# إرميا ٥:٢٢ (الكتاب المقدس - ترجمة فان دايك)

> أَإِيَّايَ لاَ تَخْشَوْنَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟ أَوَلاَ تَرْتَعِدُونَ مِنْ وَجْهِي؟ أَنَا الَّذِي وَضَعْتُ الرَّمْلَ تُخُومًا لِلْبَحْرِ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً لاَ يَتَعَدَّاهَا، فَتَتَلاَطَمُ وَلاَ تَسْتَطِيعُ، وَتَعِجُّ أَمْوَاجُهُ وَلاَ تَتَجَاوَزُهَا.

## ما معناها

اقرأ الآية مرّتين، وستلاحظ أنّ الرب لا يوجّه هنا اتهامًا جديدًا، بل يضع يده على الجرح الأعمق: ليست المشكلة أن شعبه أخطأ فحسب، بل أنهم لم يعودوا يخافونه أصلًا. "أإيّاي لا تخشون... أولا ترتعدون من وجهي؟" هذا سؤالٌ يحمل دهشةً موجوعة، كأن الله يقول: كيف يُعقل هذا؟

ثم يأتي البرهان، وهو غريبٌ في بساطته: البحر. الله لم يستشهد بجبلٍ شاهق أو نارٍ محرقة، بل برملٍ ناعم هشّ. الرمل - أضعف شيء تخطر عليه - هو الذي وضعه الله حدًّا للبحر الهائج، "فريضة أبدية لا يتعدّاها". والنتيجة أن البحر، بكل عنفوانه وضجيجه وأمواجه العاتية، يتلاطم ولا يستطيع أن يتجاوز خطًّا من رمل. هذا هو المشهد: قوةٌ عمياء لا حدود لها، تحترم حدًّا صغيرًا وضعه خالقها، بينما شعب الله - العاقل، المُكلَّم، المُحبّ (بحسب الظاهر) - لا يحترم كلمة الله نفسها.

المفارقة هي قلب الآية: البحر الأعمى أكثر طاعةً من الإنسان العاقل. الرمل يقيّد البحر، ولكن لا شيء يقيّد قلب هذا الشعب المتمرّد [Jamieson-Fausset-Brown](cite://s?id=jamieson-fausset-brown).

هذه الآية تقع في وسط إصحاحٍ كامل من إرميا ٥ يُعدّد فيه النبي خطايا يهوذا: الظلم، والرياء الديني، والزنى، والعصيان المستكبر (إرميا ٥: ١-١٣) [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry). والآية ٢٢ ليست تهديدًا مباشرًا بالعقاب، بل هي أساس التهديد: لماذا يستحقون العقاب؟ لأنهم فقدوا الشيء الذي حتى الطبيعة الصمّاء لم تفقده - الخشوع أمام حدود الله.

لا يوجد هنا اختلافٌ طائفي جوهري في تفسير النص؛ الجميع يقرأ الآية كدعوةٍ إلى الخوف الرَّاشد من الله بناءً على عظمته في الخليقة، وإن اختلفت التطبيقات اللاحقة حول طبيعة "الخوف" المطلوب.

## السياق التاريخي

كتب إرميا هذه الكلمات في مملكة يهوذا، في العقود الأخيرة قبل سقوط أورشليم، تقريبًا بين سنة ٦٢٧ وسنة ٥٨٦ قبل الميلاد. هذا الإصحاح بالتحديد يُرجَّح أنه من أواخر عهد الملك يوشيا أو بداية عهد يهوياقيم [Matthew Henry Bible Commentary](cite://s?id=matthew-henry) - يعني قبل الكارثة الكبرى (سقوط المدينة وخراب الهيكل) بعقودٍ قليلة، لكن بعد أن بدأ الانحدار الروحي يتجذّر من جديد بعد إصلاحات يوشيا.

تخيّل المشهد: أورشليم مدينة تمارس الطقوس الدينية بانتظام - الذبائح تُقدَّم، الهيكل عامرٌ بالمصلّين - لكن القلوب بعيدة تمامًا. الأغنياء يظلمون الفقراء، القضاة يقبلون الرشى، الأنبياء الكذبة يقولون للناس ما يريدون سماعه، والكهنة يتبعونهم في ذلك (إرميا ٥: ٣١). الناس يعيشون كأن الله بعيد، غافل، أو غير مهتم.

يهوذا في تلك اللحظة كانت دولةً صغيرة محاصرة بين إمبراطوريتين عظميين: مصر من الجنوب، وبابل الصاعدة من الشرق. القلق السياسي كان حقيقيًّا وملموسًا - الجميع يعلم أن عاصفة قادمة، لكن قلة قليلة أدركت أن العاصفة الحقيقية ليست جيش بابل، بل غياب خوف الله من قلوب الناس.

في هذا السياق يستخدم إرميا صورة البحر، وهي صورة مألوفة جدًا لكل من عاش قرب سواحل الشرق الأدنى القديم. البحر عند الشعوب القديمة كان رمزًا للفوضى والقوة المرعبة التي لا تُقهر - أساطير كثيرة صوّرت آلهة تصارع وحوش البحر. لكن إرميا، مثل كتّاب المزامير وأيوب من قبله (أيوب ٢٦: ١٠، مزمور ١٠٤: ٩)، يقلب الصورة: ليس البحر قوةً منافسة لله، بل هو مخلوقٌ خاضعٌ، مقيَّدٌ بحدٍّ من رمل بأمرٍ واحد من الرب. هذه لم تكن معجزة حدثت مرة، بل نظامٌ يراه كل ساكن على الساحل يوميًّا: المياه تصل حتى خط معين وترجع، مهما عصفت وهاجت.

فحين يسمع سامعو إرميا هذه الكلمة، هم لا يسمعون فكرة فلسفية عن سيادة الله؛ هم يرون بأعينهم كل يوم شاهدًا حيًّا على طاعة البحر - ويُسألون: أنتم، الذين تحملون كلمة الله في صدوركم، هل تطيعون كما يطيع الرمل والماء؟

## اللغة الأصلية

الكلمة الأولى التي تستوقفنا هي **יָרֵא** (يارِيه، H3372)، وتعني "يخاف" أو "يخشى" - ليس خوف الرعب من عدو، بل الخشوع والاحترام العميق أمام من هو أعظم منك. هذا هو السؤال الذي تفتتح به الآية: "أإيّاي لا تخشون؟" [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill). هذه ليست دعوة للرعب المرضيّ، بل للاعتراف الصادق بمن هو الله فعلًا.

ثم تأتي **חוּל** (حول، H2342)، المترجمة هنا "ترتعدون". هذا الفعل في أصله يعني "يلتوي" أو "يدور بشدة"، وهو الفعل نفسه المستخدم لوصف آلام المرأة وهي تلد! فالمعنى أعمق من رجفة خفيفة - هو انقلابٌ داخلي عنيف، كأن حضور الله يجب أن يهزّ الإنسان من الأعماق كما تهزّ آلام الولادة الجسد.

الكلمة المحورية في وصف البحر هي **חוֹל** (حول، H2344) وتعني "الرمل"، وهي مأخوذة أصلًا من نفس الجذر الذي يعني "يدور، يلتوي" (لأن حبيبات الرمل تدور وتتموّج). والمفارقة اللغوية هنا مقصودة: الكلمة التي تصف رجفة الإنسان (חוּל) قريبة جدًا صوتيًّا من الكلمة التي تصف الرمل (חוֹל) الذي يقيّد البحر. كأن النص يقول: الشيء الذي يجب أن "يلتوي" أمام الله هو قلبك، لا حبيبات الرمل - ومع ذلك الرمل يفعل ما يُطلب منه وأنت لا تفعل.

كلمة **גְּבוּל** (چـِبول، H1366) تعني "حدّ" أو "تخم"، من جذرٍ يعني "حبل مُلتوٍ" - أي الحدّ الذي يُشدّ كخيطٍ لا يُتجاوز. والفريضة التي وُضع بها هذا الحدّ هي **חֹק** (حوق، H2706)، كلمة تعني "مرسوم" أو "قانون ثابت"، مقترنة بـ **עוֹלָם** (عولام، H5769) أي "أبدي، دائم" - فهذا ليس اتفاقًا مؤقتًا بل نظامٌ لا يتغيّر أبدًا.

وأخيرًا الفعل **עָבַר** (عَبَر، H5674) "يتعدّى" أو "يعبر"، يتكرر في الآية مرتين تقريبًا بالمعنى (لا يتعدّاها... لا تتجاوزها) - البحر يحاول العبور فلا يستطيع، بينما الإنسان يعبر حدود الله متعمّدًا كل يوم.

## كيف تشير إلى المسيح

حين تقرأ هذه الآية، لا يمكن أن يغيب عن بالك مشهدٌ آخر: يسوع نائمٌ في السفينة، والعاصفة تعصف، والتلاميذ يصرخون من الرعب - ثم يقوم ويوجّه كلمة واحدة إلى البحر: "اسكت، ابكم" (مرقس ٤: ٣٩). وفي تلك اللحظة بالضبط، يتحقق ما يقوله إرميا ٥: ٢٢ عن الرب الذي يضع للبحر حدًّا لا يتعدّاه - لكن الآن هذا الرب واقفٌ في قارب صيدٍ صغير على بحيرة الجليل، بشرًا بيننا.

الفرق أن في إرميا البحر يخضع لحدٍّ ثابتٍ منذ الخليقة، بصمتٍ طبيعي؛ وفي مرقس البحر يخضع لكلمة مباشرة من فمّ المسيح، فورًا، أمام عيون شهود. التلاميذ أنفسهم يسألون: "من هذا؟ فإن الريح أيضًا والبحر يطيعانه!" (مرقس ٤: ٤١) - وهو السؤال الذي يجيب عليه إرميا مسبقًا: هذا هو الرب نفسه الذي "وضع الرمل تخومًا للبحر". يسوع ليس نبيًّا يتوسّل إلى قوة أعظم منه، بل هو صاحب الفريضة الأبدية ذاته.

وهناك بُعدٌ آخر أعمق: الآية تتّهم شعب الله بأنهم أقلّ طاعةً من البحر الأعمى. المسيح هو الإنسان الوحيد الذي جاء ليكون الطاعة الكاملة التي فشل فيها كل إنسان آخر - "صار طائعًا حتى الموت" (فيلبي ٢: ٨)، مع أن كل الخليقة، حتى الجماد، تخضع لصوته. فحيث فشلت يهوذا في أن تخشى الرب وترتعد من وجهه، جاء المسيح ليكون الابن الذي يخاف الرب خوفًا كاملًا وطاعةً تامة نيابةً عنّا (عبرانيين ٥: ٧).

وفي سفر الرؤيا، حين يقف المفديّون أمام عرش الله يُغنّون: "من لا يخافك يا رب ويمجّد اسمك؟" (رؤيا ١٥: ٤)، فإننا نرى أن الخوف الذي رفضته يهوذا في زمن إرميا، سيُستعاد في النهاية - لا كرعبٍ، بل كسجودٍ مملوءٍ بالمحبة، ممكّنٍ بعمل المسيح الذي صالحنا مع الله.

## التطبيق

دعني أسألك سؤالًا مباشرًا: متى آخر مرة ارتجفت أمام الله؟ لا أعني نوبة خوف أو قلق، بل تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك واقفٌ أمام شيءٍ أعظم منك بما لا يُقاس، فتنحني قلبك بلا إرادة.

المشكلة التي يضع إرميا يده عليها ليست غياب الدين - يهوذا كانت "متديّنة" جدًا، طقوسها منتظمة، هيكلها عامر. المشكلة أن الخوف من الله تبخّر من داخل التديّن. وهذا فخٌّ نسقط فيه بسهولة اليوم: نصلّي، نقرأ، نحضر، لكن هل نرتعد؟ هل قلوبنا تنحني حقًّا أمام من "وضع الرمل تخومًا للبحر"، أم أننا نتعامل مع الله كصديقٍ مريح لا كملكٍ مرهوب؟

انظر إلى المفارقة القاسية: البحر - هذا العملاق الهائج الذي لا يفكّر ولا يشعر - يطيع حدًّا من رمل. أما أنت، الذي أُعطيت عقلًا وقلبًا وكلمة الله مكتوبة، فتتجاوز حدوده كل يوم بلا رجفة، بلا شعور بالخطر. أليس هذا هو الجنون الحقيقي؟ [John Gill Bible Commentary](cite://s?id=john-gill)

الثمن الذي تطلبه هذه الآية ليس معلومة تُضاف إلى معرفتك، بل توقّفٌ صادق: أن تعترف أنك، في مناطقٍ معينة من حياتك، تعامل كلمة الله كخطٍّ يمكن تجاوزه إذا اقتضت الظروف - في كلامك، في نظرك، في مالك، في غضبك. وأن تطلب من الله أن يعيد إلى قلبك ذلك الارتعاد المقدّس الذي فقدته يهوذا، لا خوف العبيد المرتجفين من سيدٍ قاسٍ، بل خشوع الأبناء الذين يعرفون عظمة أبيهم فيحترمون كلمته حتى في أصغر التفاصيل.

هذا لا يأتي بجهدٍ ذاتي، بل بالنظر مطوّلًا إلى من هو الله، حتى ينذهل القلب من جديد.

## نقاط للصلاة

- يا رب، اعترف أمامك أنني فقدت في مناطق من حياتي ذلك الارتعاد المقدّس أمام كلمتك، فأعِد لي الخشوع الصادق.
- أرني يا الله المناطق التي أتجاوز فيها حدودك بهدوءٍ وتبلّد، كما لا يفعل حتى البحر الهائج أمام الرمل.
- علّمني أن أخاف اسمك خوفًا يقودني إلى القرب منك لا إلى الهروب منك.
- أشكرك لأنك أنت من ضبط البحر بكلمتك، وأشكرك لأن يسوع أسكت العاصفة، فأنت قادر أن تضبط عاصفة قلبي أيضًا.
- امنحني قلبًا يُطيع كلمتك بثقةٍ ورجفة، كما يطيع البحر حدّه بلا سؤال.

## تأمّلات

- هل هناك أمرٌ محدد في حياتي أعرف أنه يتجاوز حدود كلمة الله، وأنا أتعامل معه بهدوءٍ لا يُقلقني؟
- متى شعرت آخر مرة برجفة حقيقية أمام عظمة الله، لا كخوفٍ من عقاب، بل كانذهاشٍ من قداسته؟
- هل تديّني الخارجي (صلاتي، حضوري، كلامي الديني) يخفي غياب الخشوع الحقيقي في داخلي، كحال يهوذا؟
- أي "بحر" في حياتي - غضبي، شهوتي، طمعي - أشعر أنه يتلاطم بلا حدٍّ، وأحتاج أن أطلب من الله أن يضع له رملًا؟
- إن نظرت إلى قصة سفينة التلاميذ ومسيح مسكّن العاصفة، ماذا يقول لك هذا عن هوية من تخاف - أو لا تخاف - اليوم؟

---

https://dewfall.app/ar/read/svd:24:5:22
