# ناحوم ٣:١١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَنْتِ أَيْضًا تَسْكَرِينَ. تَكُونِينَ خَافِيَةً. أَنْتِ أَيْضًا تَطْلُبِينَ حِصْنًا بِسَبَبِ الْعَدُوِّ.

## ما معناها

اقرأ الآية ببطء: الله يتكلم إلى نينوى، ويخاطبها كامرأة. "أنتِ أيضًا تسكرين" — أي أن دورها قد جاء. قبل هذه الآية مباشرة، تكلّم ناحوم عن مدينة "نو" (طيبة المصرية العظيمة) التي سقطت رغم قوتها وحلفائها (ناحوم ٣:٨-١٠). والآن يقول لنينوى: كما سقطت هي، ستسقطين أنتِ. "أنتِ أيضًا" تتكرر مرتين في الآية، وهذا التكرار مقصود: لستِ استثناءً، ولا فوق القانون الذي أذلّ غيرك.

الظاهر الجليّ: نينوى ستُسكَر، وستُخفى أو تختفي، وستبحث عن حصنٍ تحتمي به من عدوها. لكن ما يسهل تفويته هو أن "السُّكْر" هنا ليس سُكْر خمرٍ حقيقي، بل صورة توراتية معروفة لسُكْر الغضب الإلهي — كأسٌ يسقيها الله نفسه فتفقد اتزانها وتترنّح كالمخمور الذي لا يعرف أين يقف [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). وأما "تكونين خافية"، ففيها معنيان محتملان تفرّق فيهما المفسرون: البعض فهمها بمعنى "تختبئين" هربًا من العدو، والبعض الآخر فهمها بمعنى أعمق: "تُمحين حتى كأنكِ لم تكوني" — أي الزوال التام، لا مجرد الاختباء [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). وهذا المعنى الثاني هو الأقرب فعلًا لما حدث لنينوى تاريخيًا: اندثرت حتى نُسي مكانها قرونًا.

أما "تطلبين حصنًا بسبب العدو"، فالمفارقة هنا مُرّة: المدينة التي كانت هي العدو الذي يُخيف الجميع، أصبحت هي الطالبة للملجأ. هذه الآية تقع في ذروة نبوءة ناحوم كلها: سِفرٌ واحد الهدف منه أن يقول لشعب الله المسحوق تحت نير أشور: الظالم لن يفلت، مهما بدا عاليًا.

## السياق التاريخي

كتب ناحوم نبوءته على الأرجح بين سنة ٦٦٣ ق.م (وهي السنة التي سقطت فيها مدينة طيبة المصرية "نو" التي يذكرها قبل آيتنا مباشرة) وسنة ٦١٢ ق.م (وهي السنة التي سقطت فيها نينوى فعلًا). فهو يكتب في نافذة زمنية قصيرة، على الأرجح في العقد الأخير قبل سقوط نينوى، حين كانت أشور لا تزال تبدو قوة لا تُقهر.

ولكي تفهم ثقل هذه الكلمات، تخيّل نينوى كما كانت: عاصمة إمبراطورية أشور، أعظم قوة عسكرية عرفها العالم القديم آنذاك. أسوارها ضخمة، وجيوشها اجتاحت الممالك، وسبت مملكة إسرائيل الشمالية سنة ٧٢١ ق.م، وهدّدت يهوذا نفسها في أيام حزقيا. كانت أشور تُعرف بوحشيتها في الحرب — تسلخ الأسرى أحياءً، وتكوّم الجماجم، وتفتخر بذلك في نقوشها الحجرية. شعب الله عاش تحت رعب هذا الاسم لأكثر من قرن.

وناحوم يكتب لشعب يهوذا المرعوب، ليقول لهم: هذه القوة التي تظنونها أبدية، لها نهاية، والله هو من يكتبها. المثال الذي يستخدمه في الآية السابقة مباشرة (ناحوم ٣:٨-١٠) حقيقي وقريب زمنيًا: مدينة "نو أمون" (طيبة) في مصر، كانت هي الأخرى تُحسب حصينة، محاطة بالنيل كأنه سور مائي، ولها حلفاء أقوياء (فوط ولوبيم)، ومع ذلك سقطت وسُبي أطفالها وقُتل عظماؤها بالقيد. فناحوم يقول لنينوى: أنتِ لستِ أفضل من طيبة، وسيصيبكِ ما أصابها. وفعلًا، سنة ٦١٢ ق.م، تحالف الميديون والبابليون وحاصروا نينوى وأسقطوها إسقاطًا كاملًا، حتى اندثرت آثارها وجُهل مكانها قرونًا طويلة، ولم تُكتشف إلا في القرن التاسع عشر.

## اللغة الأصلية

الفعل الأول "تسكرين" هو شָׁכַר (shâkar)، رقم سترونغ H7937، ومعناه الأصلي أن يصير الإنسان ثملًا، غير متزن، تحت تأثير شرابٍ مسكر [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذه ليست صورة عرضية في الكتاب المقدس؛ هي صورة ثابتة لغضب الله الذي يُسقى للأمم كأسًا لا يستطيعون ردّها، فيترنّحون ويفقدون القدرة على الدفاع عن أنفسهم أو حتى على التفكير السليم.

الفعل الثاني عָלַם (ʻâlam)، رقم H5956، معناه أن يُحجَب الشيء عن النظر، أن يُخفى أو يُستَر [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وهنا يقف المفسرون على مفترق طريقين: البعض يرى أن نينوى "ستختبئ" هربًا من عدوها كمن يتوارى خجلًا أو خوفًا، والبعض الآخر يرى أن المعنى أعمق: أن تُمحى حتى تصير "كأنها لم تكن" — وهذا استعمال معروف للكلمة العبرية في مواضع أخرى من الكتاب [Keil-Delitzsch Old Testament Commentary](cite://s?id=keil-delitzsch). الفرق بين المعنيين ليس صغيرًا: الأول يصف حالة مؤقتة من الاختباء، والثاني يصف زوالًا نهائيًا لا رجعة فيه.

الفعل الثالث בָּקַשׁ (bâqash)، رقم H1245، يعني أن تبحث بجدّ عن شيء، أن تسعى وراءه بإلحاح، وأحيانًا يُستعمل في سياق الصلاة والتضرّع [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). المفارقة أن هذا الفعل نفسه يُستعمل عادة لمن يطلب الله، لكن هنا نينوى تطلب لا الله بل "מָעוֹז" (mâʻôwz)، رقم H4581، وهي كلمة تعني حصنًا أو مكانًا محصّنًا، أو مجازًا: ملجأً وقوة دفاعية [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). وهذا الحصن تطلبه بسبب "אֹיֵב" (ʼôyêb)، رقم H341، أي الخصم أو العدو المبغِض [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فالصورة الكاملة: أمة كانت هي مصدر الرعب، أصبحت تتخبّط سكرى، تُمحى من الوجود، وتبحث يائسة عن حصنٍ لا تجده.

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية ليست نبوءة مباشرة عن المسيح، لكنها تحمل صدى يمتد حتى صليبه وحتى نهاية الدهر. صورة "كأس السُّكْر" التي تُسقى لنينوى هنا هي نفسها صورة كأس غضب الله التي نجدها في إشعياء ٥١:١٧ و٢١، والمزمور ٧٥:٨ حيث "في يد الرب كأسٌ... يشربه كل أشرار الأرض". وهذه الكأس بالذات هي التي طلب يسوع في بستان جثسيماني أن تعبر عنه: "يا أبتاه، إن أمكن، فلتعبر عني هذه الكأس" (متى ٢٦:٣٩). فالمسيح، البريء تمامًا، شرب الكأس التي كان يستحقها الأشرار مثل نينوى، لكي لا نشربها نحن.

وصورة أخرى تربط الآية بالمسيح: طلب الاختباء من هيبة الدينونة. فحين تقول الآية إن نينوى "تكونين خافية" أو تسعى إلى الاختباء، نجد صدى واضحًا في إشعياء ٢:١٠ و١٩ حيث يدخل الناس "في مغاير الصخور... من أمام هيبة الرب"، وهذا بالذات ما يقتبسه سفر الرؤيا ٦:١٦ حين يصرخ أهل الأرض للجبال والصخور: "اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش وعن غضب الخروف". ويسوع نفسه، وهو حاملٌ صليبه إلى الجلجثة، يستعير هذه اللغة بالذات محذّرًا أورشليم: "حينئذ يبتدئون يقولون للجبال: اسقطي علينا! وللآكام: غطّينا!" (لوقا ٢٣:٣٠). فالمسيح يرى في مصير نينوى صورة مسبقة لكل مدينة ونفس ترفض التوبة وتظل متكلة على حصونها الخاصة بدل أن تطلب الملجأ الحقيقي.

فالمفارقة الكبرى أن نينوى طلبت حصنًا (מָעוֹז) ولم تجده، بينما يسوع نفسه يُدعى في الكتاب "حصننا" و"ملجأنا" — الحصن الوحيد الذي لا يسقط أمام أي عدو، ولا حتى أمام الموت نفسه.

## التطبيق

اقرأ هذه الآية وفكّر: نينوى كانت تشعر بالأمان التام. أسوارها عالية، جيوشها لا تُقهر، تاريخها من الانتصارات طويل. ومع ذلك، جاءت اللحظة التي لم تجد فيها حصنًا. كم من مرة تعيش أنت أيضًا بشعورٍ زائف بالأمان — تتكئ على مالك، على صحتك، على علاقاتك، على مكانتك — وتظن أن هذه الأشياء لن تهتز أبدًا؟

هذه الآية لا تتكلم عن نينوى فقط؛ إنها تفضح منطقًا يعيشه كل قلب بشري: أن نبني حصوننا الخاصة، ونظن أنها تكفينا يوم الحساب. لكن يومًا ما، كل حصنٍ بنيته بيدك سيهتز، وستجد نفسك تبحث — كنينوى تمامًا — عن ملجأ، وربما لا تجده لأنك بحثت في المكان الخطأ طوال حياتك.

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم واضح وصعب: أن تعترف أن حصونك ليست أبدية، وأن تتوقف عن الاتكال عليها الآن، لا حين ينهار كل شيء. التوبة الحقيقية ليست أن تنتظر السقوط لتصرخ، بل أن تعترف الآن، وأنت لا تزال واقفًا، بأن الحصن الوحيد الذي لا يسقط هو الله نفسه، لا أسوارك ولا جيوشك ولا إنجازاتك.

وهناك دهشة مريرة أيضًا في هذه الآية: الله لا يتغاضى عن الظلم مهما طال أمده. نينوى استعبدت الشعوب لأجيال وظنت أنها أفلتت. لكن الله كتب لها موعدًا. فإذا كنت تحمل ظلامة، أو تتألم من ظالمٍ يبدو أنه ينتصر دائمًا، فهذه الآية تقول لك: الله يرى، والحساب آتٍ، حتى لو تأخر.

## نقاط للصلاة

- يا رب، اغفر لي كل مرة اتكلت فيها على حصوني الخاصة بدلًا من أن ألجأ إليك.
- أعطني قلبًا صادقًا يرى ضعف كل ما أبنيه بيدي، قبل أن يهتز فجأة.
- كن أنت حصني الحقيقي اليوم، لا بعد أن تسقط كل حصوني الأخرى.
- يا رب، أنا أثق أنك ترى الظلم الذي أتألم منه، وأن حسابك آتٍ ولو تأخر.
- علّمني أن أخاف هيبتك خوفًا يقودني إليك، لا خوفًا يدفعني للاختباء منك.

## تأمّلات

- ما هي "الحصون" التي أبنيها في حياتي وأظن أنها لن تهتز أبدًا؟
- هل سبق أن شعرت بأمانٍ زائف مبني على قوتي أو إنجازاتي أو علاقاتي، ثم اكتشفت هشاشته؟
- حين أفكر في نهاية نينوى، هل أرى فيها تحذيرًا لي، أم أراها قصة بعيدة لا تخصني؟
- هل أنا اليوم في موقع الظالم الواثق من قوته، أم في موقع المظلوم الذي ينتظر عدل الله؟
- لو سقط كل ما أتكل عليه غدًا، هل سأجد فعلًا ملجأً حقيقيًا، أم سأبحث كنينوى ولا أجد؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:34:3:11
