# مراثي إرميا ٣:٢٥ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> طَيِّبٌ هُوَ الرَّبُّ لِلَّذِينَ يَتَرَجَّوْنَهُ، لِلنَّفْسِ الَّتِي تَطْلُبُهُ.

## ما معناها

انظر إلى بنية هذه الآية: "طيّبٌ هو الربّ" — جملةٌ تبدأ بصفةٍ عن الله، لا بشعورٍ عن الإنسان. هذا مهمّ. إرميا لا يقول "أشعر أن الله طيّب"، بل يُعلن حقيقةً ثابتة عن طبيعة الله نفسها، بصرف النظر عمّا يشعر به هو الآن. وهذا وسط سِفرٍ كامل من النَّحيب! فمَراثي إرميا هي بكاءٌ على مدينةٍ محروقة، هيكلٍ مهدوم، شعبٍ مسبيّ. الأصحاح الثالث بالذات يبدأ بأقسى الكلام: "أنا هو الرجل الذي رأى بلاءً" (مراثي ٣:١)، وصفٌ لله كأنه دبٌّ كامنٌ وأسدٌ في مخبأ (مراثي ٣:١٠). ثم، في وسط هذا الظلام تمامًا، تنبثق هذه الآية كخيطٍ من النور.

لاحظ أن الآية لا تقول "طيّبٌ هو الربّ للذين يشعرون بالراحة" بل "للذين يترجّونه" — أي الذين ينتظرونه في حالةٍ من عدم اليقين، وهم لا يزالون في العاصفة. الرجاء هنا ليس تفاؤلًا سطحيًّا، بل ثقةٌ صابرة وسط الألم [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). والشطر الثاني يوازي الأول بكلمةٍ أخرى: "للنفس التي تطلبه" — فالترجّي والطلب هما وجها عملةٍ واحدة، انتظارٌ وسعيٌ في آنٍ معًا.

هذه الآية تقع في قلب مقطعٍ صغيرٍ من الرجاء (مراثي ٣:٢١-٢٦) محاطٍ بحرٍّ من الألم من كل جانب. المفسّرون يلاحظون أن العبرية تكرّر كلمة "طيّب/جيّد" في بداية الآيات ٢٥ و٢٦ و٢٧، وهذا التكرار المتتالي يقوّي التأثير، كأن القلب يقول لنفسه الحقيقة نفسها ثلاث مرات حتى يصدّقها [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown). لا اختلاف كبير بين التقاليد المسيحية في فهم هذه الآية؛ الجميع يقرأها كدعوةٍ للثقة بالله وسط الضيق، وإن اختلفت التطبيقات الروحية بينهم قليلًا.

## السياق التاريخي

تخيّل رجلًا يقف على أنقاض مدينته. هذا هو إرميا. كتب هذا السِّفر بعد سقوط أورشليم سنة ٥٨٦ ق.م تقريبًا، حين هجم جيش بابل بقيادة نبوخذنصر، وحطّم أسوار المدينة، وأحرق الهيكل الذي بناه سليمان، وسحب معظم الشعب إلى السبي في بابل. هذا ليس حدثًا عابرًا في تاريخ إسرائيل — هذا هو أعظم كارثةٍ روحيةٍ ووطنية يمكن أن يتخيّلوها. الهيكل كان مكان حضور الله بينهم؛ فقدانه كان كفقدان معنى الوجود كله.

إرميا نفسه عاش هذا السقوط عن قرب. كان نبيًّا حذّر الشعب لعشرات السنين من أن هذا سيحدث إن لم يتوبوا، فلم يستمع إليه أحد، بل سُجن واحتُقر وأُلقي في جبٍّ (كما تروي سيرته في سِفر إرميا). والتقليد يقول إنه هو من كتب هذه المراثي، رغم أن السِّفر لا يذكر اسمه صريحًا [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). تخيّل الآن نبرة صوته: ليس نبرة منتصرٍ يقول "قلت لكم"، بل نبرة رجلٍ منكسرٍ يبكي مع شعبه، لا عليهم.

الناس الذين كتب لهم هذا السِّفر كانوا يعيشون في الأنقاض، أو مسحوبين إلى أرضٍ غريبة، يتساءلون: هل تركنا الله؟ هل انتهى العهد؟ هل ما زال يهوه — الاسم الذي يحمل معنى الوجود الأبديّ الثابت [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs) — يحبّنا بعد كل هذا الخراب؟ في هذا المناخ من اليأس الجماعي، وسط أصحاحٍ يصف الله كصيّادٍ يطارد فريسته، يخرج هذا الاعتراف المفاجئ بالرجاء. هذا ليس كلام إنسانٍ لم يتألم؛ هذا كلام إنسانٍ رأى الخراب بعينيه ومع ذلك يقول: الربّ طيّب. هذه هي قوة السِّفر: الرجاء لا يُقال من مكانٍ آمن، بل من وسط الرماد.

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى المهمّة هي **טוֹב** (ṭôwb، H2896)، وتعني "طيّب" أو "جيّد" بأوسع معانيها — ليس فقط أخلاقيًّا، بل بمعنى النفع والصلاح والجمال أيضًا [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). حين يقول إرميا إن الربّ "طيّب"، هو لا يصف مجرد شعورٍ لطيف، بل يصف جوهر طبيعة الله: كل ما هو صالحٌ وحسنٌ يجد منبعه فيه.

الكلمة الثانية هي **קָוָה** (qâvâh، H6960)، المترجمة "يترجّونه". أصل هذا الفعل مثيرٌ جدًّا: يعني حرفيًّا "أن يجدل أو يربط معًا" (كضفر الحبل)، ومن هذا المعنى الحسّيّ انتقل إلى معنى "أن يتوقّع أو يرجو" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). تخيّل حبلًا مضفورًا من خيوطٍ كثيرة تُشدّ معًا فتصبح قويّة — هذا هو الرجاء الحقيقيّ في الكتاب: ليس أمنيةً هشّة، بل ثقةٌ متماسكةٌ مبنيّة من خيوطٍ كثيرة من معرفة الله وأمانته السابقة.

الكلمة الثالثة هي **נֶפֶשׁ** (nephesh، H5315)، وتُترجم "النفس". لكن معناها أعمق من "الروح" بالمفهوم الحديث؛ هي تشير إلى الإنسان الحيّ بكامله — كائنٌ يتنفّس، يشتهي، يتعب، يجوع [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). فحين يقول النص "للنفس التي تطلبه"، هو لا يتحدّث عن جزءٍ روحيّ منعزل فيك، بل عن كلّك، كلّ رغباتك وأنفاسك وتعبك.

وأخيرًا **דָּרַשׁ** (dârash، H1875)، "تطلبه"، وأصلها يعني "أن يدرس الأرض بالقدم" أو "يتتبّع أثرًا بحثًا عن شيء" [Strong's Concordance](cite://s?id=strongs). هذا ليس بحثًا عابرًا، بل تتبّعٌ مثابرٌ، كمن يقفو أثر شيءٍ ضائعٍ يريده بشدّة. اجمع هذه الكلمات معًا فترى الصورة: الله صالحٌ لمن يظلّ يشدّ حبل الثقة به، ولمن يقفو أثره بكل كيانه.

## كيف تشير إلى المسيح

حين تقرأ "طيّبٌ هو الربّ للذين يترجّونه"، أنت تقرأ صدى نبوءةٍ ستتحقّق حرفيًّا في يسوع. إشعياء يقول عن شعبٍ منتظرٍ خلاص الربّ: "انتظرناه فخلّصنا... هذا هو الربّ انتظرناه" (إشعياء ٢٥:٩). ذلك الانتظار الطويل، ذلك الرجاء المضفور من خيوطٍ كثيرة عبر أجيال، وجد جوابه في طفلٍ وُلد في بيت لحم، في رجلٍ صُلب على تلّةٍ خارج أورشليم، في قبرٍ فُتح فارغًا.

فكّر في هذا: إرميا يبكي على هيكلٍ محروق، على غياب حضور الله المرئيّ بين شعبه. ويسوع يأتي ليقول "انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يوحنا ٢:١٩)، ويصبح هو نفسه الهيكل الجديد، حضور الله الدائم بيننا الذي لا يُحرق ولا يُسبى. الخراب الذي بكى عليه إرميا لم يكن الكلمة الأخيرة؛ فقد أتى المسيح ليجعل "طيبَ الربّ" ليس مجرد صفةٍ يُنتظر ظهورها، بل وجهًا يُرى ويُلمس.

وحين تقول الآية "للنفس التي تطلبه"، تذكّر كلام يسوع نفسه: "اطلبوا فتجدوا" (متى ٧:٧)، ووعده الأعمق: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال فأنا أُريحكم" (متى ١١:٢٨). المسيح هو الجواب النهائيّ على كل نفسٍ طلبت الله في ظلام السبي، وفي ظلام حياتك أنت أيضًا. وعندما يعلّمنا يعقوب أن نتأنّى "إلى مجيء الربّ" كالفلاح الذي ينتظر المطر (يعقوب ٥:٧)، هو يمدّ نفس الرجاء الذي حمله إرميا وسط الأنقاض، ليصله بانتظارنا نحن ليوم مجيء المسيح ثانيةً، حين يكتمل كل خلاصٍ ابتدأ في الصليب.

## التطبيق

أنت تحمل، على الأرجح، نسختك الخاصة من أورشليم المحروقة. قد لا تكون مدينةً، بل حلمًا انهار، أو علاقةً تكسّرت، أو تشخيصًا طبيًّا غيّر كل شيء، أو انتظارًا طال حتى ظننت أن الله نسيك. إرميا لا يقدّم لك حلًّا سريعًا لألمك؛ هو لا يقول "كل شيء سيكون على ما يرام غدًا". هو يقف في وسط الرماد ويقول شيئًا أعمق: الله صالحٌ، حتى الآن، حتى هنا.

لكن انظر إلى الثمن الذي يطلبه هذا النص منك: أن "ترجوه" و"تطلبه" — وهذان ليسا فعلين سهلين. الرجاء الحقيقي مكلف لأنه يعني أن تظلّ منتظرًا حين كل شيءٍ حولك يصرخ بأن الانتظار عبثٌ. الطلب الحقيقي مكلف لأنه يعني أن تتابع أثر الله حتى في الأيام التي يبدو فيها صامتًا تمامًا. هذا ليس رجاءً سلبيًّا يجلس ويتأمّل؛ هو مثابرةٌ نشيطة، كمن يمشي على أثرٍ لا يراه بوضوح، لكنه يثق أنه يقود إلى بيت.

فالسؤال الذي يضعه هذا النص أمامك اليوم ليس "هل تشعر بأن الله طيّب؟" — لأنك في أيامٍ سيئة قد لا تشعر بذلك أبدًا. السؤال هو: هل ستستمر في طلبه رغم ذلك؟ هل ستربط خيوط ثقتك به، خيطًا بعد خيط، من كل مرةٍ سبق أن أثبت فيها أمانته، حتى تصبح حبلًا متينًا يحملك عبر هذا اليوم بالتحديد؟ الطاعة هنا لا تعني الابتسام وسط الألم، بل تعني أن تبقى في مكان الطلب، ولا تهرب إلى مرارةٍ تُغلق الباب عليه. هذا هو الثمن: أن تظلّ تطلب حتى في الليلة التي لا تشعر فيها بأي شيء.

## نقاط للصلاة

- يا ربّ، أعترف أنني أحيانًا لا أشعر بطيبتك، لكني أختار أن أُعلن الحقيقة عنك رغم شعوري.
- ساعدني أن أضفر رجائي بك من خيوط أمانتك السابقة في حياتي، حتى يحملني في هذا اليوم بالتحديد.
- أعطني قلبًا يطلبك بمثابرة، لا يكفّ عن السعي إليك حتى في صمتك.
- في وسط خرابي الخاص، ذكّرني أنك لم تترك شعبك في الرماد إلى الأبد، وأنت لن تتركني أنا أيضًا.
- علّمني أن أنتظرك بسكوتٍ وثقة، لا بقلقٍ يحاول أن يتحكّم بما لا أستطيع أن أتحكّم به.

## تأمّلات

- في أي "خراب" تعيشه الآن، هل أنت في موضع الطلب النشط، أم في موضع الاستسلام الصامت الذي يشبه الاستسلام لا الرجاء؟
- ما هي الخيوط الفعلية من أمانة الله في ماضيك التي يمكنك أن تضفرها معًا الآن لتصنع حبل رجاء يحملك؟
- هل رجاؤك بالله مشروط بأن يتغيّر ظرفك، أم يمكن أن يبقى ثابتًا حتى لو لم يتغيّر شيء؟
- متى كانت آخر مرة "طلبت" الله فعلًا — لا فقط تمنيت أن يتدخّل، بل تتبّعت أثره بمثابرة؟
- إن كان الله يقول لك الآن "أنا طيّب"، هل تثق بكلامه أكثر من ثقتك بمشاعرك الحالية؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:25:3:25
