدهم.

## اللغة الأصلية

الفعل اليوناني المستخدم للنظر هنا هو βλέπω (بليپو)، G991، ومعناه أن تنظر إلى شيء نظرة مباشرة، حرفيًّا أو مجازيًّا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). ليس المقصود أن أعينهم عمياء فيزيائيًّا، بل أن النظرة الفعلية لم تتحول إلى إدراك. وكلمة "أعين" نفسها ὀφθαλμός (أوفثالموس)، G3788، تحمل في أصلها فكرة الرؤية بما تشمله من بصيرةٍ داخلية، لا مجرد استقبال الضوء [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).
أما السمع فالفعل ἀκούω (أكوو)، G191، يعني أن تسمع بمعناه الواسع — سمعًا حسيًّا أو فهمًا داخليًّا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs)، والاسم οὖς (أوس)، G3775، هو الأذن جسديًّا أو ذهنيًّا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). لاحظ التوازي الدقيق بين الشطرين: عين/نظر، أذن/سمع، وكأن يسوع يستنفد كل حاسة استقبالٍ ممكنة ليقول: لقد أعطيتكم كل وسيلة، فلماذا ما زلتم لا تفهمون؟
لكن الكلمة الأثقل في الآية، من وجهة نظري، هي الأخيرة: μνημονεύω (منيمونيڤو)، G3421، بمعنى أن تُعمل ذاكرتك، أن تستحضر وتربط بين ما رأيته سابقًا وما يحدث الآن [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). المشكلة إذن ليست فقط في اللحظة الحاضرة، بل في الفشل في وصل الخيوط: نسوا معجزة الخبز الأولى، فكيف يخافون على خبزٍ ماديّ وهم في حضرة من صنع الخبز من العدم مرتين؟ هذا الفعل بالذات يكشف أن الإيمان لا يُبنى فقط على رؤية اللحظة، بل على ذاكرةٍ أمينة تحمل معجزات الأمس إلى تحديات اليوم.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تضعك أمام مفارقة مذهلة: الذي يقف في القارب ويسأل «ألكم أعين ولا تبصرون؟» هو نفسه من سيمنح لاحقًا البصر الحرفي لأعمى بيت صيدا بعد آياتٍ قليلة (مرقس ٨: ٢٢-٢٦)، وسيُشفي أعمى بارتيماوس لاحقًا. مرقس يرتب هذا التسلسل بعناية: عمى روحي، ثم عمى جسدي يُشفى، ليقول لك إن يسوع هو من يملك سلطان فتح العينين — كلتيهما.
هذا الصدى يمتد إلى عمقٍ نبويّ أقدم بكثير. إشعياء وإرميا وحزقيال جميعهم تحدثوا عن شعبٍ له أعين ولا يبصر وآذان ولا يسمع، شعبٍ قاسي القلب رغم كل ما رآه من عمل الله. يسوع هنا لا يخترع تعبيرًا جديدًا، بل يضع تلاميذه — واليهود عمومًا في زمانه — داخل هذا الخط النبويّ الطويل من العمى الروحي المزمن [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). وسيقتبس يسوع نفسه من إشعياء بشكل مباشر في مرقس ٤: ١٢ ليصف حال الجموع الذين يسمعون الأمثال ولا يفهمون.
لكن الرجاء هنا أن المسيح لا يكتفي بالتشخيص، بل هو الحل. يوحنا ١٢: ٤٠ يقتبس نفس فكرة العمى من إشعياء ليصف رفض اليهود ليسوع، لكن الإنجيل كله يمضي نحو لحظةٍ يُفتح فيها البصر الحقيقي: عندما يقوم يسوع من الأموات، تنفتح أعين التلاميذ أخيرًا (لوقا ٢٤: ٣١)، وينزل الروح القدس ليعطي فهمًا لم تستطع أربع سنوات من المرافقة المباشرة أن تمنحه. فيسوع هنا ليس فقط من يكشف عمى قلوبنا، بل هو نفسه الطبيب الذي سيشفيه، بدمه وقيامته وروحه.

## التطبيق

اسمح لي أن أكون صريحًا معك: هذه الآية موجعة لأنها لا تتحدث عن أعداء يسوع، بل عن أقرب الناس إليه. أنت أيضًا، ربما، رأيت الله يعمل في حياتك مرة، ومرتين، وثلاثًا — وما زلت تقلق كأنه لم يفعل شيئًا. أعطاك خبزًا حين لم يكن لديك شيء، وها أنت اليوم قلق على رغيفٍ آخر وكأن التاريخ لم يحدث.
هذا هو المرض الذي يشخّصه يسوع: ليس نقص المعلومات، بل نقص الذاكرة. أنت لا تحتاج معجزةً جديدة بقدر ما تحتاج أن تتذكّر المعجزات القديمة. اسأل نفسك بصدق: متى آخر مرة جلستَ فعلًا واستعرضت أمانة الله في حياتك، لا لتشعر بالراحة العابرة، بل لتبني عليها إيمانك لتحدي اليوم؟
الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك ليس معرفةً إضافية، بل انضباطًا في التذكّر: أن تُوقف نفسك في لحظة القلق وتقول "انتظر، ألم يفعل الله كذا وكذا من قبل؟" هذا يكلّف جهدًا، لأن القلق أسهل من التذكّر المتعمَّد، والنسيان أريح من محاسبة النفس. لكن يسوع لا يوبّخك ليخجلك، بل ليوقظك. هو لا يقول "أنتم أغبياء" بل "لماذا تنامون وأنتم في حضرة من يستطيع أن يفتح عيونكم الآن؟" فاطلب منه اليوم، بصدقٍ، أن يفتح عينيك، لا لترى معجزةً جديدة، بل لترى ما فعله بالفعل.

## نقاط للصلاة

- يا رب، افتح عينيّ لأرى ما فعلتَه بالفعل في حياتي، لا فقط ما أنتظره منك.
- أعترف أني كثيرًا ما أنسى أمانتك السابقة وأقلق كأنك لم تعمل شيئًا من قبل.
- امنحني ذاكرةً روحية أمينة، تربط بين معجزات الأمس وتحديات اليوم.
- اشفِ قلبي من القساوة التي تسمع كلامك ولا تدعه يتغلغل فيّ.
- علّمني أن أتوقف في لحظة الخوف وأتذكّر من أنت، لا فقط ما أحتاجه.

## تأمّلات

- متى كانت آخر مرة قلقتَ فيها بشدة رغم أن الله أثبت أمانته لك في موقفٍ مشابه سابقًا؟
- ما هي "معجزة الخبز" في حياتك — الأمر الذي فعله الله ونسيتَه بسرعة؟
- هل هناك فرقٌ بين معرفتك عن الله (المعلومات) وذاكرتك الحيّة معه (الخبرة المتراكمة)؟ أيهما أقوى عندك؟
- لو سألك يسوع الآن مباشرة "ألك عينان ولا تبصر؟"، بأي موقفٍ محدد في حياتك كنت ستشعر بالحرج؟
- ما هي عادةٌ عملية واحدة يمكنك أن تبدأها هذا الأسبوع لتُدرّب نفسك على تذكّر أعمال الله؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:41:8:18
