# خروج ٤:١١ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ؟

## ما معناها

اقرأ الآية مرة ثانية بتمهّل: موسى للتوّ اعترض على الله قائلًا "أنا ثقيل الفم واللسان" (خروج ٤:١٠)، فجاء ردّ الله سؤالًا لا يحتمل إلا جوابًا واحدًا: "من صنع للإنسان فمًا؟". هذا ليس سؤالًا يطلب معلومة، بل سؤالٌ يكشف حقيقة. الله لا ينكر عيب موسى في الكلام، بل يضعه في مكانه الصحيح: أنت تتكلّم عن عيبٍ في فمك، وأنا صانع الأفواه كلّها!

والملاحظة التي يسهل تفويتها هي أن الله لا يتوقّف عند "من يصنع الفم" بل يذهب أبعد: "من يصنع أخرس أو أصمّ أو بصيرًا أو أعمى؟". هذا توسيع مقصود ومزعج بعض الشيء: الله لا يقول فقط إنه يقدر أن يشفي العيوب، بل يعلن أن العيوب نفسها — الخرس والصمم والعمى — تقع تحت سيادته أيضًا. هذه نقطة لاهوتية ثقيلة اختلف حولها المفسرون عبر التاريخ: هل يعني هذا أن الله "يسبّب" كل إعاقة مباشرة، أم أنه يتكلّم عن سيادته العامة على عالمٍ سقط فيه كل شيء بما في ذلك الجسد البشري؟ التقليد الأرثوذكسي والكاثوليكي غالبًا يميلان إلى قراءة هذا كإعلانٍ عن العناية الإلهية الشاملة لا عن سببيّة مباشرة لكل ألم؛ بينما بعض القراءات البروتستانتية الإصلاحية (الكالفينية بالذات) تأخذ الآية على ظاهرها: سيادة الله المطلقة تشمل حتى ما نعدّه نقصًا [Tyndale Open Study Notes](cite://s?id=tyndale). لكن الكل يتفق على الجوهر: لا شيء يفلت من يد الله، ولا حتى فم موسى المتلعثم.

هذه الآية تقع في قلب مشهد التكليف عند العلّيقة المشتعلة (خروج ٣-٤)، حيث يعطي الله موسى مهمة تبدو مستحيلة، وموسى يقدّم اعتراضًا بعد اعتراض. هذا هو الاعتراض الرابع، وردّ الله عليه ليس إثباتًا فلسفيًا بل تذكيرًا شخصيًا: أنا الذي صنعتك، فلماذا تخاف من عيبٍ أنا واضعه؟

## السياق التاريخي

نحن في مصر، على الأرجح حوالي القرن الثالث عشر أو الخامس عشر قبل الميلاد (العلماء مختلفون في تحديد فترة الخروج بدقة، لكن المدى المعقول يقع بين ١٤٤٦ و١٢٥٠ ق.م تقريبًا). موسى رجلٌ في الثمانين من عمره تقريبًا، عاش أربعين سنة أميرًا في بلاط فرعون، ثم أربعين سنة أخرى راعيًا هاربًا في برية مديان بعدما قتل مصريًّا وهرب من الانتقام. الآن هو واقفٌ أمام عليقة تشتعل بالنار ولا تحترق، والله يكلّمه مباشرة، ويطلب منه أن يعود إلى القصر الذي هرب منه، ليواجه أعظم إمبراطورية في العالم القديم، ويطلب من فرعون أن يحرّر عبيده الاقتصاديين.

مصر في ذلك الزمن كانت قوة عظمى، تعتمد اقتصاديًّا على السخرة، والعبرانيون كانوا طبقة عاملة مُستعبدة تُستخدم في البناء والطوب واللبِن (خروج ١:١١-١٤). فرعون لم يكن مجرد ملك، بل كان يُعتبر إلهًا حيًّا في الديانة المصرية. فموسى مطلوبٌ منه أن يقف أمام "إلهٍ" أرضي ويقول له: "أطلق شعبي" — وهو نفسه يعترف بأنه "ثقيل الفم واللسان" (خروج ٤:١٠)، ربما كان يعاني تلعثمًا حقيقيًّا، أو ضعفًا في الفصاحة بعد أربعين سنة بعيدًا عن القصر ولغة السياسة، أو حتى نسيانًا للغة المصرية بعد عيشه الطويل بين الرعاة المديانيين.

سفر الخروج بأكمله كُتب ليُخبر شعبَ إسرائيل، جيلًا بعد جيل، بقصة كيف انتقلوا من عبيدٍ إلى شعبٍ محرَّر يعبد الله الحيّ. هذا المشهد بالذات — تكليف موسى واعتراضاته المتكررة — يخدم غرضًا لاهوتيًّا واضحًا: يُظهر أن الخروج لم يكن مشروع موسى، بل مشروع الله. موسى ليس بطلًا بالفطرة، بل رجلٌ متردّد، خائف، يشعر بالعجز أمام الكلام؛ والله هو من يصنع القوة من الضعف. هذا موضوع سيتكرر لاحقًا مع إرميا الذي قال "إني ولدٌ لا أعرف أن أتكلم" (إرميا ١:٦)، وهي صدى واضح لهذا المشهد بالذات.

## اللغة الأصلية

الكلمة المحورية هنا هي اسم الله نفسه: **יְהֹוָה** (Yᵉhôvâh)، H3068، الاسم الذي يعني "الكائن الأزلي" أو "الذي يكون"، المشتقّ من فعل الوجود ذاته [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). حين يقول الله "أما هو أنا الرب؟" فهو لا يقدّم نفسه كإلهٍ من ضمن آلهة، بل كمصدر الوجود نفسه — الذي كان، والكائن، والذي يأتي. هذا هو الاسم الذي أعلنه لموسى للتوّ عند العليقة (خروج ٣:١٤)، فحين يعود ويستخدمه هنا، فكأنه يقول: "أنت للتوّ عرفت من أنا، فكيف تشكّ في قدرتي على فمك؟".

ثم هناك كلمة **פֶּה** (peh)، H6310، وتعني "الفم"، وأصلها مرتبط بمعنى الحافة أو الجانب، لكنها هنا تشير إلى عضو الكلام تحديدًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). الله لا يقول "من علّم الإنسان الكلام" بل "من صنع الفم" — أي أن الأمر أعمق من مهارة يمكن تعلّمها، إنه تكوينٌ جسديّ صنعه الله بيده.

والكلمات الأربع التي تصف الحالات — **אִלֵּם** (ʼillêm) H483 "أخرس"، و**חֵרֵשׁ** (chêrêsh) H2795 "أصمّ"، و**פִּקֵּחַ** (piqqêach) H6493 "بصير" أو حرفيًّا "واضح البصر، ذكي"، و**עִוֵּר** (ʻivvêr) H5787 "أعمى" — تشكّل معًا أربعة أزواج متضادة تغطي طرفي الطيف: القدرة والعجز [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). اللافت أن الله يذكر الحالتين معًا في كل زوج (الأخرس مقابل الفصيح ضمنًا، الأصمّ مقابل السميع، البصير مقابل الأعمى) — وكأنه يقول: أنا لا أتحكم فقط بمن يملك القدرة، بل أيضًا بمن يفتقر إليها. وفعل **שׂוּם** (sûwm) H7760 "يصنع/يضع" يتكرر ليؤكد أن هذا كله فعلٌ إلهيّ مقصود، لا صدفة أو خللٌ عشوائي في الطبيعة [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs).

## كيف تشير إلى المسيح

هذه الآية تفتح بابًا لاهوتيًّا عظيمًا يصل ذروته في المسيح: الله الذي صنع الفم هو نفسه الذي "صار جسدًا وحلّ بيننا" (يوحنا ١:١٤) — أي أن صانع الكلام صار هو الكلمة المتجسّدة. الابن الذي هو "كلمة الله" (يوحنا ١:١) لم يستنكف أن يأخذ جسدًا بشريًّا بكل حدوده، بفمٍ بشريّ يتكلّم به، ويدين بشريتين تعملان، وعينين بشريتين تبصران — هو نفسه الذي صنع كل هذه الأعضاء منذ البدء.

والأهمّ من ذلك: المسيح في خدمته الأرضية كان يمارس بالضبط ما تعلنه هذه الآية عن سيادة الله: فتح أعين العميان (يوحنا ٩)، وأنطق الأخرس، وأسمع الأصمّ، وحلّ لسان الأبكم (مرقس ٧:٣٢-٣٥). حين شفى الأخرس والأصمّ، لم يكن يفعل شيئًا خارج نطاق سلطان الآب، بل كان يُظهر بجسده أن ذات القدرة التي أعلنها الله لموسى في هذه الآية — "من يصنع أخرس أو أصمّ" — هي القدرة عينها الساكنة فيه هو (يوحنا ١٠:٣٠). إشعياء تنبأ بهذا بدقة: "لتُفتح عيون العُمي" (إشعياء ٤٢:٧)، وهي نبوءة عن خادم الرب الذي يتمّمها المسيح.

وهناك خيطٌ آخر أعمق: كما أعطى الله موسى موعدًا "أنا أكون مع فمك وأعلّمك ما تتكلم به" (خروج ٤:١٢)، كذلك يعد المسيح تلاميذه أن الروح القدس سيعطيهم ما يقولونه في الساعة الحرجة (متى ١٠:١٩-٢٠). القدرة التي تسند فم موسى الضعيف هي نفسها التي تسند كل خادمٍ ضعيف يُرسله الله، لأن المرسِل واحد، والروح واحد.

## التطبيق

تعال نتوقف عند اللحظة التي قالها موسى قبل هذه الآية مباشرة: "أنا ثقيل الفم واللسان". كم مرة قلتَ أنت شيئًا شبيهًا؟ "أنا لست بليغًا كفاية"، "أنا خجول"، "أنا لا أعرف كيف أتكلم عن إيماني"، "أنا لست مؤهّلًا". هذه ليست أعذارًا كاذبة دائمًا — أحيانًا هي حقيقة واقعة عن ضعفنا. لكن الله لا يجيب موسى بقوله "لا، أنت في الحقيقة فصيح جدًّا"، بل يجيبه بسؤالٍ يهزّ الأرض تحت قدميه: "من صنع للإنسان فمًا؟".

هذا يعني أن ضعفك ليس مفاجأة لله، ولا عائقًا أمامه. بل أكثر من ذلك: الله يستخدم عبارة "من يصنع أخرس أو أصمّ أو أعمى" ليقول إن حدودك، وربما حتى إعاقتك أو نقصك الذي تخجل منه، لم تفلت من يده. هذا ثقيل، أعرف. قد يكون لديك عيبٌ جسديّ، أو ضعفٌ نفسيّ، أو موهبةٌ ناقصة تشعر أنها تعيقك عن خدمة الله — والآية لا تقول لك "لا تقلق، سأزيله فورًا"، بل تقول "أنا الذي صنعتك هكذا، والآن اذهب، وسأكون مع فمك" [Adam Clarke Bible Commentary](cite://s?id=adam-clarke).

الثمن الذي تطلبه هذه الآية منك اليوم هو أن تتوقف عن استخدام ضعفك حجّةً للهروب من طاعة الله. موسى في النهاية ذهب — ليس لأن ضعفه زال، بل لأن الله وعده بحضوره. السؤال ليس "هل أنا مؤهّل؟" بل "هل الذي يرسلني قادرٌ؟". إن كنت تنتظر أن تصبح كاملًا قبل أن تخدم، أو فصيحًا قبل أن تشهد، أو قويًّا قبل أن تطيع — فأنت تنتظر شيئًا لم يطلبه الله منك أبدًا. اذهب بفمك الثقيل، فصاحب الفم يمشي معك.

## نقاط للصلاة

- يا رب، أعترف أنني كثيرًا ما أختبئ خلف ضعفي هربًا مما تطلبه مني، فسامحني على هذا الخوف المقنّع بالتواضع الكاذب.
- علّمني أن أرى في نقصي فرصةً لظهور قوتك، لا عذرًا للتقاعس عن طاعتك.
- أشكرك لأنك صانع كل عضوٍ فيّ، فمي وعيني وأذني، وأثق أن يدك لم ترفع عني حتى في مواضع ضعفي.
- كن أنت مع فمي كما كنت مع موسى، وعلّمني ماذا أقول حين أخاف الكلام عنك.
- امنحني إيمانًا يتحرك رغم الخوف، كما تحرك موسى نحو فرعون رغم تلعثمه.

## تأمّلات

- ما هو "العيب" أو الضعف الذي تستخدمه أكثر من غيره كعذرٍ أمام الله كي لا تطيعه؟
- هل تصدّق فعلًا أن الله الذي صنعك بكل حدودك قادر أن يستخدمك رغمها؟
- كيف تتغيّر نظرتك إلى ألمٍ أو نقصٍ تحمله في جسدك أو نفسك، إن آمنت أن الله لم يكن غائبًا عنه؟
- متى كانت آخر مرة طلب منك الله شيئًا يفوق طاقتك الظاهرة، فتراجعت بدل أن تثق بوعده بالحضور؟
- هل أنت مستعد أن تذهب "بفمك الثقيل" كما هو، دون أن تنتظر أن يزول الضعف أولًا؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:2:4:11
