# متى ١٨:٣ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> وَقَالَ:«اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.

## ما معناها

تلاميذ يسوع يسألونه سؤالًا يكشف ما في قلوبهم: "من هو أعظم في ملكوت السماوات؟" (متى ١٨:١). يريدون معرفة ترتيب المراكز، من سيجلس أقرب إلى العرش. فبدل أن يجيبهم بجدول تراتبي، يستدعي يسوع طفلًا صغيرًا، يُوقفه في وسطهم، ثم يقول هذه الكلمة الصادمة: "الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات". لاحظ حدّة الكلام: هذا ليس شرطًا للتفوق في الملكوت، بل شرطٌ للدخول أصلًا. السؤال لم يكن "من الأعظم؟" بل صار "هل ستدخلون أصلًا؟"

الأمر الظاهر هو أن يسوع يطلب التواضع، لأن الآية التالية مباشرة تفسّر: "فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم في ملكوت السماوات" (متى ١٨:٤). لكن الذي يسهل تفويته هو أن الطفل في ذلك العصر لم يكن رمزًا للبراءة أو النقاء الأخلاقي كما نتخيل اليوم، بل كان رمزًا لانعدام المكانة والسلطة والقيمة الاجتماعية. الطفل لا صوت له في المجتمع، لا يملك شيئًا يدّعيه، لا إنجاز يفتخر به. فالمطلوب ليس "أن تكون بريئًا كالطفل" بل أن "ترجع" - أي تنقلب انقلابًا كاملًا عن طريق آخر، طريق الطموح والتفاخر والحرص على المكانة [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale).

هنا الكنائس المختلفة تقرأ الآية بتناغم كبير: الجميع يتفقون أن المقصود هو التواضع لا "الطفولة" الحرفية. لكن بعض الشراح، خصوصًا في التقليد الإصلاحي، يرون في "ترجعوا" صدًى لدعوة التوبة الشاملة عن كل نظرة دنيوية للملكوت وللعظمة [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). هذه الآية تقف في قلب خطابٍ طويل عن الحياة في الجماعة (متى ١٨)، بين مَثَل الخروف الضال والتعليم عن الغفران - فالتواضع هنا ليس فضيلة منعزلة، بل هو الباب الذي يفتح كل ما يليه من علاقات سليمة داخل الكنيسة.

## السياق التاريخي

كتب متّى إنجيله على الأرجح بين سنة ٦٠ و٨٥م، لجماعة من المسيحيين ذوي خلفية يهودية، يعيشون في مرحلة انتقالية صعبة: الهيكل في أورشليم إما أوشك على السقوط أو سقط فعلًا (سنة ٧٠م)، والانفصال بين أتباع يسوع والمجمع اليهودي كان يتعمّق يومًا بعد يوم. جماعة متّى كانت تحتاج أن تفهم: من نحن الآن؟ وكيف نعيش معًا كجسد واحد وسط عالمٍ يرفضنا؟

المشهد نفسه - تلاميذ يتجادلون حول من الأعظم - ليس غريبًا في سياقهم الثقافي. المجتمع اليهودي في القرن الأول، مثل أغلب المجتمعات القديمة، كان مبنيًا على تراتبية صارمة: الشرف والمكانة كانا عملة اجتماعية حقيقية، يُتنافس عليها في كل مكان - في المجالس، في الولائم، حتى بين تلاميذ المعلم الواحد. أن يسأل التلاميذ "من الأعظم؟" لم يكن سؤالًا ساذجًا، بل انعكاسًا طبيعيًا لثقافة كاملة تُقيّم الإنسان بموقعه لا بجوهره.

والطفل في ذلك المجتمع لم يكن محل تقدير عاطفي كما هو اليوم. الأطفال كانوا في أسفل السلّم الاجتماعي تمامًا: بلا حقوق قانونية، بلا صوت في القرار، يعتمدون كليًا على غيرهم للبقاء على قيد الحياة. حين اختار يسوع طفلًا - ربما طفلًا صغيرًا جدًا، لا مراهقًا - ووضعه "في وسطهم" (متى ١٨:٢)، كان هذا فعلًا صادمًا بصريًا لمن يشاهده: كأنه يقول "هذا الذي لا شيء له، هذا هو نموذجكم".

هذا السياق يفسّر أيضًا لماذا كررت الأناجيل هذا الدرس أكثر من مرة (قارن متى ١٩:١٤، حيث يُدافع يسوع عن الأطفال أمام تلاميذه الذين يمنعونهم). كانت رسالة تحتاج تكرارًا لأنها تصطدم مباشرة مع غريزة إنسانية عميقة: الرغبة في أن نكون "شيئًا مذكورًا". جماعة متّى، وهي تُقرأ هذا النص، كانت تتعلم كيف تبني كنيسة لا تُقاس فيها القيمة بالمكانة، في عالمٍ كل ما حولهم يصرخ بعكس ذلك.

## اللغة الأصلية

الفعل الذي يحمل ثِقل الآية هو **στρέφω** (stréphō، G4762)، والذي تُرجم "ترجعوا". معناه الأصلي هو "أن تلتفّ، أن تدور بالكامل حول نفسك" - كأنك تسير في اتجاه، ثم تستدير ١٨٠ درجة وتمشي في الاتجاه المعاكس تمامًا. هذه ليست تعديلًا بسيطًا في السلوك، بل انقلاب كامل في الاتجاه. التلاميذ كانوا يسيرون نحو العظمة والمكانة؛ يسوع يطلب منهم أن يستديروا كليًا، لا أن يخففوا سرعتهم فقط.

ثم يأتي **γίνομαι** (gínomai، G1096)، "تصيروا"، وهو فعل يعني "أن تصبح، أن تتولّد فيك حالة جديدة". ليس المطلوب أن "تتظاهروا" بالتواضع أو "تتصرفوا" كالأطفال في مناسبة، بل أن يحدث فيك تحوّل جوهري تصير به على تلك الحال فعلًا.

وكلمة **παιδίον** (paidíon، G3813) تعني تحديدًا طفلًا صغيرًا - رضيعًا أو في مقتبل عمره - لا مراهقًا ولا فتى. الكلمة تحمل في جذرها فكرة الصغر والضعف والاعتماد الكامل على الآخرين [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا يقوّي القراءة أن المقصود هو انعدام المكانة والقدرة الذاتية، لا "البراءة" بالمعنى الأخلاقي.

وأخيرًا، افتتاحية الآية "الحق أقول لكم" تترجم **ἀμήν λέγω ὑμῖν**، حيث ἀμήν (amḗn، G281) كلمة عبرية الأصل (H543) تعني "ثابت، موثوق، فليكن كذلك". يسوع يستخدمها ليعطي كلامه وزن القسم الإلهي - إشارة إلى أن ما سيقوله ليس رأيًا قابلًا للنقاش، بل حقيقة يجب أن تُبنى عليها الحياة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وأداة النفي المضاعفة **οὐ μή** (ou mḗ، G3364) في "فلن تدخلوا" هي أقوى صيغة نفي في اليونانية - نفيٌ قاطع لا مجال فيه لاستثناء.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تكشف طريقة عمل ملكوت الله بأكمله، وهي طريقة صار المسيح نفسه أوضح صورة لها. فكّر: من هو الذي "استدار" الاستدارة الكاملة، من العرش السماوي إلى مذود بيت لحم؟ بولس يصف هذا بدقة في فيلبي ٢:٦-٧: المسيح، إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله، بل أخلى نفسه، آخذًا صورة عبد. المسيح نفسه فعل ما يطلبه من تلاميذه هنا: نزل من المكانة إلى انعدامها، من العظمة إلى وضعِ الطفل، بل أدنى منه - إلى وضع العبد المصلوب.

فحين يقول يسوع "إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا"، هو لا يطلب فقط سلوكًا، بل يدعو تلاميذه لأن يسلكوا الطريق الذي هو سالكه أمامهم فعلًا. الملكوت لا يُدخل إليه بالتسلّق، بل بالنزول - وهذا هو بالضبط شكل حياة المسيح نفسها من التجسد إلى الصليب.

ثم لاحظ الصدى القوي مع حديث يسوع مع نيقوديموس في يوحنا ٣:٣ و٣:٥: "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله... إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله". الكلمة اليونانية نفسها تقريبًا تتكرر: الحاجة إلى ولادة جديدة، إلى بداية من الصفر، إلى أن تصير مثل من لا شيء لديه ليقدّمه سوى الاعتماد الكامل. الطفل لا يدخل الحياة بإنجازاته، بل بالعطية المحضة من غيره. وهذا بالضبط ما يفعله المسيح: يجعلنا أولادًا لله، لا بجهدنا، بل بولادة من فوق (يوحنا ١:١٢-١٣).

فالآية ليست نبوءة مباشرة تتحقق في المسيح، لكنها صورة تجد كمالها فيه: هو الطريق الذي صار به الرجوع والصيرورة كالأطفال ممكنًا أصلًا، لأنه هو من فتح الباب أمام كل من يأتي إليه بيدين فارغتين.

## التطبيق

اسألك سؤالًا مباشرًا: متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالحاجة إلى إثبات نفسك؟ في العمل، في العائلة، حتى في الكنيسة - في خدمتك، في معرفتك الكتابية، في "روحانيتك"؟ نحن، مثل التلاميذ تمامًا، نحمل هذا السؤال الخفي في كل مكان: من الأعظم هنا؟ وأين موقعي أنا؟

يسوع لا يجيب بأن يخفف من حدة السؤال، بل يقلبه رأسًا على عقب. يضع أمامنا طفلًا - لا شيء له، لا سلطة، لا إنجاز - ويقول: هذا هو النموذج. ليس لأن الطفولة فضيلة أخلاقية، بل لأن الطفل لا يملك شيئًا يتّكئ عليه سوى ثقته بمن يحمله ويطعمه ويحبه. هذا هو بالضبط ما يطلبه الله منك: أن تأتي إليه بيدين فارغتين، لا بقائمة إنجازاتك الروحية، ولا بعمرك في الإيمان، ولا بمعرفتك اللاهوتية.

الثمن هنا واضح وصعب: عليك أن تتخلى عن كل مصدر فخر تستند إليه أمام الله وأمام الناس. أن تقبل أنك، أمام الله، لست "شخصًا مهمًّا يستحق مكانًا مرموقًا"، بل طفل يعتمد كليًا على نعمة لا يستحقها. هذا يؤلم الكبرياء، لأن الكبرياء يريد أن يُرى، أن يُقدَّر، أن يحتل مكانًا. لكن يسوع يقول: الطريق إلى الداخل يمر عبر الأسفل، لا الأعلى.

فاسأل نفسك اليوم بصدق: أين تحاول أن "تدخل" الملكوت بجهدك، بمكانتك، بإنجازك؟ وهل أنت مستعدّ أن "ترجع" - أن تستدير كليًا - وتأتي كطفل، لا يملك شيئًا سوى ثقته بأبيه؟ هذه ليست دعوة إلى إذلال الذات، بل إلى راحة عميقة: الطفل لا يحمل هَمّ إثبات نفسه، لأنه يعرف أنه محبوب دون أن يستحق. هذه هي الحرية التي يعرضها عليك يسوع اليوم.

## نقاط للصلاة

- يا رب، اكشف لي أين أحاول أن أثبت مكانتي أو قيمتي أمامك أو أمام الناس، وساعدني أن أتخلى عن ذلك.
- أعطني نعمة "الرجوع" الحقيقي - أن أستدير كليًا عن كبريائي، لا أن أخفف منه فقط.
- علّمني أن أثق بك كما يثق الطفل بمن يحمله، دون أن أحمل همّ إثبات نفسي.
- اجعلني أرى الآخرين، خصوصًا الأصغر شأنًا والأقل مكانة، كما تراهم أنت في ملكوتك.
- شكرًا لأنك أنت نفسك نزلت واستدرت من العرش إلى الصليب لتفتح لي الباب.

## تأمّلات

- ما هي "المكانة" التي أتشبث بها اليوم، سواء في عملي أو عائلتي أو حياتي الروحية، والتي قد تكون عائقًا أمام تواضع حقيقي؟
- هل أرى التواضع كضعف يجب تجنّبه، أم كباب يفتحه الله أمامي؟
- متى آخر مرة جئت فيها إلى الله بيدين فارغتين حقًّا، دون أن أحاول تقديم شيء يبرر قبوله لي؟
- كيف أتعامل مع من هم "بلا مكانة" في نظري - هل أراهم كما يريدني يسوع أن أراهم؟
- ما الذي يعنيه بالنسبة لي أن "أرجع" كليًا، لا أن أعدّل قليلًا في سلوكي فقط؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:40:18:3
